إزالة الصورة من الطباعة

فلسطين في عصور ما قبل التاريخ

تمهيد:

خريطة المواقع التي ورد ذكرها في عصور فلسطين

تنقسم العصور المتوغلة في القدم من تاريخ البشر إلى قسمين: قسم يشمل الأزمنة التي مرّت على الإنسان قبل أن يتعلّم القراءة والكتابة، ويتخذهما وسيلة لتدوين أعماله وحوادثه، وتعرف هذه الأزمنة بأزمنة قبل التاريخ، وقسم يشمل الأزمنة التي مرّت على البشر بعد تعلمهم القراءة والكتابة لأنّ أخبارهم في هذه الأزمنة قد انتقلت إلينا مسجلة ويعرف بالعصر التاريخي.

ظهر الإنسان قبل بداية العصر التاريخي بألوف من السنين، والرأي الأرجح هو انّ الإنسان ظهر على الأرض منذ عهد قريب من نصف مليون سنة[1].

والمعروف انّ الإنسان الحالي يختلف اختلافاً كبيراً عن الإنسان يوم بدء ظهوره على الأرض، وأقرب الأنواع إلى شكل الإنسان الحديث عثر على بقاياه في فلسطين ـ كما سيأتي بيانه ـ، كما عثر عليها في مناطق متعددة في اوروبا وبخاصة في ألمانيا وفرنسا.

وينقسم زمن ما قبل التاريخ إلى أربعة عصور، سميت باسم المادة التي صنع بها الإنسان أدواته وهي: العصر الحجري القديم والعصر الحجري المتوسط والعصر الحجري الحديث والعصر المعدني.

 

1ـ العصر الحجري القديم

ويعود تاريخه إلىأكثر من (000 ، 150) سنة. وكان الإنسان في هذا العصر همجياً، يعيش عارياً، مرسل الشعر؛ وكان يأوي إلىالغابات أو إلىأخصاص يتخذها من أغصان الشجر. ويتغذى بما يجده من نبات وجذور وثمار وبذور؛ وما يتصيده بهراوته من حيوان وطير. ولذلك يصح أن نطلق على هذا العصر اسم (طور جمع القوت ـ Food Gathering Stage). ثم دعته حياة الصيد والدفاع عن النفس من الحيوانات المفترسة إلىالتفكير في وسائل تساعده على ذلك. فتمكن من استعمال الظُرَّان[2] فاتخذ منها ومن العظام والقرون آلات وأدوات. وبدأ باستعمالها، ونوَّع أشكالها وفقاً لأغراضه، وصار يملك البلطة والفأس والسكين والمنشار والمِخْرَز والإزميل وغيرها. وكانت هذه الأدوات في أول أمرها خشنة، غليظة، كبيرة الحجم. ولم يلبث الإنسان أن تمكن من تصغير حجمها. ثم تطورت حياة الإنسان باكتشافه كيفية استعمال النار.

قد يكون الإنسان رأى النار أول ما رآها، مضطربة في الغابات بفعل النيازك أو الصواعق وما شابهها من الظواهر الطبيعية. أو رأى لهيبها منبعثاً من فُوهَّة أحد البراكين. والمرجح أنه أشعل النار في أول الأمر بأن ركز عصاه في ثقب شجرة يابسة، ثم أدارها بسرعة فتولدت النار من الاحتكاك؛ أو انه توصل إلىذلك اتفاقاً عندما كان يرقق أدواته الحجرية.

وباكتشاف النار بدأ انقلاب من أعظم الانقلابات في تاريخ سير البشر في معارج التقدم. فصار يطبخ طعامه، واتخذ المغاور بيوتاً له وحصنها باشعال النار أمام مداخلها ليمنع اقتراب الحيوانات منها، فأمِن فيها هجمات الحيوانات المفترسة. ولابد أنها خدمته أيضاً في تدفئة جسمه وفي الإنارة ليلاً.

مرقد عثر الباحثون على بقايا الهياكل البشرية لهذا العصر في (مغارة الزُّطِيّة)[3] حيث وجدت فيها جمجمة تعرف (بجمجمة طبريا) أو (جمجمة الجليل) التي اكتشفت عام 1925م عاش صاحبها قبل نحو (000، 200) سنة[4]؛ وعلى بقايا هياكل أخرى في مغارتي (السخول) و (الطابون) من (عتليت)[5] في جبل الكرمل ـ وفي مغارة (القَفْزَة) الكائنة على الجانب الشرقي من وادي جبل القفزة 397 متراً في جنوب الناصرة، ويعود عهدها إلىماقبل (000،100) سنة على الأقل.

إن فحص الهياكل العظمية والجماجم البشرية التي وجدت في كهوف الكرمل والناصرة أثبتت أن أصحابها كانوا أقرب شكلاً إلىالغوريلا منتصباً منه إلىالإنسان الحالي. كانوا أقوياء البنية، قصيري القامة، ممتلئي الأجسام، عديمي الذقن. اصابعهم قصيرة وغليظة وعيونهم غائرة. ينحنون قليلاً إلىالأمام عند مسيرهم.

(قد اتفق الباحثون على أن الإنسان الذي عاش على مقربة من كهف الطابون في جبل الكرمل بفلسطين كان حلقة بين الإنسان البدائي والإنسان الحالي. خصوصاً وانه يمكن مقارنة هذا الإنسان أيضاً من الناحية التشريحية بما نسميه الآن الإنسان العاقل)[6].

(ولعل هذه هي مرحلة التطور الإنساني من النوع العتيق البائد إلىالنوع الحديث. وقد أُطلق على هذا النوع اسم إنسان فلسطين)[7].

وقد عثروا على بقايا آثار وأدوات العصر الحجري القديم من مقاشط[8] وفؤوس يدوية[9] ومحافر[10] وشفرات سكاكين وغيرها من الآلات الصوانية في كهوف الكرمل المار ذكرها وكهوف (ام قَطَفَة)[11] و (الزطيَّة) و (مغارة الأميرة)[12] و (مغارة ابو سيف) الواقعة شرقي الخليل. كما عثروا على (بلطات يدوية) في جنوبى (جسر بنات يعقوب) جنوبي بحيرة الحولة.

وتعتبر قطع الفحم التي عثروا عليها في (مغارة الطابون) من أقدم القطع التي عثروا عليها من نوعها، وتعود بتاريخها إلىنحو 000،150 سنة[13]. وهناك قطع أخرى ترجع إلىالدور الأخيرة من العصر الحجري القديم اكتشفت في (مغارة الوادي) ـ قرب الطرف الغربي للكرملـ تشير في تركيبها إلىنماذج السنديان والطرفاء والكرمة[14].

كما عثروا على ناب فيل وُجد في (مغارة الطابون) وهذا أول دليل على وجود الفيل في العصر الحجري القديم في فلسطين. وقد عثروا أيضاً فيما بعد على غيره من بقايا الفيلة في بيت لحم وقرب جسر بنات يعقوب[15].

ووجدوا عظام حيوانات في كهوف الزطئة ومغارة الواد وهي تنبيء عن عالم حيواني يختلف بعض الشيء عن حيوانات أيامنا هذه: وجدوا أنياب دب أسمر وهذا النوع قد انقرض تقريباً من فلسطين، وأسنان الوعل المسمى Dama Mesopotamica الذي لا يوجد اليوم إلاّ في بقاع فارس السحيقة. وتدل بقايا هذا الوعل على انه كانت في فلسطين أحراج يسقط فيها كثير من المطر. وعثروا ايضاً على قرن غزال وفك سفلى للضبع المرقط وهو لايعيش اليوم في بلادنا، وثنية (سن) وضرسه. وهما أكبر من أسنان الحيوان الحالي، (والسن حيوان بري كبير يشبه الثور) وقد انقرض من فلسطين. ووجوده في العصر الحجري القديم يدل على ان البلاد كانت أغزر أمطاراً مما هي الآن[16]. كما وجدوا ضرس فرس النهر وسنه الكبير، وعظام الخرتيت (وحيد القرن) ونوعاً كبيراً من السلاحف التي تعيش في المياه العذبة. وكل ذلك يدل على أن البلاد كانت دافئة الطقس كثيرة المستنقعات[17].

ومن أهم الأعمال التي حققها الفلسطيني في العصر الحجري القديم نشوء النطق لديه الذي يُعد أباً للعقل. ثم أخذ نطقه يتطور التطور الذي احتاج إلىأزمنة طويلة لاينتهي إليها العد. وكانت لغته بسيطة إلاّ انها كانت كافية للتعبير عن أغراضه التي لم تكن كثيرة. فاللغة هي الأساس الذي يقوم عليه بناء الحضارة. وانّ تطورها وتقدمها ساعد على تجمع الناس بشكل جماعات لابد وأنها كانت قليلة العدد في أول أمرها. ولما لم تكن الكتابة قد اخترعت بعد، فليس لدينا من وسائل تؤدي إلىمعرفتنا شيئاً من أمر هذه اللغة الفلسطينية الأولى.

***

يستنتج مما تقدم ان فلسطين كانت من أقدم مواطن الإنسان. وانها كانت مأهولة منذ نحو 000،200 سنة. والمعروف ان الفلسطيني الأول كان من ظاهر (المجدل) على ساحل بحيرة طبرية الغربي. كما رأى بعض علماء الآثار ان بلادنا كانت مهداً (للإنسان العاقل) أو (الإنسان الحديث).

وكان الفلسطينيون يطوقون الأحراج والحقول باحثين عن طعامهم ويلجأون إلىالكهوف اتقاءاً للبرد وخوفاً من الحيوانات المفترسة. واما آلاتهم وأدواتهم فكانت من العظام وأحجار الصوان. ثم تدرجوا في المعرفة فاكتشفوا النار التي كان لها أعظم الأثر في حياتهم، كما تطورت لغتهم مما ساعد على تجمعهم بشكل وحدات صغيرة.

 

2ـ العصر الحجري الوسيط

وهو العصر الذي استمر نحو ستة آلاف سنة اعتباراً من حوالي عام 000،12ق.م وقد داوم الإنسان في سكن الكهوف والمغاور، إلا انه تمكن فيه من صقل وتصغير حجم أدواته الحجرية وتحسين صنعها بحيث أصبحت أكثر فعالية بالنسبة لأغراضه.

وصيد السمك كان دون شك يزاول اثناء هذا العصر حتى في الوديان (كوادي النطوف ـ الآتي ذكره ووادي خريطونـ قرب بيت لحم وللجنوب الشرقي منها) التي كانت غزيرة المياه فيما مضى مع أنها اليوم جدباء لا ماء فيها[18].

وقد وجد في أحد كهوف الكرمل جمجمة لكلب كبير يستدل منها على ان الإنسان ابتدأ في تدجين حيوانات هذا الدور. والآثار التي عثروا عليها في مزار في أريحا تدل على تدجين البقر والماعز والغنم والخنازير في اواخر هذا العصر. فالفلسطينيون القدماء، على الأرجح هم أول من دجن الحيوان.

ولا شك في ان الكلب أول حيوان أنس إلىالإنسان الذي اتخذه رفيقاً له يحرس قطعانه وأدواته ويساعده على اقتناص فريسته.

وباهتداء الناس إلىتدجين بعض الحيوانات اضطروا بسبب التنقل بقطعاتهم من مرعى إلىآخر أني صبحوا رعاة بعد أن كانوا صيادين.

(ففي رحلة حياة الرعي كان الناس، على ما يظن، يعبدون الإله القمر الذي كان أكثر نفعاً وتلطفاً من الشمس في بلاد حارة مثل سورية وفلسطين. وكان القمر يبدد رهبة الظلام ويأتي بالبرودة التي يمكن للقطعان أن ترعى فيها براحة. ولذلك فإنه كان صديق الراعي أكثر من الشمس)[19].

وعند نهاية هذا العصر دخل سكان فلسطين في طور من العيش جديد، طور الاعتماد على الزراعة. وبذلك انتقلوا من عصر (جمع القوت) المار ذكره إلىطور (إنتاج القوت ـ Food producing). وتتمثل حضارتهم في هذه الحقبة بالأدوات الحجرية المصقولة وبالصحون الحجرية ـ التي وجدت في وادي المغارةـ والهواوين والمداق من حجر جهنم وقد عثروا عليها في مغارة الكبّار[20]، والمناجل الصوانية المركزة في قبضة خشبية يظن أنها كانت تستعمل لحصاد القمح وغيرها التي عثروا عليها في مغارة (شُقْبَة)[21] عام 1928م. ويظهر من هذه الأدوات أن الفلسطينيين هم أول من مارس الزراعة في العالم[22]، بينما كان غيرهم من الناس مازالوا يعيشون على الصيد أو الرعي.

وقد عهد الفلسطينيون بهذه المهنة الجديدة إلىنسائهم وأولادهم. وأما الرجال فقد ظلوا منصرفين إلىأعمال الصيد والرعي ورد العدوان.

لا يعلم أحد كيف تم لهؤلاء الفلسطينيين تعلم زراعة الأرض إلا أنه من المحتمل أن تكون بعض البذور البرية، التي جمعها الفلسطيني من الأرض ليقتات بها، سقطت منه ثم نمت، ولما رأى أن محصولها تضاعف جعل يُبذرها هو بنفسه وأخصها القمح والشعير.

وبعد أن عرف الفلسطينيون زراعة القمح والشعير زرعوا الدخن (نوع من الذرة ثم العنب والتين والزيتون وأنواع الخضر.

قال حتي: (ويبدو أن المهاجرين الساميين الأولين إلىمصر انما أتوا من سورية وأدخلوا معهم زراعة القمح وزراعة الكرمة. والكلمة التي تعني القمح (Gmhu)، وكذلك الكلمة التي تعني الكرمة (Karmu) في اللغة المصرية القديمة هي بلا شك من السامية وبالأخص من الكنعانية)[23].

انّ حياة الزراعة أدت إلىنبذ الإنسان حياة الرحيل من مكان إلىآخر طلباً للقوت، وإلىالاستقرار وبالتالي ساعدت على نشوء الحياة الاجتماعية الكثيرة مما كان لها تأثير كبير على التطور في لغته[24] البسيطة والتطور في المعتقدات الدينية. كما ساعدت على ظهور الملكية الفردية.

وأثناء نشوء الحياة الزراعية اوجد الإنسان في فكره ارتباطاً بين النمو وبين الشمس التي أخذت حينذاك تتقدم على القمر. وبدأت في ذلك العهد عبادة الإلاهة الشمس وكذلك عبادة الأرض الأم بشخص إلاهة للخصب تتعهد شؤون الزراعة. واتخذت الديانة شكلاً مؤنثاً واضحاً لسبب آخر وهو ان المرأة يمكنها أن تمارس الزراعة بسهولة أكثر من ممارسة الصيد)[25].

وفي العصر الحجري المتوسط وُلد (الفن) في فلسطين. فقد عثروا في كهوف الكرمل على رسم ثور حفر في العظم وعلى قطعة من حجر الكلس منحوتة على صورة رأس إنسان. يمثل الرقبة خط محفور وأما العينان والفم فمنقوشة والحاجبان بارزان مما يطابق أوصاف إنسان ذلك العصر[26].

وعثروا أيضاً في مغارة (أم زويتينة) الواقعة في جنوب الخليل على تمثال وعل أو غزال منحوت على قطعة من الحجر الكلسي الرمادي اللون والحيوان مضطجع وقوائمه مطوية تحت جسمه وعنقه ممتد إلىالأمام[27].

كما وجدوا في معبد في اريحا ـ لعله كان مكرَّساً للإله القمر ـ تقدمات نذرية من الطين تمثل حيوانات داجنة كالبقر والماعز والغنم تعود بتاريخها إلىأواخر الألف السادس قبل الميلاد، مما يدل على المستوى الرفيع من المهارة الفنية الذي بلغه الفلسطيني حوالي نهاية العصر الحجري المتوسط.

وكان البشر الذين عاشوا في فلسطين، في هذا العهد، أصغر قامة من الجنس الذي عاش فيها في العصر الحجري القديم. وكانوا نحاف الجسم، معدل طولهم من خمس أقدام وأربع أصابع إلىخمس أقدام وسبع أصابع، مستديري الرؤوس، طويلي الجمجة، ذقونهم منبسطة وأنوفهم كبيرة، شعرهم أسود يشبهون إنسان العصر الحجري النحاسي الذي وجدت آثاره في جبل لبنان، ويشبهون المصريين الذين عاشوا في عصر ماقبل السلالات. ويبدو أنهم كانوا من أفراد العرق نفسه الذي انتسب إليه الحاميون والساميون فيما بعد.

 

3ـ العصر الحجري الحديث

دام نحو ألفي سنة اعتباراً من حوالي 6000ق.م. أخذ الناس في هذا العصر يتقدمون نحو الحضارة والمدنية بخطى وئيدة، فتقدموا في الآلات والأدوات الحجرية التي كانوا يستعملونها، فإنهم زادوا في صقلها وإرهاف حدودها فوضعوا لفؤووسهم الحجرية مقبضاً حجرياً ليكون وقعها أشد.

(من الخطأ حسبان هذه الآلات عديمة الهندام والفاعلية. فإن أحد الصناع في الدينمرك امتحن حديثاً فعل إحدى الفؤوس الحجرية المكتشفة فتمكن بها ـ مع أنه غير معتادٍ على استعمالهاـ من قطع ست وعشرين صنوبرة قطر كل منها ثمانية قراريط، وتفصيلها قطعاً بمدة عشر ساعات فقط. وتمكن صانع آخر من أن يقطع بآلات حجرية الخشب اللازم لبناء بيت كامل، وأتم البناء بواحد وثمانين يوماً. فترى أن أهل العصر الحجري الحديث استطاعوا أن يبنوا لأنفسهم بيوتاً رَحْبَة مريحة، ويبلغوا من المدنية درجة لم يحلم بها أسلافهم المتوحشون)[28].

وكذلك تقدم الناس في تدجين الحيوانات وفي الزراعة. ولما أصبح الإنسان مزارعاً وفلاحاً استقر في الأرض وبنى البيوت وترك الكهوف والمغاور وأخذ ينشىء القرى والمدن. وبذلك بدأ فن البناء والعمارة وفكرة تملك الأرض. فتبدلت أساليب الحياة الإنسانية تبدلاً أساسياً، وأصبح قوامها الزراعة بعد الصيد ورعاية الماشية.

لم يلبث الإنسان بمقتضى حاجات الحياة التي ألحت عليه، أن عرف صناعة النسيج والغزل وصناعة الخزف مما ساعد في ترقية حياته المستقرة، كما تطور ذوقه بمصنوعاته الفنية الجميلة التي كان يصنعها بكثير من الدقة والعناية مما يدل على تحسسه بالجمال.

وعرفنا من مدن فلسطين في ذلك العصر:

(1)أريحا[29]:

المعروف أنها كانت أول مكان في فلسطين شرع الإنسان يبني فيه بيوته، وبذلك كان سكان أريحا القدماء أول من انتقل، في بلادنا، من سكن المغاور إلىالمعيشة المستقرة. وترجح بقايا مساكنها البدائية التي عثروا عليها فيها إلىنحو عام 7000 سنة قبل الميلاد. والمنزل في اريحا كان يتألف من غرفة كبيرة أو اثنتين صغيرتين. وقد وجدوا في داخلها تماثيل حيوانات من الطين بينها رأس حيّة وبقرات وكلب وتماثيل اخرى صغيرة من الطمي عيونها من الأصداف والقواقع الصغيرة. وبلاط هذه البيوت المكتشفة مصنوع من مزيج دقيق من الطين والكلس مستو أملس يكون أحياناً مصبوغاً بصباغ أحمر. وسقوفها مصنوعة من القصب المبلط بالطين.

ومن المحتمل أن سكان اريحا جرّوا الماء لبلدهم من مكان بعيد ليسدوا حاجتهم وحاجة مزارعهم منه.

(وقد عثر المنقبون في اريحا على سور يحيط بها، بني من الحجارة على ارتفاع عشرة أمتار. وأقيم فيه برج مستدير قطره 13 متراً يصعد إليه باحدى وعشرين درجة. وهذا السور والبرج أقدم بناء حجري عثر عليه علماء الآثار حتى الآن. ويعود بناؤه إلىسنة 7000ق.م. ويحيط بالسور خندق حفر في الصخر على عمق مترين ونصف المتر واتساع ثمانية أمتار.

إنّ بناء السور وحفر الخندق والقيام بأعمال الري لتدل على كثرة السكان وعلى قوة أنظمتهم التي جعلتهم يقومون متعاونين متشاركين بأعمال لاتقوم بها إلا الحكومات. وهكذا يجوز لنا أن نقول إن اول نواة حكومة نشأت هنا)[30].

كان المعروف ان الحضارة نشأت في العراق ثم في مصر. ولكن الحفريات الأثرية الأخيرة التي جرت في اريحا وجوارها برهنت على ان نشوء الزراعة وتجين الحيوان والاستقرار ظهرت جميعها في أريحا قبل أن تظهر في العراق بأكثر من حوالي الف سنة. ولهذا فتعتبر أريحا أقدم مدينة في العالم اكتشفت حتى الآن.

ويرى (غار ستنغ ـ Garsting) الذي عثر على بقايا خزفية في حفرياته التي أجراها بين سنة 1930 و 1936 في اريحا أن صناعة الخزف اخترعت في أريحا وذلك حوالي 5000ق.م. والأدوات التي عثر عليها كانت بدائية من نوع الأجران والجرار. وجميعها كانت تصنع باليد. واما الدولاب فيظن انه اخترع حوالي 4000ق.م. ولكنه لم يستخدم بصورة بارعة في جنوبي فلسطين إلا حوالي 2000ق.م.

ومن أريحا انتشرت صناعة الخزف في مختلف أنحاء فلسطين وسورية حيث عثروا على الخزف المدهون أو الملون والمزخرف، في بيسان وقرب غزة وحماة وجرابلس فضلاً عن أريحا. ونجد بين زخارفه أشكالاً تمثل حيوانات وبخاصة بعض أنواع الأيائل والطيور والأسماك، وبعض زخارف الزهور.

 (2) جازر[31]:

تقع جازر على منتصف طريق يافا ـ القدس القديمة، التي كانت تؤدي من الساحل إلىالمنطقة الجبلية. إن الحفريات التي جرت في جازر تفيد أنها كانت محاطة بسور ترابي ثخنه عشرة أقدام. وجهه من الداخل والخارج مبني من الحجر، وان سكانها قد بدأوا في هذا العصر يحرثون الأرض ويزرعون العنب والزيتون ـ ويعصرون ثمارها في معاصر منقورة في الصخورـ كما زرعوا التين والقمح والشعير والبصل والثوم والحمص والفول والخس وغيرها. وكانوا يصنعون خزفهم بأيديهم يزينونه بخطوط حمراء وبيضاء، ويضعون موتاهم في جرار وبجانبها خزف مملوء بالطعام والشراب، مما يدل على وجود ديانة بينهم وإيمان بالبعث. وكثيراً ماكانوا يحرقون تلك الجثث في كهف لهذا الغرض، وهي عادة لم يعرفها الساميون قط.

وتدل بقايا عظام الخنازير التي عثروا عليها تحت معبد (جازر) على ان الخنزير كان الحيوان المفضل للذبيحة التي تقدم إلىآلهتم. وربما كان ذلك سبباً لكراهية الساميين لهذا الحيوان وهم الذين وقدوا بعد ذلك، إلىهذه البلاد وحاربوا أهلها وناصبوهم العداء ثم حلوا فيها.

 

4ـ العصر المعدني

يطلق هذا الاسم على العصر الذي يتبع العصر الحجري الحديث؛ وينتهي ببدء العصر التاريخي وفيه عرف الناس استعمال المعادن. وأوله من نحو 4000ق.م. وختامه في بلاد الشام، ومنها فلسطين، في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد. ويعزى اكتشاف المعادن إلىالمصريين.

قال بريستيد: (كان المصريون يتقدمون في أشياء أُخرى كثيرة منها اكتشاف المعادن. ولا يعلم تماماً كيف استتب لهم ذلك. إلا أن بعض المؤرخين تكهن وقال: إنه بينما كان أحد الرجال سائحاً في شبه جزيرة سيناء، أضرم ناراً أمام خيمته وأحاطها بحجارة كانت مبعثرة حولها. ولما جَنّ الليل نام. وحين أفاق في الصباح التالي عمد إلىالنار التي كانت قد خمدت وحرّك رمادها قليلاً. فإذا هو يرى أمامه حُبيبات من معدن تتألق بنور الشمس، فالتقطها وأخذ يتأملها مدهوشاً لأنه لم يعلم المصدر التي جاءت منه. فلما كرَّر التجربة تيقن ان مصدرها الحجارة التي صفها حول النار. فجمع كمية منها استعملت اولاً حُليْاً للنساء، ثم خطرله أن يصنع من ذوب هذا المعدن شفرة تقوم مقام الخنجر الذي كان يحمله في منطقته.

إن هذا السائح وقف عند فجر عصر جديد، فجر العصر المعدني دون أن يعلم بذلك. ولو كان قد أدرك حقيقة تلك الحبيبات اللامعة التي أخرجها بيده من الرماد فلربما عكست إلىعينيه (كما عن مرآة الرؤيا) صور المدرعات الحربية، والأسلاك البرقية، والسكك الحديدية تجري عليها القطرات بالغدّو والرواح، والمعامل التي يصمُّ صوت آلاتها الآذان. ولولا تلك الحبيبات البراقة التي اكتشفها اتفاقاً هذا السائح المصري، لما تسنى للعالم ان يتمتع الآن بما لديه من ضروب الاختراعات ومنافعها العظيمة. ومنذ ان اكتشف الإنسان النار قبل الآن بخمسين الف سنة لم يظفر باكتشاف شيء يستحق ان يقابل باكتشافه هذا خطورة ونفعاً)[32].

ويظهر انّ النحاس، وأعظم مناجمه كانت في سيناء، كان أول المعادن التي انتفع بها المصريون، في عصر ما قبل السلالات، واستخدموه في كثير من صناعاتهم. وأما الشاميون فقد بدأوا باستعماله جنباً إلىجنب مع الأدوات الحجرية في نحو 4000ق.م. حين اقتصروا على استعمال الأدوات النحاسية واستغنوا عن الآلات الحجرية. وكثيراً ما تعرف الفترة الواقعة بين 4000ـ3000ق.م. بالعصر الحجري النحاسي.

وقد عثروا في (تليلات الغسُّول)[33] على فأس ثبت بعد التحليل أنها تكاد تكون مصنوعة من النحاس الخالص. و (التليلات) هذه مجموعة من التلال المنخفضة تقع على نحو عشرة كيلومترات إلىالشمال الشرقي من البحر الميت. وهذا المكان الواقع الآن في ارض قفر كان مدينة مزدهرة قبل عام 3400ق.م. وقد دمّرها حريق هائل لم تسكن بعده.

وعثروا في هذه التليلات أيضاً على تماثيل كلاب من الطين وأسنة عظمية، الأرجح أنها كانت تستعمل في الحياكة للقذف بسدى النسيج بين لحمته. وأسنة عظمي أُخرى تستعمل في خياطة الأقمشة الغليظة والجلود كما يستعمل الإسكاف المخرز وعثروا على ملاعق من الفخار[34] وصحون ومغارف كانت تستعمل لصب الطعام الحار من القدر في الصحون[35].

وتبين من الحفريات التي أُجريت في هذه المدينة بين عامي 1928 و 1938 أن أبنية أماكن العبادة كانت مستديرة، بينما كانت أبنية بيوتها مستطيلة. والبيوت هذه كانت مبنية من اللبن المجفف بالشمس أقيمت على الصخور أو على أساسات من اللبن نفسه، مسقوفة بالخشب أو القصب وأرض غرفها مفروشة بالقصب المغطى بالطين. وزينت معظم جدرانها بأشكال هندسية دقيقة وبرسوم ملونة تمثل تنانين وطيوراً واناسي بلغت من الإتقان حداً كبيراً. واما فِناء المنزل فكان يقابل أحد الجوانب الكبرى للبيت. وقد وجد تحت أرض المنزل وغرفة بقايا اولاد السكان، وقد دفنت في أوان خزفية أو أُحرقت[36].

ومن المدن الفلسطينية الأخرى التي تعود بتاريخها إلىهذا الدور، وعثروا فيها على كثير من عاديات العصر الحجري النحاسي (مًجِدُّو)[37]. وقد اكتشف فيها رسوم بشرية وحيوانية على الحجارة، وأقدم أنواع الفخار المزين والمنقوش بزخارف كثيرة وملونة.

و (بَيْسان) وكانت تعرف قديماً باسم (بيت شان) ـ بمعنى بيت الإله شانـ وتقع على بعد ثمانية كيلومترات إلىالجهة الغربية من نهر الأردن. والحفريات جرت في بقعتها المعروفة باسم (تل الحصن) الواقعة على ضفة نهر جالود اليمنى. وبيسان بموقعها هذا تشرف على مدخل وادي سهل زرعين من الغرب وعلى الغور من الشرق.

جرت الحفريات فيها سنة 1921 و 1933 وقد أسفرت اعمال التنقيب في (تل الحصن) عن سلسلة متراكمة من خرائب المدن القديمة، لا نظير لها في تاريخ الآثار اذ بلغت ثماني عشرة طبقة يرجع أسفلها إلىعام 4000ق.م، بينما يصل أعلاها إلىالعصور الوسطى. وفي الطبقة أو المدينة التي تشير الدلائل إلىإنها من القرن العاشر قبل الميلاد اكتشفت خرائب هيكلين يرجح انهما لداجون وعشتاروت.

ومدينة (لاكيش) أو (لخيش) بمعنى منيع. كانت تقوم على (تل الدوير) الذي يرتفع 253 متراً عن سطح البحر. يقع أمام قرية (القبيبة) من أعمال الخليل، وعلى بعد ثمانية كيلومترات إلىالجنوب الشرقي من (بيت جبرين). كانت (لخيش) بين عامي 1600_1200ق.م. حصناً هاماً يحرس المنفذ إلىالمرتفعات من الجنوب. جرت الحفريات في تل الدوير عام 1933ـ1938.

* * *

ثم عرف الإنسان أن النحاس إذا مزج بالقصدير نشأ عن ذلك (الشَّبهان). وهو يفضل النحاس فاستخدمه. والنحاس معدن طري يكسر عنه طرقه. ولكن مزجه مع القصدير يجعل المزيج قاسياً. فكانت نتيجة ذلك انتصار الإنسان على أدواته الحجرية انتصاراً تاماً.

وقد بدأ عصر الشبهان أو البرونز حوالي القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد وامتد إلىحوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد حيث ابتدأ (الفلسطينيون) سكان الساحل يستعملون الحديد كما سنبين ذلك في فصل قادم.

وصادف عصر البرونز اختراع الكتابة وبها تنتهي حضارة فلسطين السابقة للتاريخ المدون.

وقد اكتشف أثار عصر البرونز في (جازر) و (لخيش) المار ذكرها، وفي (تل العجول) وغيرها. و (تل العجول) تقع في جنوبي غربي (غزة)، على مسافة نحو سبعة كيلومترات منها. نقب فيها بين عامي 1932 و 1935. ويرى بعضهم ان غزة القديمة كانت مقامة على هذا التل. بلغت مساحتها 12 هكتاراً[38].

وقد امتدت يد التحسين في العصر المعدني إلىكثير من الصناعات التي كان الناس قد تعلموها، كما تقدمت صناعة بناء المنازل والزراعة التي تعتمد على الري وتربية المواشي وغيرها.

(إننا لو حكمنا بنتائج حفريات مجدو وتليلات الغسُّول فإن سكان سوريا، قبل وصول الهجرات السامية كانوا يعرفون التعدين، وكانوا يعرفون النحت وكانوا يستخدمون الأختام، ولهم ذوق فني في الحلى، وعرفوا أيضاً عمل التماثيل سواء ما كان منها للانسان أو الحيوان، كما بنوا البيوت وزخرفوا جدرانها بالرسوم الملونة التي تمثل أجساماً بشرية في تليلات الغسُّول.

ولا شك أن ذوقهم الفني قد وضح في صناعة الحلى وزخرفة المنازل، ولكنه وصل إلىقمته في زخرفة الأواني الفخارية. وقد عرفوا التزجيج في ذلك الوقت البعيد واستخدموه في الأواني)[39].

سكان فلسطين في عصرها الحجري الحديث والحجري النحاسي:

قال حتي (إن العرق البشري الذي تنتمي إليه الشعوب التي قطنت شمالي سورية وفلسطين ولبنان في العصر الحجري الحديث هو العرق الذي يعرف بعرق حوض البحر الأبيض المتوسط. فقد وجدت آثار الإنسان الذي ينتمي إلىهذا العرق في حفريات (شُقْبَة) في وادي النطوف وفي (مغارة الوادي) قبل 5000ق.م وفي (تل الجُدَيْدة)[40]، قبل 4000ق.م وفي (جُبَيْل)[41] 3500ـ3250ق.م مما يدل على أنه الشعب الأصيل في البلاد، ومما يدل أيضاً على أنه أقدم الشعوب التي توطنت شرقي البحر الأبيض المتوسط. وهذا العرق البشري هو في الواقع العرق الذي تنتمي إليه جميع الشعوب البيضاء القديمة التي كانت تتوطن شمالي افريقية (الشعب المصري الحامي القديم) وجنوب أوروبا (أي الشعوب التي كانت تقطن شبه جزيرة ايبرية (اسبانيا والبرتغال) وفرنسه وإيطاليا وبلاد اليونان والجزر القريبة منها والتي تغلبت عليها فيما بعد الشعوب الهندية الأوروبية). وهو عرق بشري يختلف اختلافاً كلياً عن العرق الذي ينتمي إليه إنسان مغارة الكرمل وإنسان أنْطِلياس (شمالي بيروت) الذي كان يحتفظ بكثير من المزايا الجسمانية البدائية. أما الإنسان الذي ينتمي إلىهذا العرق الذي نحن بصدده فهو انسان كما نعرف الإنسان اليوم. هذا الإنسان الذي توطَّن حوض المتوسط ينتمي إلىالعرق الأبيض القوقاسي. فقد كان قصير القامة أو معتدلها، ذات بنية نحيفة وأحياناً قوية ذا ساقين طويلين إذا قيستا بجذع جسمه. وقد كان رأسه طويلاً، ذا شعر يميل لونه إلىالسواد، وقل أن تجده أصلع. وإلىهذا العرق تنتمي الشعوب السامية، ولكنها لم تكن قد ظهرت بعد في المنطقة التي نتكلم عنها)[42].

وهناك جماعات ليست من عرق حوض البحر الابيض المتوسط، المار ذكره، يظهر أنها هبطت من مواطنها في الأراضي المرتفعة في اواسط آسيا، اثناء العصر النحاسي الحجري، وفرضت نفسها على سكان البلاد واختلطت بهم على ممر الزمن، كما أثبتت ذلك الحفريات التي عثروا عليها في (جازر) و (كركميش)[43]، ومواقع أخرى في فلسطين[44].

ولا بد أن يكون بين هؤلاء السكان بعض الساميين الذين يعودون بأصلهم إلىالجزيرة العربية قد نزلت البلاد في تلك العصور[45] ولكنهم كانوا أقلية، وذلك قبل ان يهاجروا هجرتهم الكبيرة إليها حوالي عام 3000ق.م.

(ومنذ فجر التاريخ، أي حوالي عام 3000ق.م أخذت الهجرات السامية تتوإلىعلى هذا الجزء من بلاد الشرق كما توالت أيضاً على العراق وإلىحد قليل على مصر. وليس معنى ذلك أن البلاد السورية كانت خالية من الساميين في ذلك الوقت، بل كان فيها دون شك أقوام ساميون اختلطوا بسكانها الأصليين الذين كانت لهم لغات وديانات غير سامية الأصل ولكن سرعان ما طغت اللغات السامية على غيرها)[46].

* * *

وقام الإنسان بعمل عظيم في العصر النحاسي ـ الحجري وهو اختراعه الكتابة. وقد بات في حكم اليقين انها ابتدأت في العراق وذلك في حدود عام 3500ق.م. ومنه انتشرت في الشام في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد. وبالكتابة يبدأ التاريخ.

ابتدأ الزمان التاريخي في مصر في التاريخ الذي ابتدأ فيه في العراق؛ واما في اليونان وايطاليا فلم يبتدىء إلا منذ نحو 19 قرناً. وفي أمريكا لم يبدأ ذلك الزمان إلاّ منذ مدة، تقل قليلاً عن 500 سنة.

وهكذا بعد أن جرى البشر في مضمار التقدم أشواطاً بعيدة دامت آلافاً عديدة من السنين تمكنوا من الوصول إلىنهاية عصور ما قبل التاريخ. وقد ترك انسان ما قبل التاريخ ميراثاً ضخماً لإنسان التاريخ. وسنو التاريخ ضئيلة جداً بالنسبة لسني ما قبله.

* * *

وبينما كانت العناصر المار ذكرها تقطن مختلف انحاء البلاد، شرع الساميون (العرب)، الآتون من الجزيرة العربية، يهجرون جزيرتهم وبواديها وينزلون فلسطين في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد ـ وذهب بعضهم إلىان هذه الهجرة العربية، كانت في اواخر الألف الرابع قبل الميلادـ . وبذلك تلاشى عرق حوض البحر الأبيض المتوسط في العرق السامي الذي طغى على البلاد الشامية من الجزيرة العربية.

القِسْمُ التاريخي

أول ملكٍ في فلسطين ـ في فجر تاريخها ـ كان للعرب

(ابن خلدون)

اختراع الكتابة

لا شك انّ الكتابة من أهم مخترعات البشر. ابتدأت في العراق ثم استعملت في مصر. وكانت الكتابتان العراقية والمصرية في أول أمرها، قوامها التصوير؛ إذ كانوا يعبرون عن الشيء برسم صورته، فإذا أرادوا كتابة كلمة (بيت) مثلاً صوروا بيتاً، وكانت صورة الرجل تعني رجلاً وهكذا[47]…

ولما كانت هذه الطريقة متعبة ولم تكن تلك الكتابة حقيقية، دخلت الكتابة في دورٍ ثان صارت فيه صورة الشيء تدل على المقطع الأول من اسمه. فصورة الرأس، وكانت تدل على كلمة (رأس)، صارت تدل على المقطع الأول من كلمة (رأس) أي (را). وصورة البيت، وكانت تدل على كلمة (بيت) صارت تدل على المقطع الأول من كلمة (بيت) وهو الباء. ثم جمعت هذه المقاطع ورُكبت منها كلمات جديدة، فكانوا إذا أرادوا كتابة كلمة (رب) صوروا رأساً وبيتاً. فصورة الراس تشير إلى(ر) وصورة البيت تشير إلى(ب) فيتكون من الصورتين معاً لفظة (رب).

وكانت الكتابة في العراق ترسم صورها في بادىء الأمر بقلم من القصب أو الخشب أو العظم على لوح من الطين الطري، ثم يشوونه ليصير صلباً. ولما انتقلت كتابتهم من طورها التصويري إلىطورها الصوتي كان لها ثلاث مئة وخمسون صورة أو علامة، كل صورة منها تدل على مقطع. ولم تتخط الكتابة العراقية دور المقطعية ولم توضع لها حروف هجائية. وبشكلها المقطعي استعملها مخترعوها (السومريون)[48] ومن بعدهم البابليون والآشوريون. وتعرف هذه الكتابة عند العرب بالخط المسماري، وعند الأفرنج بالخط المثلث الشكل أو الإسفيني. وسماه آخرون باسم (خط الأوتاد) وذلك لآنه كان للقصبة التي يكتب بها السومري رأس مربع كالّ، فيأتي خطه على هيئة أسافين أو مسامير. وقد انتشر الخط المسماري في الشرق الأدنى، ومنه فلسطين، منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وظل معروفاً في العراق حتى بداية التاريخ الميلادي.

وأما الكتابة المصرية فكانت تعرف باسم (الكتابة الهيروغليفية)[49]. وانتقلت من الدور التصويري إلىالدور المقطعي، وأخيراً إلىالحروف الهجائية. وبذلك سبق المصريون أهل العالم قاطبة إلىاستنباط الكتابة بالحروف الهجائية. وبذلك سبق المصريون أهل العالم قاطبة إلىاستنباط الكتابة بالحروف الهجائية.

رأى المصريون أن طريقة الكتابة المقطعية صعبة يحتاج الإنسان معها أن يحفظ عدة مئات من المقاطع وأن يتقن رسمها قبل كتابتها، مما جعل الكتابة عندهم مقصورة على رجال الدين والكهنة؛ ففكروا في تبسيطها، وذلك ان الصورة أو الشكل الذي يدل على مقطع جعلوه يدل على صوت واحد من أصوات المقطع. وهذه الأشكال التي وُضعت ليدل كل منها على صوت واحدد هي أصل الحروف الهجائية التي عرفها العالم. وكان عدد الحروف الهجائية عند المصريين أربعة وعشرين حرفاً.

وصلت الحروف المصرية إلىالفينيقينن ـ الكنعانيينـ عن طريق عرب سيناء. ولما عظم شأنهم في عالم التجارة، وتوغلوا في اسفارهم إلىأماكن بعيدة، احتاجوا إلىتبسيط الحروف السينائية وتسهيلها لكي يخابروا بها عملاءهم ويضبطوا حساباتهم. فتمكنوا بعد البحث وبذل الجهد من استنباط اثنين وعشرين حرفاً جديدة سهلة، خالية من التعقيد أخذها عنهم اليونان، وعن هؤلاء نقلها الرومان ثم امتدت إلىسائر جهات أوروبا مع تعديل قليل. وبذلك أصبحت الحروف الهجائية الفينيقية مع الزمن أُماً لكل الحروف الهجائية الأوروبية.

وكان المصريون يكتبون على ورق رقيق، وهو ورق نبات اسمه البَرْدي، كان يكثر في مستنقعات الدلتا. والكتابة عليه أفضل كثيراً من الكتابة على الخزف وغيره. وأما القلم الذي كان يكتب به فهو عبارة عن قصبة مبرية، وما زال هذا القلم الذي كان يكتب به فهو عبارة عن قصبة مبرية، وما زال هذا القلم مستعملاً عن القليلين جداً في الكتابة العربية إلىاليوم. وكان الكاتب يغمس قلمه في حبر يُصنع من مزيج من الصمغ والماء وسناج القدور. وتمكنوا فيما بعد من صنع مداد أسود ثابت كانوا يطحنون مادته على ألواح من الخشب.

الشعوب السامية

الساميون، احدى السلالات الثلاث[50] التي انحدر منها الجنس الأبيض في العالم اليوم. ويرتبط الساميون بوحدة الأصل العنصري، وتشابه معتقداتهم الدينية وتقاليدهم الاجتماعية، وبوحدة لغاتهم التي تنحدر من أصل واحد. فإن كلاً منها جزء من اللغة السامية الأولى، اللغة التي لايعرفها أحد اليوم. فجذر الأفعال في كل من هذه اللغات ثلاثي، ولها صيغتان: صيغة الماضي وصيغة المضارع؛ وتصاريف الأفعال فيها متشابهة.

وعائلة اللغات السامية تُعد من أكبر العائلات اللغوية بين لغات البشر؛ ومن فروعها اللغة الأكادية (البابلية) والآشورية والآرامية والكنعانية والعبرانية والحبشية والعربية التي تعبر أشد اللغات السامية تشابهاً باللغة السامية الأم.

وتختلف المجموعة اللغوية السامية عن غيرها من المجموعات اللغوية الأخرى. وأقربها اليها المجموعة الحامية.

وتعتبر جزيرة العرب الموطن الاصلي للجنس السامي، وذلك لأن معظم أراضيها قاحلة؛ فيضطر أهلها للرحيل عنها كلما ازداد عددهم، فيهاجرون إلىالبلاد المجاورة التماساً للرزق وطلباً للعيش.

إنّ التنقل البطيء من الصحراء إلىالأراضي الخصبة طلباً للرزق وغيره حركة مستمرة لم يقف سيلها منذ أقدم الأزمنة حتى يومنا هذا. إلاّ أن هذه الهجرات تزداد أحياناً ويتعاظم أمرها حتى تصير موجة قوية جارفة تحمل معها العدد الضخم من القبائل البدوية، من الخليج المُقْفِر إلىالهلال الخصيب[51].

قال المؤرخ الإيطالي (كايتاني) عن جزيرة العرب: (لقد أخذت جزيرة العرب تتقهقر وتفقد رطوبتها واعتدال جوها وأسباب العيش فيها منذ أكثر من أربعة عشر ألف سنة، وبما ان هذا التقهقر كان بطيئاً جداً فإن تأثيره في حياة السكان لم يكن فجائياً، بل كان مطرداً تبعاً للقلة في الأمطار، وارتفاع حرارة الجو، على أن ازدحام السكان لم يكن هنالك كما هي الحال في البلاد المزدحمة الآهلة، وكان الناس يعيشون من صيد الأسماك ويسكنون متفرقين متباعدين.

ولذلك يمكن أن يقال إن سكان الجزيرة ظلوا على حياتهم هذه إلىأن أخذوا يشعرون بقلة الزاد والمحصول بسبب ندرة الأمطار فانصرفوا إلىتدجين الحيوانات البرية ليدفعوا عن أنفسهم غائلة الجوع. ولما اشتدت بهم الحالة ونفذ صبرهم من الفاقة والجوع والعطش ارتحلوا إلىبلاد أخصب تربة وأجود جواً وأكثر أمطاراً.

وهكذا بدأت أولى هجراتهم التي حدثت غير مرة. فإن الآثار التي استخرجت من جوف الأرض مابين الفرات ودجلة تبرهن على أن أولى الهجرات السمية قد بدأت بنحو خمسة آلاف من السنين من ميلاد المسيح؛ على أن هذه الاكتشافات يجب أن لاتنفي فكرة وقوع هجرات سامية أخرى قبل هذا التاريخ[52]).

وقد شرع الساميون، قبل بدء العصر التاريخي ينزلون مصر حوالي عام 3500ق.م. ويرجح أنهم دخلوا مصر عن طريق فلسطين فسيناء فالدلتا ثم استقروا فيها بعد أن امتزجوا بسكانها الأصليين. ومنهما تكون (المصريون) الذين نعرفهم في التاريخ. فكانت هذه الموجة هي أقدم ما عرفنا من الموجات النازحة من بلاد العرب إلىمشارف الجزيرة ـ العراق والشام ومصر_.

إن تأثير العرب الساميين هؤلاء لم يبق مقتصراً على المصريين، بل تجاوزهم إلىشعوب إفريقية، وعلى الأخص إلىشعوب أقطارها الشمالية والسودان والحبشة وغيرها.

وفي نهاية الألف الرابع أو اوائل الألف الثالث قبل الميلاد، هجر الساميون البادية وأخذوا يقيمون في العراق. فنزل (الأكاديون – Akkadians) منهم في الجنوب والآشوريون في الشمال. وقبل عام 2500ق.م تعاظم أمر موجة سامية أخرى عرفت بالموجة (الآمورية ـ الكنعانية). وهي الموجة التي اتخذت طريقها إلىبلاد الشام. فنزل الآموريون القسم الداخلي من تلك البلاد؛ ونزل الكنعانيون قسمه الساحلي وفلسطين. ونزح فريق من الآموريين في نحو عام 1900ق.م، إلىالعراق وكونوا فيه سلالة بابل الأولى. ومنها ظهر جمورابي في نحو 1728 ـ 1686ق.م. والراجح ان الهكسوس الذين نزلوا مصر وحكموها في القرن السابع عشر قبل الميلاد هم من الكنعانيين.

وبعد الموجة المذكورة بنحو ألف سنة تعرضت بلاد الشام لموجة سامية أخرى وهي الهجرة الآرامية، وفيها القبائل المؤابية والآدومية والعمُّونية. فحل الآراميون في شمالي سورية وأواسطها وأنشأوا فيها دولاً تجارية مهمة، منها دولة مدنية دمشق. ونزل المؤابيون والآدوميون والعمُّونيون جنوبي سورية، شمالي البحر الميت حتى العقبة.

واستوطنت في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد قبيلة (كلدي) الآرامية، جنوبي العراق، وقُدِّر لها ان تؤسس الأمبراطورية الكلدانية وهي آخر امبراطورية ظهرت في العراق في العصور القديمة.

ومن الموجات السامية الموجة التي أتت بالانباط إلىجنوبي الشام في نحو عام 500 قبل الميلاد، ثم هجرة اللّخْميّين والغساسنة إلىالعراق والشام، وكانت آخر الموجات الكبرى موجة العرب المسلمين في القرن السابع للميلاد. وكان من نتائجها نزول قبائلها في جميع أراضي الهلال الخصيب وفي شمالي إفريقية وأسبانيا وفارس وبعض أنحاء آسيا الوسطى.

يتضح مما تقدم انّ هؤلاء الساميين هم جميعاً طبقات متتابعة من العرب وان اختلفت أسماؤهم، وان بلادهم، جزيرة العرب، ظلت منذ العصور المتناهية في القدم خاصة بهم، وما دراستنا لتاريخهم إلاّ دراسة لتاريخ بعض الأقوام العربية البائدة. ويرى عدد من ثقات المؤرخين الأوروبيين أن العرب والساميين شيء واحد. وقال (اسبرنجر – Sprenger) إن جميع الساميين عرب.

وصفوة ما تقدم، انّ العالم بحضاراته العظيمة المختلفة مدين لهذه الجزيرة العربية التي انتشر سكانها في الشام والعراق وإيران وآسيا الوسطى ومصر وليبيا وبلاد المغرب والحبشة والأندلس وغيرها. وأقاموا فيها أقدم الحضارات وأعرقها.

 

الموقع الجغرافي لفلسطين

فِلَسطْين وطننا العزيز الغالي، جزء طبيعي من بلاد الشام (سوريا)[53]. يؤلف قسمها الجنوبي الغربي، فهي فضلاً عن أنها رأت طلعة موسى وعيسى ومحمد، تمتاز بأهمية موقعها الجغرافي. فبلادنا ملتقى قارتي ىسيا وإفريقية، وبما أن البحر هو الذي يصل اوروبا بأسيا ـ بالشرقـ أصبحت فلسطين في مركز متوسط بالنسبة إلىاوروبا، كما هي لإفريقية وآسيا. وهي الطريق الذي يصل البادية وسهول الجزيرة بالبحر الابيض المتوسط. ففلسطين هي الجسر الموصل بين البلاد العربية المختلفة.

وموقعها الجغرافي كوَّن تاريخها. فإن موقعها بين الدول العظيمة القديمة، كمصر وبابل وآشور والفرس واليونان صيّرها معرضاً لجيوش العالم القديم، فقد وقعت فيها أهم الوقائع لاكبر الفاتحين كطثميس (تحتمس) وسرجون وبختنصر وقمبيز والاسكندر وأنطيوخوس بأفياله، وبومبي وفسبسيانوس وطيطوس، ثم ابن العاص وابن الوليد وصلاح الدين وريكاردوس… فنابوليون وابراهيم باشا واللنبي وليمان فون ساندرس ـ Liman Von Sandress..

وشبهها الأقدمون، في موقعها هذا كأنها بين حجري رحى، لذلك لم تظهر فيها دولة قوية ذات حول وطول وجيش كغيرها من الدول التي ظهرت في الزمن القديم. ولقد جاء في تاريخ جورج آدم سمث (ليس في الدنيا من بقعة جرت فيها من الحوادث التاريخية الحربية ما جرى في البلا�