خطب الجمعة إزالة الصورة من الطباعة

إنسانية الإسلام

د. علي بادحدح

وصية الله لكم في كل آن وحين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).
إخوة الإسلام..
في سنن أبي داود بسند صحيح من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلاً قَدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه، جاء على ناقة فلما وصل جعل يصرفها يميناً وشمالاً فتكلم سيد الإنسانية صاحب الرحمة التي لا مثيل لها في رحمة البشر، فقال من غير ما سبب ظاهر ولكن باستشفاف عظيم ودقيق، قال: "من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له (أي: من كان له دابة يركبها) ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، قال أبو سعيد: حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل.
ما هو هذا الحديث؟ رأى النبي الرحيم الكريم في عيني هذا الأعرابي، في تصرفاته، أنه ذو حاجة، وأنه مضطرب، فحثّ الناس حثاً، لا يخص الرجل ذاته وإنما يتحدث عن إنسانية بعموم معناها الواسع، ويجلي معنى التكافل في أدق الأمور وأوسعها، ويظهر رَحِم الإنسانية بغض النظر عن الدين أو المعرفة أو القرابة "من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، إذا كان هناك فائض وزائد، وهناك ناقص ومحتاج، فعندما يفيض هذا على ذاك يحصل المقصد الأعظم في هذا التكافل.
وهنا أنطلق بكم إلى آفاق إنسانية الإسلام في نصوصه وفي نموذجه الأمثل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الماعون: 1-3)، انظروا إلى اقتران التكذيب بيوم الدين مع أمرين من الأمور الإنسانية، دعُّ اليتيم: دفعه والغلظة في معاملته وترك الحض والحث على إطعام المسكين.
وتأملوا العقوبة الأخروية الواردة في سياق الآيات القرآنية: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الحاقة: 30-34)، انظروا الأسباب بعد السبب الأعظم وهو ترك الإيمان بالله جل وعلا جاء ترك الحض والحث على إطعام المسكين، وكأني بها رتبة عليا تسمو في هذا الدين إلى المقام الأعلى والأرفع لتقول لنا إن المعنى الإنساني قرين للمعنى الإيماني، وأن المعنى الإيماني لا يتحقق على الواقع المطلوب والصورة المثلى إلا ويفيض معه المعنى الإنساني.
قال السعدي في تفسيره عندما تحدث عن الذي لا يحض على طعام المسكين: "ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء والمساكين، فلا يطعمهم من ماله ولا يحض غيره على إطعامهم لعدم الوازع في قلبه، لأن مدار السعادة على أمرين، الإخلاص لله وأصله الإيمان، والإحسان إلى الخلق بوجوه الإحسان المختلفة".
وقال الشوكاني: "لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قريناً لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين وسد فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم (أي: منعهم من العطاء ومن الحث على العطاء) من أعظم الجرائم وأشد المآثم"، إنها إنسانية الإسلام في حقيقتها العظمى.
{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} (المدثر: 42-44)، قال ابن كثير: "ما عبدنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا".
وتأمل قوله جل وعلا: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ} (البقرة: 177)، مزج مرة أخرى بين أركان الإيمان وأعمال الإحسان، لأن الإيمان ينعكس إحساناً والإحسان يستمد من الإيمان.
وانظروا إلى قوله جل وعلا: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} (النساء: 36)، مرة أخرى وثانية وثالثة، ثم يأتي الأمر العظيم الذي يبيّن لنا حقيقة إنسانيتنا وعبوديتنا وضعفنا، ويبيّن حقيقة عظمة خالقنا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر: 15)، هل تملك الأموال والثروات؟ أنت فقير في الحقيقة إلى الغني الذي غناه لا يفتقر إلى سواه سبحانه وتعالى.
ومن هنا تأتي المقارنة القرآنية لتؤكد هذا المعنى والفرق، وتبيّن أن الإنسان مهما كان قوياً فهو ضعيف، ومهما كان غنياً فهو فقير، ومهما كان قادراً فهو عاجز، لأن الغنى المطلق والقوة المطلقة والقدرة المطلقة إنما هي لله سبحانه وتعالى {هَا أَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} (محمد: 38)، تأمل إذا بخلت فأنت المتضرر، لن ينفعك ذاك المال الذي احتجزته إن كان لله فيه حق، أو كان للإنسانية فيه نصيب، يمسكه عنها لأنه يحرمها الأجر ويكسبها الوزر، والله الغني عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه {وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء} (محمد: 38)، فالغنى وصف لازم له أبداً والفقر وصف لازم لكم أبداً، وهكذا يتجلى الأمر واضحاً في هذه الحقيقة.
وتأملوا كذلك كيف تُعمم الآيات القرآنية الأوصاف الإنسانية التي تستدعي رحمة النفوس السوية ورقة القلوب المؤمنة وفيض المشاعر الإنسانية في الإحسان: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (الحج: 28)، الفقير معروف فلم زيد هذا الوصف "وصف البائس"، ذكر بعض المفسرين بأن الفقر أمر شائع معلوم عند الناس وبالتالي فإن كلمة الفقير لا تؤثر تأثيرها المطلوب فأضيف وصف البائس لترقيق أفئدة الناس لئلا يكون الأمر الشائع مصارفاً عن ذلك، والبائس هو الذي مسه الضر وأصبح في شدة فقر وحاجة، ولذلك سنجد القرآن مليئاً بآيات تقترن بأركان الإيمان وبالعبادة لله سبحانه وتعالى جنباً إلى جنب مع الإحسان إلى الفقراء والمساكين ورحمة الأيتام ورعاية الضعفاء وتفقد الجيران، إسلام لا ينبت عن الحياة، لا ينفصل عن المشاعر الإنسانية، لا يريد ولا يكون مطلقاً كماله وتمامه في أتباعه إلا أن يتجسد ذلك في صور التكافل التي عبّر عنها رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم بأمثلة لا مثيل لها: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، لبنة إلى لبنة متراصة متجاورة بينها قوى تماسك من أخوة الإيمان: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، الشوكة قد تصيب إصبعاً في القدم أو في الرجل لكن الأذى يعم الجسد والشعور به يصل إلى كل خلية، العقل يستجيب له، الحركة اللا إرادية تنفعل به لأن هذه طبيعة التكامل في الجسم، يد ترفع الطعام وأضراس تمضغ وبلعوم أو حنجرة تبلع ومعدة تهضم ثم بعد ذلك يصل إلى كل خلية نفع وفائدة وغذاء بتكامل كل ذلك، أين هذه الصورة الحقيقة في المجتمع المسلم؟ ولا نقول في المجتمع الإنساني، لأن الإنسانية الحقة إنما هي في هذا الإسلام.
وأنطلق بكم أيضاً لنؤكد هذا المعنى ونؤكد ما دلّ عليه هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في الهدي الإرشادي فضلاً عن الهدي العملي، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله"، قال الراوي: وأحسبه قال كالقائم لا يفتر والصائم لا يفطر، الساعي على الأرملة والمسكين قد لا يكون منفقاً من ماله لكنه يسعى في ذلك كالمجاهد في سبيل الله الذي يجود بنفسه وروحه وكالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر، الأمر ليس نصوصاً بلاغية، ليس تعبيرات، إنها حقائق يخبر بها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وحيٌ لا ينطق عن الهوى، يخبرنا فيها عن حقيقة هذا الدين وعن الموازين والمقاييس فيه كما جاءت بها هذه النصوص.
وفي حديث أنس أن رجلاً ذا مال استوصى الرسول صلى الله عليه وسلم (أي طلب وصيته) فأوصاه في حوار طويل أجتزئ منه أساسه، قال له: "أدِّ الزكاة المفروضة طهرة تطهرك، وآت صلة الرحم واعرف حق السائل والجار والمسكين وابن السبيل" (رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وفي حديث أبي موسى الأشعري عند البخاري أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني"، وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً عظيماً متصلاً بسمة هذا الدين وعلامته المميزة له، ورتبة الأعمال العليا فيه، فسئل كما في الصحيح أيضاً عند البخاري من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن رجلاً جاء فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الإسلام خير؟ (أين هي المراتب العليا فيه؟) قال: "أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"، عنوان هذا الإسلام جعله النبي صلى الله عليه وسلم في إطعام الطعام وفي إقراء السلام.
وفي الحديث أيضاً، عن عبدالله بن سلّام يخبرنا عن قدوم النبي صلى الله عليه وسلم عندما قَدِم إلى المدينة، وذهب عبدالله بن سلّام وكان يهودياً مع الناس لينظر إليه وليستمع إلى قوله، قال: فنظرت إليه فإذا وجهه ليس بوجه كاذب، -من وجهه من رؤيته من عينيه من سحنته قال: إنه ليس بكاذب- قال: فكان أول ما سمعت منه "أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام"، هكذا يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالوسائل الموصلة إلى الجنة دار السلام والأمر في هذا عظيم عظيم والنصوص فيه كثيرة كثيرة.
وأختم هذا المقام بالإنسانية التي لا مثيل لها في هذا الدين متمثلة في رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو يخبرنا عندما دخل في حائط (أي: في بستان لبعض الأنصار) وإذا به يرى جملاً فيسأل: "لمن هذا الجمل؟" فيقول فتى من الأنصار: هو لي يا رسول الله، فيقول: "إن هذا الجمل يشكو لي أنك تجيعه وتدئبه"، أي لا تطعمه وتكدّه، (وتدئبه: أي تعمل به كثيراً) ثم يلفت النظر إلى أن الحيوان يحتاج إلى معاملة إنسانية لا حيوانية.
وهو الذي أخبرنا كذلك عليه الصلاة والسلام "بأن امرأة دخلت النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض.
وهو الذي أخبرنا أيضاً وقد رأى أنثى إحدى الطيور  مضطربة يمينا وشمالاً، في حركات تدل على الفزع  فزاغت نظراتها فقال: "من فجع هذه في فراخها؟ قال رجل: أنا يا رسول الله، فقال: ردوا إليها فراخها"، هذه الإنسانية المتدفقة فاضت على الحيوانات والبهائم، بل شملت حتى الجمادات فحنّ الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكلم الحصى بين أصابعه، وكل ذلك معلوم، فأين إنسانية الإسلام في واقع حياتنا؟ وأين الإنسانية في هذا العالم الذي يتشدق بها؟ وأحسب أنكم تعلمون ما أقول وما سأقول، وأحسب أني لو قلت مهما قلت فلن يصف القول عشر معشار الواقع الذي يعانيه إخواننا في فلسطين، في سوريا، في بورما، في أماكن كثيرة، ولعل موسم الشتاء وموجات البرد والصقيع والمشاهد للأطفال وللنساء في العراء أو تحت خيام لا تقي برد الشتاء أو في ظلام الليل الدامس في غزة، أو في غيرها من المشاهد، مهما قلت ومهما عبرت فإن الواقع أشد وأقسى، وإن قلوبنا في واقع الأمر أشد قسوة مما نتصور وإلا لما هنئ لنا طعام ولا شراب ولا منام ونحن نعلم ذلك، بل نراه بأعيننا، بل ربما نسمعه بآذاننا، بل ربما نرى ونقابل بعض من اكتوى بناره، ولا أحب في هذا المقام أن أتصنع شيئاً من التأثر فإني أعرف نفسي قبلكم بأن لنا نفوساً قد تبلدت كثير من أحاسيسها، وقلوباً قد غاضت فيها مياه الرحمة ومشاعر الإنسانية حتى لم تعد تتأثر كما يجب أن يتأثر المتأثر.
كما في حديث جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه عند الإمام مسلم في صحيحه، كان الرسول صلى الله عليه وسلم مع نفر في أصحابه في المسجد فدخل قومٌ من مضر عليهم أثر الفاقة مجتابي النمار (أي: عباءاتهم وألبستهم مخرقة تظهر عليهم آثار الفاقة) فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم، أي تأثر من هذا المنظر، تأثر وجهه لما رقّ قلبه، تغيرت سحنته لما فاضت بالرحمة نفسه، ولم يكتف بذلك لكنه انتظر حتى دخل وقت الصلاة وصلى الناس، فلما اجتمعوا في الصلاة واصطفوا صفوفاً الكتف بالكتف والقدم بالقدم، مسلمون يسجدون لله الواحد الأحد يتراصون في صفوفهم وهذا غني وهذا فقير، قام بعد الصلاة فتحدث وخطبهم فيهم فقال بعد أن تلى آيات التقوى: "تصدق رجل من درهمه، تصدق رجل من ديناره، تصدق رجل من صاع بره، من صاع تمره"، حتى قال: "ولو بشق تمرة" فتسابق الناس، أي: ينفقون، فجاء رجل من الأنصار بكرة من ذهب كادت كفه أن تعجز عنها بل قد عجزت فتتابع الناس حتى اجتمع كومان من طعام وثياب، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم كأنه مذهبة وقال: "من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً".
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغيث قلوبنا بالرحمة، وأن يملأ نفوسنا بالإنسانية، وأن يحقق فينا وبنا أخوة الإسلام، وأن يجعلنا أنصاراً لإخواننا ومعينين لهم وقائمين بالواجب نحوهم.
الخطبة الثانية:
معاشر المؤمنين..
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، وإن من أعظم التقوى تحقيق أخوة الإسلام، ونصرة المسلمين وإغاثة الملهوفين وإعانة المحتاجين والمسح على رؤوس اليتامى وكفالتهم، ورعاية الأيامى والإنفاق عليهم، ديننا دين رحمة دين إنسانية دين إنفاق، دينٌ من أركانه زكاة ومن فضائله صدقات ومن أعماله تكافل بكل صوره وأشكاله، وكلنا يعلم وكلنا يحفظ ما لذلك من أثر ومن أجر ومن مثوبة ومن فضل في الدنيا والآخرة {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} (البقرة: 261)، لسنا في شك من ذلك، لكننا في حاجة إلى أن يرتقي يقيننا إليه وأن تنغرس حقائقه في سويداء قلوبنا، وهذا الحديث القدسي الصحيح عند البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن رب العزة والجلال يخاطبني ويخاطبك: "يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك" وكأن يقيننا لو بلغ هذه الرتبة لعلمنا أننا لو أنفقنا باليمين فسيأتينا غير ذلك وأكثر منه وربما أكثر بركة منه من وجه آخر، {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 274)، يزول الهم وينفرج الكرب بإذنه عز وجل، كلما أنفقت وكلما مسحت دمعة وكلما فرجت كربة، وتفريجها في الآخرة موعود به، {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، والصدقة برهان، قالوا: برهان على اليقين بأن الإنفاق يُخلف، {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} (سبأ: 39)، سبحانه وتعالى، وهذه كلها معالم تعلمونها.
بقي أن أشير هنا إلى أننا بين يدي الله موقوفون ومسؤولون، وحديثنا الذي صدرنا به المقام: "من كان له فضل زاد"، وكلنا يعلم ما عنده من فضل فليعد به على من لا زاد له، والحديث ليس مني بل من رسولكم صلى الله عليه وسلم، والأمر ليس اختياراً ففيه جزء واجب وفريضة من الزكاة، وفيه جزء واسع من الخير الذي نطلبه لأنفسنا ليبارك لنا الله سبحانه وتعالى في أموالنا، في أوقاتنا، في صلاح ذرياتنا، في طمأنينة قلوبنا وسعادة نفوسنا، والأمر في ذلك يطول، والحديث عنه معلوم غير مجهول، وبقي أن نتحرك بتحرق، وأن نتمثل تلك المواقف المعبرة من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، عندما صلى فتجاوز في صلاته وأسرع، فلما سلّم انفتل مسرعاً وخرج من المسجد إلى بيته، ثم خرج إليه مرة أخرى وكأنهم يتساءلون: ما الذي حصل؟، فقال: "ذكرتُ شيئاً من تبر (أي: من ذهب) فخشيتُ أن يحبسني فأنفقته في سبيل الله"، هذه المبادرات التي تتجسد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل وفي سير كثير من أصحابه الذين تأسوا به والمقام يضيق عن هذا، ولست كما قلت بمفيض هنا مرة أخرى، لا لأتباكى أو أُبكي، فإن الأمر أعظم من ذلك، والحال في كربته أشد من أن يوصف، وصدقوني عندما نقول إن هناك ما يقرب من خمسة ملايين من إخواننا في الشام، ومليون ونصف أو مليونين من إخواننا في غزة على الأقل في هذه الأرض المباركة نحن معنيون بهم، نحن مسؤولون عنهم، نحن قادرون على إغاثتهم ونصرتهم ولو بقليل أو كثير.
نحن يجب أن نتحرك ولا ننظر إلى هذا العالم الذي أَعتبرُ أنه في حالته هذه يمثل قمة اللا إنسانية، عندما يضنون على الذين يقتلون حتى بشربة ماء قبل أن يلفظوا الحياة، ويضنون على الموتى حتى بقدر من القماش يكفنون به، ويضنون على كل هذه  الأحوال الإنسانية ويمنعون ويفعلون الأفاعيل التي لا نحتاج أن نتحدث عنها.
أنا لا أتحدث هنا عن واقع سياسي ولا أتحدث عن مواقف لأولئك، القتلة المجرمون معروفون، والطغاة الظالمون موصوفون، والجرائم معروفة، أتحدث اليوم عن البعد الإنساني وحده لا غير، لو كانت بهيمة ستموت فإن الإنسانية كلها معنية أن تقدم لها ما يدفع عنها هذا الموت، وجمعيات الرفق بالحيوان في ذلك المجتمع تنفق المليارات وليس الملايين أو مئات الملايين ونحن نرى ذلك، لكن مسؤوليتنا نحن أهل الإسلام والإيمان، نحن الذين يخاطبنا القرآن ببعض ما أسلفت من الآيات، نحن أتباع محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، نحن الذين دُعينا إلى التكافل مع إخواننا معنيون بذلك.
أسأل الله ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، أسأل الله عز وجل ألا يجعلنا من المقصرين، وألا يجعلنا من البخلاء غير المنفقين.
اللهم اجعل السخاء والإنفاق في قلوبنا ونفوسنا قبل أيدينا وجيوبنا، اللهم اجعلنا في سبيلك منفقين، واجعلنا لنصرة إخواننا باذلين، واجعلنا اللهم لأجل رحمتهم واللطف بهم ساعين، اللهم يا حي يا قيوم اجعلنا ممن يحثون على إطعام المسكين، واجعلنا اللهم من المنفقين لإطعام المسكين.

نقلاص عن موقع إسلاميات