12 غزوة بدر إزالة الصورة من الطباعة

دروس وعبر من وقعة بدر

د. ناصر العمر

لقد كانت معركة بدر بداية لعهد انتصارات وفتوحات، حسب للمسلمين بعدها ألف حساب. وما رئي الشيطان أذل ولا أحقر من يوم بدر، وقد سماها الله تعالى في كتابه الكريم (يوم الفرقان). وبمناسبة ذكراها لنا معها هذه الوقفات:

- شهر رمضان هو شهر الصيام والجد والعبادة، ومع ذلك فكثير من الناس جعلوا منه شهرًا للهو والسهر، وبعضهم جعله شهر نوم وخمول، وربما ضيعوا الصلاة أو فوتوا صلاة الجماعة، وقليلون عرفوا حقه وشمروا للعمل فيه. بل رمضان هو شهر الجهاد ففيه كانت أولى معارك الإسلام، وفيه كان الاستعداد لفتح مكة، ومعركة عين جالوت، ومعركة حطين، وغيرها من معارك الإسلام الفاصلة التي كانت فيه، أو تأهب المسلمون وأعدوا العدة فيه. والمتأمل لمعارك الأمة مع اليهود في فلسطين يجدها كلها كانت هزائم ما عدا معركة العاشر من رمضان 1393هـ، التي كاد يتحقق فيها شيء من النصر لولا المؤمرات السياسية.

- قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]، والشكر ليس باللسان فقط، بل تحقيق التقوى مهم لتحقيق الشكر. وقد روي أن عمر بن الخطاب ، سأل أبيّ بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: 

خل الذنوب صغـيرها *** وكبيـرها ذاك التقـى

واصنع كماش فوق أر *** ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقـرن صغيـرة *** إن الجبـال من الحصـى

وقيل: 

وإذا خلـوت بريبة في ظلمـة *** والنفس داعية إلى العصيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني

وقال الآخر: 

إذا خلوت الدهر يومًا فلا تقل *** خلوت ولكـن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبـن الله يغفل ساعة *** ولا أن ما تخفيـه عنه يغيـب

ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب *** وأن غـدًا للناظـرين قريـب

فاتق الله يا عبد الله، واعلم أن تحقيق التقوى مما تتقوى به الأمة على أعدائها.

- كما هو معلوم فإن المهاجرين -رضي الله تعالى عنهم- تركوا أموالهم بمكة، وأن قريشًا قد استولت عليها، وقد قال النبي لما سئل أين ينزل بعد فتح مكة: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟"، أي أنه قد باعها بعد هجرتهم، وقصة صهيب معروفة. لذلك لما سمع النبي بعودة أبي سفيان بعير لقريش من الشام دعا أصحابه لاعتراض القافلة لعلهم يغنمونها، إلا أن أبا سفيان استنجد بأهل مكة، ثم استطاع أن ينجو بالعير، وأخبر أهل مكة بنجاته وطالبهم بالرجوع إلا أن أبا جهل أصر على بلوغ بدر التي تبعد عن المدينة ثلاثة وخمسين ومائة كلم من المدينة، والإقامة فيها ثلاثة أيام من باب الدعاية وفرض الهيبة. 

لما علم النبي أن العير قد أفلتت، وأن قريشًا قد خرجت لبدر، وأنها معها من العدة والعتاد ما تخوض به أشرس حرب، وأن عددهم ثلاثة أضعاف عدد أصحابه الذين لم يخرجوا، استشارهم، فأشار المهاجرون بالمضي، وكرر استشارته حتى أكد له الأنصار أنهم طوع أمره، وأنهم صبر في الحرب صدق عند اللقاء، ثم أشار عليه الحباب بالموقع المناسب. ثم كانت وقعة بدر التي قتل فيها صناديد قريش ورءوسها، إلى آخر وقائع الغزوة التي نعرفها جميعًا. 

والذي نحتاج للوقوف معه حرص النبي على الشورى رغم أنه مسدد بالوحي، بل إلحاحه في معرفة رأي كل الأطراف لئلاّ يكرههم على معركة لم يتأهبوا لها، فلم تكن استشارته لهم استشارة صورية من باب البروتوكول والطقوس، وفي المقابل كان الصحابة يفرقون بين ما يجب عليهم الطاعة فيه دون أخذ أو رد، وما يسوغ لهم فيه الاجتهاد، ويحق لهم فيه النقاش والتشاور، وذلك صريح في رد الحباب: "أهو منزل أنزلكه الله أم هي الرأي والحرب والمكيدة؟" فإن كان المعصوم يستشير، ويأخذ بقول أصحابه، فما بال بيوتنا ومجتمعاتنا تشكو من التسلط ونحن ندعي اقتفاء سنة رسول الله . 

- الكفار خرجوا يريدون القتال، والمسلمون خرجوا يريدون العير، ومع ذلك انتصر الإيمان على العتاد، وهذا يدفعنا للاستبشار بمستقبل هذه الأمة رغم ضعفها، بل إني لأرى بشائر نصر هذه الأمة تلوح. الغرب كله يجتمع على أفغانستان وباكستان ويعد معركته فيهما معركة استراتيجية، ومع ذلك بدأ بعضهم ينسحب بعد الدمار والخراب وإنفاق الأموال. وتقارير الأمريكان والبريطانيين وغيرهم ممن يرون ضرورة الصمود حتى النهاية تشعر بالهزيمة التي يحسون بها، وشعوبهم تتململ وتنادي بالانسحاب. 

في فلسطين كان اليهود يتكلمون عن إسرائيل الكبرى، ويجهرون بأحلام التوسع، وهم الآن رغم ترسانتهم الحربية والنووية يتمنون أن ينعموا بالأمن في المناطق التي اغتصبوها، بل وقلقهم من الهجرة العكسية بادٍ على صفحات صحفهم ووسائل إعلامهم، وذعرهم من عمليات المجاهدين التي تمزق اقتصادهم حتى لو لم توقع أعدادًا كبيرة من القتلى لا يخفى على مراقب. بل الولايات المتحدة التي ترسل جنودها مئات الأموال، وتنفق من خزينتها مليارات الدولارات لتحارب الإسلام، لم تستطع أن توقف مد الإسلام في داخل أراضيها. حدثني أحد الإخوة أن المساجد لا تسع الناس في صلاة التراويح، فصاروا يستأجرون قاعات الفنادق لإقامة الصلاة فيها، بل ربما صلوا في الكنائس. وهذه الخطوة أخرجت الدعوة من المساجد للفنادق وما حولها، وهذه الأعداد لم تدخل الإسلام بالإكراه، بل إن الإسلام صار يمثل الديانة الأولى في بعض المدن الأوربية مثل مدينة أمستردام الهولندية، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

- خرج حذيفة بن اليمان مع أبيه -رضي الله عنهما- مهاجرين إلى المدينة، فلقيهما المشركون في الطريق وسألوهم إلى أين يذهبون، قالا: إلى المدينة. قالوا: بل تريدون القتال مع محمد. قالا: لا. قالوا: أعطونا العهود. فأعطوهم، فخلوا سبيلهما. فلما قصا الخبر على النبي ردهما وقال: "نفي لهم بعهدهم، ونستعين بالله عليهم". فالوفاء بالعهد أمر يتعلق بالمسلم نفسه بغض النظر عن الطرف الآخر، فكيف بالوفاء بعهد بين مسلم ومسلم، أو مسلم مستأمن، بل دولة إسلامية ومستأمن، كيف يسوغ نقض عهودهم وإهدار دمائهم؟ فالوفاء بالعهد مطلوب مع الزوجة، والأبناء، والشركاء، وكل أحد، وكل جهة، ونقْضه جريمة حتى عند الجاهليين، فكيف ينقض العهد من يزعم أنه يريد الجهاد؟! 

- لما كان الصحابة مستضعفين بمكة، جاء بعضهم إلى رسول الله وقالوا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصد ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون". أراد النبي أن يعلِّم الصحابة ألا يلجئوا للدعاء ويدَعوا العمل أو يستعجلوا النتائج، بل لا بد من الصبر والثبات مع الدعاء: 

إسلامنا لا يستقيم عموده *** بدعاء شيخ في زوايا المسجد

الدعاء عظيم، لكن لا يصح الاقتصار عليه دون عمل. وقد روي أن بعض الأعراب قالوا لعمر بن الخطاب أن عندهم عجوزًا طيبة يسألونها الدعاء إن أصيبت إبلهم بالجرب، فقال لهم: لو خلطتم مع الدعاء شيئًا من القطران. والقطران مما تداوى به الإبل من الجرب، كما هو معروف. 

والنبي كان يستعين بالدعاء في مكة، وكان يستعين به في المدينة، لكن لم ينقل لنا مثل دعائه وإلحاحه وهو متأهب لقتال الكفار يوم بدر، فقد استفرغ وسعه، وأخذ بالأسباب، ودعا رب الأرباب ومسبب الأسباب. وكذلك كان السابقون الصالحون: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250]، تأهبوا للقتال، وأعدوا العُدَّة، واستعانوا بربهم. ونحن الآن نرى المساجد ترتج بالدعاء للمستضعفين، وقليل من هؤلاء الذين يدعون ويؤمِّنون من يسعى لنصرة إخوانه وإعانتهم، فالله المستعان وعليه الجهد والتكلان.

نقلا عن موقع المسلم