التوراة (8) إزالة الصورة من الطباعة

البخل والحسد عند اليهود

د. يونس الأسطل

(البخل والحسد عند اليهود أَفْسَدُ للعهود من ذئبين جائعين أُرْسِلا في غَنَم محمود)

(  أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا . أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ..)

(النساء : 53، 54 )

لعل الحديث عن اليهود، وسوء صنيعهم، أحقُّ ما ينبغي التوقف عنده؛ لنكون على بصيرةٍ من ربنا عند سياستنا تجاه هذا العدو المحتل،  فلا ينبئك مثل خبير، ولئن كان اليهود هم شَرَّ الدوابِّ عند الله، وأنهم مستنقع الرذائل والفواحش والخبائث، غير أني أتوقف عند خصلتين فيهم، إحداهما أسوأ من أختها، وكنتُ أتمنى لو أن المفاوض باسم الشعب الفلسطيني دون تفويض حقيقي كان موقناً منهما؛ إذاً لأمكن أن نختصر ألعنَ حقبةٍ في تاريخنا الحديث؛ ذلك أن هذا العدو قد استطاع بسراب السلام، وبريق الدولارات المسيسة، أن يجند شرذمةً من المحسوبين على الفلسطينيين وكلاء عنه في إخماد المقاومة، وتقليم شوكتها، فنقل لذلك شطراً من  الصراع ليكون داخلياً، وهم يتفرجون فرحين.

إن تلكما الصفتين الذميمتين هما ما انطوت عليهما الآيتان اللتان في صدر المقال في سياق الحديث عن اليهود الذين يزكون أنفسهم، ويفترون على الله الكذب، كما يشترون الضلالة، ويريدون أن تضلوا السبيل، ويحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ويقولون: سمعنا وعصينا، وقد لعنهم الله بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا.

إن أولاهما هي البخل، والثانية هي الحسد، وقد تأكدت هاتان الصفتان في مواضعَ أخرى من القرآن.أما الشُّحَّ فقد أخبرت الآية الأولى أن اليهود إذا ملكوا شيئاً فلن يعطوا الناس منه شيئاً، ولو كان في غاية الخساسة، وحتى لو كان الناس في غاية الخصاصة، وهو المعبر عنه بالنقير؛ إِذِ هو النقطة الناتئة في ظهر نواة البلح، وإذا كانت النواة كلها بنقيرها وفتيلها وقِطميرها من النفايات، فكيف بذلك الجزء الذي لا يساوي معشار النواة؟!، ولو كان اليهود يملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكوا خشية الإنفاق، فقد ضُربت عليهم المسكنة، فهم يَزْدَرون نعمة الله عليهم؛ حتى لو كانوا أغنى الناس؛ لأنهم ينظرون إلى من فوقهم، فَيَتَقالُّوهم ما بأيديهم، يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا، ويموتوا بغيظهم.

ذلك أن اليهود قد بلغ من تجديفهم في حق الله أن يقولوا: يد الله مغلولة، وقد كَبُرَتْ بذلك كلمة تخرج من أفواههم، إنْ يقولون إلا كذباً، فإن ربنا تبارك وتعالى يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويقدر له، ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكنْ يُنَزِّلُ بقدرٍ ما يشاء، ولولا أن يكون الناس ملةً واحدة على الكفر لجعل لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سُقُفاً من فضةٍ، ومعارجَ عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسُرُراً عليها يتكئون وزخرفاً، لكنه أراد أن يحفظ لنا إيماننا، ولم يشأ أن تَغُرَّنا الحياة الدنيا؛ إذا أخذت زُخرفها وازَّيَّنَتْ، وظنَّ أهلها أنهم قادرون عليها.

من هنا فقد جعل المنتقم الجبار اليهود هم الذين غُلَّتْ أيديهم، ولُعنوا بما قالوا، وكان من أَثر ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذهب يستعينهم في دية رجلين من بني كلاب، قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأً، وكانوا من قوم بيننا وبينهم ميثاق، فتظاهروا بالموافقة؛ بناءً على دستور المدينة المسمى بالصحيفة الموجبة على جميع سكانها التكافل فيما بينهم، ولكنهم بَيَّتوا غدراً، فقد انبعث أشقاها؛ ليدحرج صخرة من فوق البيت الذي يستند النبي عليه الصلاة والسلام إلى جداره، ولكن الله جل جلاله قد تكفل أن يعصمه من الناس، فالله خير الماكرين.

لذلك ضرب عنقه، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، وأنزل فيهم:

" وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ .." آل عمران(180)

وهو شّرٌّ لهم في الدنيا والآخرة، أما الدنيا فقد خسروا حصونهم، وأخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، كما أورثنا ربنا أرضهم وديارهم وأموالهم، ولم يكن مطلوباً منهم إلا بضعة أبعرة، أو دراهم معدودة، كسهمٍ في دية القتيلين، ولكنَّ المكر السيِّءَ  لا يحيق إلا بأهله، وأما في الآخرة فلسوف يتحول المال إلى شُجاعٍ أقرعَ، يلتف حول أعناقهم كالطوق، ويظل ذلك الثعبان ينفث سمومه في أشداقهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يكون الخلود الأبدي في النار، وبئس القرار.

فإذا جئنا للحسد وجدناه متأصلاً فيهم، مثلما أُشربوا في قلوبهم عشق العجل بكفرهم، والحسد هو تمني زوال النعمة عن الآخرين، مع ما ينطوي عليه ذلك من لَمْزِ حكمة الله وعلمه في قَسْم المعيشة بين عباده في الحياة الدنيا، غير أن اليهود لا يكتفون بالرغبة الجامحة في رؤية الناس عالةً بائسين، بل يتمنون أن لو تمكنوا من غَصْبِ ما في أيديهم؛ لتكون كِفْلاً لأبناء الله وأحبائه – كما يزعمون-.

إن ذلك الحسد هو الذي حملهم على إلقاء أخيهم يوسف عليه السلام في غَيابة الجُبِّ؛ ليخلو لهم وجه أبيهم، وإن الحسد نفسه هو الذي جعلهم يكفرون بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه جاء من نسل إسماعيل، وهم الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وكانوا يستنصرون به على الأوس والخزرج قبل مبعثه؛ ظناً منهم أن يكون من بني إسرائيل، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فقال فيهم:

".. فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ " البقرة(89، 90)

إن البغي هنا هو الحسد، وهو الذي يدفعهم إلى أن يَوَدُّوا لو يتمكنون من رَدِّنا من بعد إيماناً كفاراً؛ كما قال سبحانه:

" وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ .." البقرة (109).

بل قد جَرَّ عليهم ذلك الحسدُ التفرقَ والاختلاف وهم يعلمون،  قال عزَّ شأنه:

"وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ .." الجاثية(16، 17)

وقد أكَّد ذلك في القرآن المدني من بعد ذلك، ومما جاء فيه: " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ .." آل عمران(19)

إن  البُخْل والبغي سَيُفْشِلان المفاوضات المباشرة، وقد سبقه تواصلٌ سِرِّيٌّ لا يعلم بمقداره إلا الله، وغاية ما يتطلعون إليه الآن أن يوقعوا اتفاقية الإطار، ولا مانع من أن يتراخى الاتفاق على التفاصيل عشر سنين، أو حتى أربعين حَوْلاً، أو سبعين خَرِيفاً، فلا حاجة للعجلة.

وإن فشل مشروع السلطة من أعظم الهِبَات الربانية للدعوة الإسلامية، فإنه يكنس عندئذٍ أعداء المقاومة، الذين يَقْبلون اليوم بأن يكون البدء في المفاوضات المباشرة بيهودية الدولة، وبالتوسل لتجميد الاستيطان ثلاثة قُرُوء، وأن يكون الحوار في قلب مدينة القدس؛ ليتأكد بذلك أن الفرقاء بصدد تصفية ما بقي من رتوش فلسطين.