عز الأمة إزالة الصورة من الطباعة

الأمة بين عز ماضيها وأمل مستقبلها!!

عبد السميع راضي

لقد غيَّرَ القرآن وجه الإنسانية بما اشتمل عليه من منظومة إلهيةٍ شاملةٍ لحياة الإنسان وعمارة الكون ؛ إذ حدد ـ بكل دقة ووضوح ـ معالم الطريق لكل شؤون الحياة في الدنيا والآخرة ، فهو بتبيانه النبوي الصحيح ـ ومرجعيته الفقهية والتاريخية والموسوعية ـ هادياً ومرشداً في كل شيء ، مما يمكن أن يحتاج إليه الأفراد والجماعات ، والشعوب والأمم ؛ لينهضوا بحياتهم نحو الصحة والقوة ، والأمن والاستقرار ، والعلم والحضارة ، والرخاء والازدهار .

قال تعالى : " ما فرطنا في الكتابِ من شيء " ( الأنعام : 28 ) .

وقال تعالى : " و نَزَّلْنا إليك الذكر لِتُبَينَ للنا سِ ما نُزِّلَ إليهم " ( النحل : 44 ) .

وقال تعالى : " وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السُبُل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " ( الأنعام : 153 ).

وما صِرَاعُ اليوم ، الذي حاق بالبشرية ـ مسلمين وغير مسلمين ـ إلاَّ بسبب انحرافهم وبعدهم، بتعاليم هذا الكتاب ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد .

القرآن الكريم : إنه منهج الله ، خالق الكَوْنِ ومدبر شؤونه ، الذي أحاط بكل شيء علماً .

لا عجب أن يبلغ ـ في شموليته وتأثيره ـ كل هذه القوة التي غَيَّرتْ ـ حقاً ـ وجه الإنسانية .

فقد أَحْـدثَ " بُرْكَاناً " تَفَجَّرِتْ له ـ بالخير والنور والحكمة ـ جَنَبَاتُ النبي محمد بن عبد الله ، صلى الله عليه وسلم .

وأحدث " زلزالاً " تصدعت له رواسب الجاهلية في نفوس أتباعه .

وأحدث " فقهاً " تَمَخَضَ عن جيل من الأبطال العمالقة ، والشُّمِ العباقرةِ ، والشَّوَامِخِ الأفذاذ .

وأحدث " ثباتاً " و " صدقاً " حَيَّرَ الملوك ، وأذْهَل القياصرة .

وأحدث " شموخاً " و " بأساً " زلزلا عروش الطغاة والجبابرة .

وأحدث " إيماناً " و" تقوى " عمت بركاتهما سائر الأقطار .

وأحدث " عِزَّةً " و" كرامةً " نَهَضَتْ بهما النفوس والعزائم والهمم .

وأحدث " عدالةً " عمَّ أمنُها سائر الملل والنحل .

وأحدث " دَهَاءً " أعْيَا أهْل المَكْر والْحِيَل .

وأحدث " جهاداً " أطاح بطغيان الكفار والمشركين ، وفَضَحَ زندقة المنافقين والمُرْجِفين .

وأحدث " استراتيجية " ـ في السَّلْمِ والحرب ـ رائدة لكل الاستراتيجيات .

وأحدث " حضارة " هي ـ إلى اليوم ـ مركز انطلاق لكل الحضارات .

وأحدث للإنسانية " حقوقاً مكفولة " و " حريات منضبطة " ما جادت دساتير العالم ـ يوماً ما ـ بمثلها قط ، ولن تجود .

وأحدث " صُلْحاً مع الأعداء " ، عَزَّتْ لأبعاده الاستراتيجية سائر المفاوضات .

وأحدث " فتوحاتٍ " تَرنحت أمام روعتها الانتصارات الباغية على مر الزمان .

وأحدث " دولةً كبرى " تداعت لقوتها عَظائِم الإمبراطوريات والمَمَاِلك .

وأحدث " قوةً عظمى " دانت لعدْلها الدنيا بأسرها .

وأحدث " عقيدةً " استعْصَت ـ مطلقاً ـ على المحو والإبادة ، والاستسلام والهدم .

وأحدث … وأحدث … وأحدث ...!!

 إنه القرآن الكريم الذي أتي بأخبار الأولين والآخرين .. وأنبأ بما كان .. وبما هو كائن .. وبما سيكون .. حتى قيام الساعة .

من ذلك الوحي الإلهي ، استلهم القائد محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسباب الهداية والرشد والنجاة ، واستوحى دروب الفوز والسعادة في الدارين .

فتوشـح وسام الأخلاق والعفة .

وتدثـــر ثوب الإخلاص والصدق .

وبســط رداء التربية والتكوين .

وامتطى صهوة العلم والحضارة .

وامتشق سيف العزة والكرامة .

وارتقى سُلَّمَ الثبات والتضحية .

ورفــع راية الجهاد والقوة .

فكان له ولأمته .. الغلبة والمنعة .. والتمكين والمجد ..!!

ومضى التاريخ .. وتـوالت العـصور .. شـراً بعد خير .. وظلمةً بعد نور .. وضعفاً بعد قوة .. وهزيمة بعد نصر .. وذلاً بعد عز ..!!

واليوم رأينا كيف ضاعت قلاع الإسلام ، وتهاوت أمام هجر القرآن ، ورفض دستوره ، في العلم والعمل ، في المدرسة والجامعة ، في البيت والشارع ، في السلوك والأخلاق ، في الثقافة والإعلام ، في الإبداع والفكر ، في السياسة والحكم ، حتى أحاطتنا الفتن من كل جانب ، وتمكن منَّا الخصوم والأعداء ، وتربصوا بنا الدوائر .

ولم يعد لدستور الله من صوت يرفع ، أو نداء يسمع ، عبر المحافل الدولية ، بل امتد كَبْتُهُ حتى بلغ الجهاد ، والمساجد ، والمنابر..!!، وهو ما يحدث اليوم ـ بالفعل ـ في فلسطين وغيرها ؛ إذ حُوِّلَتْ فيها بعض المساجد إلى متاحف وكنس، ومراقص ، وحظائر للأبقار ، واسطبلات للخيول .

وبينما يزعمون الديمقراطيــــة .. يصادرون الحريــات

وها نحن اليوم ـ على أرض الواقع ـ ننعي أنفسنا في أُمَّةٍ تقاعس حكَّامها وقادتها وكبراؤها عن نُصْرَة " غَزَّةَ " المحاصرة ، وكأنهم لم يبصروا ما جرى ويجري ـ من خراب ودمار وقتل ـ لأهلها المرابطين في أرض " فلسطين " أرض الدفاع عن الدين والأوطان والمقدسات ، وكأنه لا حق لهم في الحياة والبقاء على أرضهم آمنين مطمئنين ، متمثلين قول الشاعر :

فـي مَيــَادينـِكِ دمـــــــــــــــعٌ ودَمٌ نـَزَحَ الأهـلُ ود ِيسَ الأَجَـــــمُ

ومضى التـاريخُ لم يحفلْ بنــــــــا فـبكـى المهـدُ ونـاحَ الحـــــرمُ

ما لِتِلْكَ الخيل في السَّــــاحِ كَـبَتْ ما لأبطال الوغَى قد وجَمُــوا

تَـخِذوا الـخصم مشيراً ناصحـــــاً فَسَطَـا الذئبُ وصال الأرقــــمُ

ليتهـم مـا جـردوهـا حمــــــــــــلةً ضحكت علينـا منها الأمــــــمُ

نحن كالقِطْعَانِ في رحبِ الفَضَـــا تملأ السهـلَ ولكـن غـنـــــــــمُ

كنتُ بالأمس أغنــى مجــــــــدهمُ فإذا المجـد بهم منهـــــــــــزمُ

كما ننعي أنفسنا في هوان أمجادنا وأوطاننا وتاريخنا متمثلين قول الشاعر :

قد أصبـح العَرَبُ الأمجاد قاطبــــــةً عـن مَجْــــدِهـم وعن الأوطان كالغُرَبِ

با لأمـسِ هُـم دولةٌ يُرْوى لـها خَبــــرٌ واليومَ هم خبٌر يـُــــــرْوَى لِذِي العَجَبِ

بالأمسِ هم سادةُ التاريخِ إن ذُكِـــرُوا واليومَ هم سوقة بالرَّحْــــــــــلِ والقَتَبِ

تصوير شعري مفعم بالأنين والتوجع ، والحزن والألم ، لواقع المسلمين والعرب ، بين الأمس واليوم ، حسرةً على أمجادنا المفقودة . ومقدساتنا المسلوبة ، وعزتنا الضائعة ..!!

نعم : لقد أثبت التاريخ ـ عبر قرونه السالفة ـ أن كل من آثر السلطة والوجاهة والترف ، والظلم والبغي والاستبداد ، واستهان بحق الإسلام والرَّعِية ، والبلاد والوطن ، كان مصيره ومصير شعبه الذُّل والهوان ، والتمزق والشقاء ، والخسران والهلاك ، وإن توطد ملكه ، وطالَ أمدُ سلطانه ..!!.

وما نكسة العرب في عام 1967م ، واحتلال فلسطين ، وحرب الخليج الأولى ، ومروراً بغزو العراق للكويت ، وانتهاءً بغزو أمريكا لأفغانستان والعراق ، وما أصاب اليوم الصومال والسودان واليمن ، وما رافق ذلك كله من خراب ودمار أهلك الحرث والنسل ، إلاَّ شاهداً ودليلاً على ذلك !!.

ولم يستفد من كل ما تقدم ـ بأساً ، وقوةً ، وثراءً ، وهيمنةً ، وغطرسةً ـ سوى أعداؤنا في كل مكان ، أما نحن فما حصدنا غير العداوة والبغض ، والتشرذم والفرقة ، والفقر والضياع ، والدمار والموت ..!!

وعلى أنقاض جماجمنا وأشلائنا وثرواتنا قام ـ في النهاية ـ ما يسمى بالنظام العالمي الجائر ، آَمِلاً في السعي الجاد ، والعمل الدؤوب ، لإيجاد شرق أوسط جديد ، تكون فيه القوة والهيمنة فقط لبني صهيون ..!!

وها نحن اليوم في ظلِّه ، وفي ظل عصر العولمة ، وثورة المعلومات ، وغزو الفضائيات والإنترنت ( بأنماطها وأبعادها السلبية ) مع ما فيها من نفع كبير ، إلى جانب ضعف ولائنا لثوابتنا ، وانهيار وحدتنا ، واختلاف كلمتنا ، وعدم تمسكنا بحقوقنا التاريخية والمصيرية . ندفع ثمناً أفدح من أخلاقنا وقيمنا ، ولم نعد قادرين ـ قَوْمِيَّاً وعربياً ـ على إثبات وجودنا ـ على كافَّةِ الصُّعُد ـ بشكل فعَّال في حَلَبَةِ الصراع الدولي ، تلك التي يأكل الأقوياء فيها الضعفاء ..!!

إنَّ الأمة الإسلامية وقد تجاوز عددها المليار ونصف المليار نسمة ، والعرب منهم والمسلمون ـ بوجه خاص ـ في موقع جغرافي واستراتيجي متميز ، يتوسط قلب العالم ، وفيها المخلصون والمبدعون والعباقرة ، والصادقون والأوفياء والنجباء ، وأصحاب الإرادة والعزم والتخطيط ، والغَيْرَة والمروءة والتضحية ، ولديها الكثير والكثير من الخيرات والثروات والطاقات ، والخبرات والمهارات والكفاءات ، في شتى العلوم والفنون والمعارف ، ما يجعلها قادرة ـ بعون الله وتوفيقه ـ على مواجهة كل التحديات والمؤامرات ، المُحْدِقَةِ بها ، بل وقادرة على أن تستعيد عِزَّها ومجدها ، وقوتها وسيادتها ، إن هي اتحدت ـ صادقةً ـ تحت راية القرآن ، وأخلصت لله دينها ، وأعادت تأسيس بنيانها ونهضتها ، على تقوى من الله ورضوان .

وشواهد التاريخ في الماضي والحاضر ، تؤكد بالأدلة القاطعة ، والبراهين الدامغة ـ وأكدته أكثر ، حروب الإذلال الجارية في فلسطين والعراق ، وستؤكده أكثر وأكثر ، شواهد المستقبل ـ القريب والبعيد ـ أنه لا أمل في النجاة من طغيان الكفر والبغي ، وظلمات الاستبداد والقهر ، وعار الهيمنة والتبعية ، وخزي التفريط والاستسلام ، وذلِّ التقاعس عن الجهاد ، إلاَّ بالعودة الصادقة إلى الله ورسوله ، ورفع راية القرآن والجهاد في سبيله ، وعلى رفع تلك الرايةِ ـ دعوةً وجهاداً ، دستوراً وسيفاً ـ تنعقد الآمال .

 ففي هذا وحده الضمان المُؤَكَد لمستقبل هذه الأمة ، ولا ضمان لمستقبلها فيما سواه ..!!

قال تعالى : " فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تُسْأَلُون " ( الزخرف : 43ـ 44 )

وقال تعالى: " فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " ( الرعد : 17 )