المولد النبوي في منظور الشريعة الإسلامية إزالة الصورة من الطباعة

المولد النبوي في منظور الشريعة الإسلامية

د. تيسير الفتياني

يكن جميع المسلمين في صدورهم محبة لرسولنا الكريم، وحبيبنا العظيم وقدوتنا، وإمامنا صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن عمل بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين، وإن هذه المحبة تعتبر من أصول الدين، ومن لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كافر، و نتقرب إلى الله ببغضه، لان ذالك من صفات المنافقين؛ الذي قال الله فيهم إنهم في:(الدرك الأسفل من النار).


ففي كل سنة هجرية وفي الثاني عشر من شهر ربيع الأول تطل على المسلمين ذكرى مولد خير ولد آدم سيد البشر وخاتم الأنبياء والمرسلين، النبي الكريم محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم، فيقوم البعض إحياء لهذه المناسبة الطيبة المباركة بتنظيم الاحتفالات ورعاية المناسبات بأعمال الخير المختلفة، والتي تكلف مبالغ مالية كبيرة، لو أنفقت في جوانب الدعوة المرتبطة بنشر دينه وسيرة صلى الله عليه وسلم العطرة البهية، في ذلك تجسيد للمحبة التي أمرنا بها الله ورسوله، والتي تكسب الأجر ورضا الرحمن وتحصيل الدرجات العلى في الجنان، بعيداً عن الممارسات البدعية التي لم ترد في الكتاب والسنة ولا في إجماع أهل السنة والجماعة من العلماء والفقهاء.
لذلك فإننا ننتهز هذه المناسبة العظيمة لتذكير المؤمنين في أقاصي الأرض ومغاربها أن يلتزموا بأوامر ونواهي خير الأنام، عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك تعبير صادق عن محبته والنجاة من النار، 


فنسب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ مما ثبت في الصحيح، هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهد بن مالك بن النضر ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن سعد بن عدنان، إلى هنا مجمع عليه بين العلماء أما ما ورد في بعض الكتب من ذكر النسب إلى آدم فهو أمر مختلف فيه كثيرا وقد أجمع العلماء على أن عدنان من نسل إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام).
أما أخواله فمن بني زهرة وبذلك يكون الرسول الكريم قد حاز الشرف كله في المخلوقات ثم الشعوب ثم القبائل ثم البيوت ثم النفوس فهو أشرف مخلوق في هذا الوجود.
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن الله أصطفى كنانة من ولد إسماعيل، وأصطفى قريشا من كنانة، وأصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) مسلم 2276، وقال أيضاً: (إن الله عز وجل يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم، ثم حين فرقهم جعلني في خير الفريقين، ثم حين جعل القبائل جعلني في خير قبيلة، ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نسبا، وخيرهم بيتا) الترمذي 3758.

الحكمة من هذا الاصطفاء، لأن العالم لا يسمع إلا لذوي الأنساب العالية فكان عليه الصلاة والسلام من أعلى البشر نسبا، وحتى لا يتوهم أحد بأنه عليه الصلاة والسلام أدعى النبوة من أجل تغيير وضعه الاجتماعي.


أما اختياره عليه الصلاة والسلام من العرب، فهذا دليل حب الله تعالى للعرب ولهذا ينبغي على كل مسلم أن يحب العرب من حيث الجنس لا من حيث الأفراد، فإذا كان الفرد العربي مسلما تقيا فيجب حبه أما إذا كان منحرفا فيجب كره فعله المنحرف لا جنسه العربي.

ورسولنا الكريم ابن الذبيحين
 فقد ورد في كتب السيرة أن عبد المطلب لما أراد أن يحفر زمزم أخرج منها كنز جرهم، فنازعته قريش، وطلبت منه أن تتقاسم معه الكنز وتشاركه في الماء،و كان وحيدا وليس له ولد سوى ابنه الحارث فنذر لئن رزق عشرة من الولد؛ ليذبحن واحدا منهم، فاستجاب الله دعاءه، ووفى هو بنذره، وخرجت القرعة على ولده عبد الله، فأخذه عبد المطلب يريد أن يذبحه، فمنعته قريش، فقال كيف اصنع بنذري؛ فأشاروا عليه أن يأتي عرافة فيستأمرها فأتاها فأمرت أن يضرب بالأقداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل فإن خرجت على عبد الله يزيد عشرا من الإبل، واستمر على ذلك حتى بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها، فنحرت عنه، وكانت الدية في قريش وفي العرب عشرا من الإبل، فجرت بعد هذه الواقعة مائة من الإبل، وأقرها الإسلام وهذا مصداقا، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أنا ابن الذبيحين) يعني إسماعيل بن إبراهيم وعبد الله بن عبد المطلب: ابن هشام 1/151. وعندما شب عبد الله عن الطوق زوجه والده بأمنة بنت وهب

 وموضوع الزواج وعلامات النسب من الأمور المستفيضة في كتب السيرة ولا تحتاج إلى سند موثق، فقد اختار عبد المطلب لولده عبد الله بعد نجاته من حادثة الذبح تلك الزوجه التي تنتسب الى وهب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب، وهي أفضل امرأة في قريش نسبا وصهرا، وأبوها سيد بني زهرة، فتزوج عبد الله آمنة في مكة وبعد الزواج بقليل أرسل عبد المطلب ولده إلى المدينة كي يمتار لهم - أي يشتري تمرا من المدينة من أخواله - فمات هناك ومحمد صلى الله عليه وسلم جنين في بطن أمه، كما تذكر ذالك  أصح الروايات، ودفن في دار النابغة الجعدي، وكان عمره خمسا وعشرين سنة، وبذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ولد يتيما، كما ورد ذلك في القرآن الكريم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) الضحى: 6، وعندما مات أبوه كفله جده عبد المطلب وهو تحت رعاية أمه آمنة. وكان مولده صلى الله عليه وسلم في عام الفيل والتي تتلخص قصة الفيل، بأن أهل الكتاب حسدوا العرب وحقدوا على أهل مكة لأنهم يعظمون بيت الله الحرام، فأراد أبرهة الأشرم – الحبشي - أن يصرف الناس عن تعظيم ذلك البيت فبنى كنيسة عظيمة تدعى "القليس "وأمر العرب أن يحجوا إليها، فما كان من أحد الأعراب إلا أن نجس الكنيسة، فعزم أبرهة الأشرم على هدم الكعبة لإجبار العرب على الحج إلى كنيسته فكانت حادثة الفيل، ويستفاد من هذه القصة ما يلي:

أولا: منزلة الكعبة التي بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

ثانيا: أن من العرب من وقف في وجه أبرهة لمنعه من هدم الكعبة فمنهم من قتل ومنهم من أسر دفاعا وتضحية في سبيل ذلك.

ثالثا: أن من العرب من تعاون مع أبرهة وصار عينا وجاسوسا له، ينقل له الأخبار ويرشده إلى مكة ليهدم بيت الله العتيق فأخذهم الله لخيانتهم وتآمرهم على بيته، ولعنوا في الدنيا والآخرة، ومنهم أبو رغال، والذي أصبح قبره رمزا للخيانة والعمالة، وأصبح مضربا للمثل في التاريخ وكلما مر واحد على قبره رجمه بالحجارة.

رابعا: أن الرسول الكريم صلوات الله تعالى عليه ولد بعد خمسين يوما من حادثة الفيل؛ فكانت هذه الحادثة لأجل بيته ولأجل نبيه وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. وهناك إشارات ودلائل صاحبت ولادته صلى الله عليه وسلم 

معظمها اشارات صحيحة متفق عليها وبعضها إشارات مختلف فيها صاحبت ولادة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أما المتفق عليها فمنها ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي، كأن نورا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من ارض الشام) أحمد 4/127.
أما دعوة إبراهيم عليه السلام فهي قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) البقرة:129
وأما بشارة عيسى عليه السلام، فهي في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) الصف: 6.


وأما رؤيا أمه عليه الصلاة والسلام، ففيها إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزالت به ظلمة الشرك منها، وتخصيص الشام بظهور النور، إشارة إلى استقرار دينه، وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله، وأما الإشارات التي اختلف فيها ووقعت عند ميلاده، قيل انه حين ولد، تهدمت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوه. والله اعلم بالصواب.