رسالة المنبر إزالة الصورة من الطباعة

رسالة المنبر "استراتيجيات صناعة الرغبة"

د. محمد سعيد بكر

المحاور:
- يعتري النفس البشرية موجات إقبال وإدبار، مشفوعة بحماس متقدم لفعل أمور وترك أخرى، مهما كلفت تلك الأمور من أثمان وكُلَف.
- وتصاب النفس البشرية أحياناً بحالات برود وفتور وضعف استجابة لأي مؤثر، مهما كان هذا المؤثر قوياً.
- لاشك أن حالة البرود هذه على الرغم من كونها سلبية وقبيحة إلا أنها أفضل من حماسة باتجاه الشر والسوء.
- صناعة الرغبة لأي شيء لها أهميتها البالغة، لأنه لا قيمة لأي شيء لا حماسة ولا رغبة لأحد فيه، لأجل ذلك يدرس الساسة والتجار من فنون التحفيز والترويج والتسويق لبضاعتهم عبر وسائل الإعلام والتوعية والتوجيه المختلفة.
- يحرص الفاسدون على صناعة الرغبة لدى العموم لتعاطي بضاعتهم الفاسدة، وقد نجحوا في ذلك بشكل كبير، لدرجة أنك تجد إقبالاً شديداً على أمور تضر ولا تنفع، يشتريها الناس بأموالها .. والرغبة نحوها لا تزال في صعود، ومن ذلك:
1. الدخان والحشيش والمخدرات والمسكرات بأنواعها.
2. الأفلام والمسرحيات والعروض التمثيلية (الهابطة) بأنواعها.
3. القروض الربوية بمسمياتها المختلفة.
4. الحفلات الغنائية بأشكالها.
5. الموضات في الملابس وأدوات الزينة وقصات الشعر وغيرها.
6. الروايات والقصص والمقالات المثيرة للشهوات والشبهات.
7. المباريات التي تأخذ من أعمار الناس واموالهم ومشاعرهم.
8. العلاقات المشبوهة عبر أدوات التواصل المختلفة.


- يتساءل الدعاة والمصلحون عن طريقة هؤلاء المفسدين وآليات عملهم حتى وصلوا إلى هدفهم في صد الناس عن دينهم، وتعطيل دنياهم، وتخريب عقولهم وقلوبهم، وتمكين الانتكاسة في فطرتهم، وجعلهم يدمنون على عادات لا يستطيعون لها فكاكاً !!، ولعل من أساليب هؤلاء المفسدين في تحقيق هذه الغايات الخبيثة:
1. التدرج في نقل الناس من حالة الوعي إلى غياب الوعي، ومنها إلى التنويم التام، والتبلد وفقدان الشعور، والتقليد الأعمى.
2. إظهار الشواذ الذين يمارسون ما سبق من آفات في صورة من السعادة والفرح، تنطبع في أذهان الناس، فتجعلهم يذهبون إلى ما ذهب إليه هؤلاء الشواذ ويتمنون مكانهم، عبر رحلة السعادة التي نبحث عنها كلنا، قال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (القصص: 79) 
3. الحوافز والجوائز والرواتب والرتب كلها، مما تجعل الانسان يسكت عن الحق أو ينطق بالباطل، وتتملكه الرغبة الجامحة للقمع والتنكيل والملاحقة للطيبين، خدمة لكل من يمنّ عليه بالفتات و(يعلفه)، قال تعالى: (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (الأعراف: 114).
- لا يمكن أن يكون أسلوب الترهيب والتخويف من أساليب صناعة الرغبة للفعل أو الترك، ذلك أن الخائف يخضع للشيء طالما أن سيف الإرهاب فوق رأسه، فإذا ما ارتفع عنه وتحرر منه عاد ليمارس قناعته التي قد تكون على النقيض مما كان يمارسه تحت سيف القهر والإجبار.
- يحتار المربون وأولياء الأمور والدعاة والمصلحون فيمن حولهم من الناس، ذلك أن الناس لم تعد تنقصهم المعرفة ولا المعلومة بقدر ما ينقصهم الحافز على حُسن تمثُّلها في واقع حياتهم، فالحلال والحرام أصبح واضحاً بيّناً، والملتزمون بمقتضيات ذلك قلة بل نُدرة.
- من أعظم الأمور (العبادات) التي نحتاج إلى صناعة رغبة دافعة وحماسة متقدمة نحوها، (وهي الأمور التي اعتنى بها القرآن وحثّت عليها السنة كثيراً)، ما يأتي:
1. تزكية النفس وطلب نقائها.
2. طلب العلم وتحصيل المعرفة (علوم الشريعة والحياة).
3. أداء الدعوة والنصيحة.
4. الإعداد للمدافعة والجهاد.
5. حُسن المعاملة والسلوك.
6. البذل والعطاء والإنفاق.


- استخدمت الشريعة السمحة العديد من الاستراتيجيات المادية والمعنوية في صناعة الرغبة والدافع والحماسة لتحقيق ما سبق من (عبادات)، ومن تلك الاستراتيجيات التي أفلحت في تحويل المعارض لها إلى مدافع عنها، والكسول عنها إلى نشيط فيها؛ ما يأتي:
1. الوعد بالعطاء الإلهي الواسع والممدود في الدنيا والآخرة لكل من تسخو نفسه ويتقدم فيما سبق من (عبادات).
2. التحذير من خطورة تركها وما يترتب على ذلك الترك من ضعف وعجز وأذى في الدنيا والآخرة.
3. ذكر نماذج كريمة حازت شرفاً كبيراً بحرصها على أداء تلك (العبادات)، كالأنبياء والشهداء والعلماء، ونماذج أخرى تنكبت الطريق فهلكت (فرعون، قارون، هامان، ..).
4. فتح المجال للتجربة التي تثبت لصاحبها أنه لا سعادة ولا هناء ولا راحة للإنسان إلا بأداء تلك (العبادات)، وأن جميع الطرق سوى تلك الطريق مسدود، وحتى تتأكد تلك التجربة سمح الله تعالى للإنسان بالخطأ والذهاب بعيداً وفتح له أبواب العودة، بل وأذاقه شيئاً من عواقب انحرافه؛ كل ذلك ليصنع لديه الرغبة الجامحة بالعودة إليه، قال تعالى: (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ﴿٤١: الروم﴾، وقال تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ﴿٢١: السجدة﴾.
5. التركيز على بيان حاجة الإنسان لربه واستغناء الله تعالى عنه، وتوفير القناعة التامة بأن هذه (العبادات) تحقق مصالح العباد، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (فاطر: 17).
6. التذكير المستمر بالنعمة الإلهية السابغة على الإنسان، وأن الزيادة فيها مرتهنة بشكر المنعم، وإلا فمصيرها إلى استبدال، قال تعالى: ( .. إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) (هود: 84)، وقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم: 7).
7. حثت الشريعة على صناعة البيئة ولزوم الصحبة الطيبة، لما لها من أثر كبير في صناعة الرغبة نحو الخير والبر والمعروف، قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: 28).
8. كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتدح فعل إنسان ويطلب منه تقويم فعل آخر في السياق نفسه، ليصنع عنده الرغبة في التمام على خير، فقد قال مرة في عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ)، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً) (البخاري).
9. منحت الشريعة السمحة شيئاً من الحوافز المادية لكل من يؤدي واجبات متقدمة كالتفرغ للدعوة والعمل للإسلام، وكالجهاد في سبيل الله، ومن ذلك جاء قوله تعالى في مصارف الزكاة: (والعاملين عليها)، وفِي الغنائم: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السبيل ..) (الأنفال: 41).
10. جعلت الشريعة في صورة من يسارعون في الباطل ويمكرون الليل والنهار وينفقون أموالهم كلها في الصد عن سبيل الله، ويفني الواحد عمره في نصرة باطله؛ أكبر حافز لأهل الحق والخير كي يبذلوا بعض ما لديهم لأجله، فالحق أولى أن يُبذل له من الباطل. 


- وختاماً: كم هو عجيب ومذهل حال أولئك الذين تحولت رغبتهم من نصرة الباطل إلى نصرة الحق، في لحظة فارقة من أعمارهم التي طالما أشغلوها في الفساد والإفساد، لمجرد أنهم ذاقوا حلاوة الإيمان واستشعروا لذة الجنان، قال تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ (70) قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ (71) قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 72).