1 إزالة الصورة من الطباعة

رسائل مسيرة العودة الكبرى

مخلص برزق

بلغت القلوب الحناجر مع بلوغ الحصار الظالم لغزة ذروته، وكثر المرجفون في الأرض، وتزاحم المفرطون بالقدس والأقصى على أعتاب ترامب، وما زادت الأمراض والشيخوخة محمود عباس إلا عزةً بالإثم وانتكاساً وارتكاساً وإصراراً على مواصلة جريمة حرمان أهل غزة من أبسط حقوقهم وجريمة التنسيق الأمني الآثم في الضفة المحتلة..

لا عجب.. فأولئك الذين يتشبثون بمفاتيح العودة و"كواشين" أراضيهم وبيوتهم في فردوسهم السليب، هم حجر العثرة في المنطقة في وجه طوفان التطبيع مع العدو الصهيوني، والمتربصون بهم كثر.. ضاقوا بهم ذرعاً فازداد كيدهم ومكرهم وبطشهم وإجرامهم عساهم يحظوا بمشهد استسلام مذل وانكسار مهين للذين أذلوا "الميركافا" وحطموا أسطورة الجيش الذي لايقهر.

في لحظات الترقب الدولي والإقليمي تلك فاجأهم شعبنا بإدارة ظهره إليهم جميعاً ويمَّم وجهه شطر أرضه المباركة، قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبيهم ومعراجه إلى السماء، أدار شعبنا ظهره لمن حاصره وخذله.

مضى وحده في طريق العز والفخار، وفجر مسيرة عودة كبرى في وجه الاحتلال أراد من خلالها إيصال رسائل ممهورة بالدماء الزكية لكل العالم كان منها:

أولاً: أهم وأبلغ رسالة كانت توصيف الوضع القائم على حقيقته.. فهناك شعب اغتصبت أرضه، ودنست مقدساته، وطرد من دياره، فليست مشكلته في نقص الغذاء والدواء، أو شحّ الوقود والكهرباء، أو إعمار ما دمره جيش الأعداء، أو في فتح معابر أو إغلاقها أو في اعتراف دولي أو غيره.. إن مشكلته وبكل بساطة تكمن في وجود الاحتلال على أرضه، فالهبة الشعبية والمسيرة الكبرى ليست للشكوى من الأوضاع اللاإنسانية التي يحياها أهلنا في غزة بسبب الحصار وإنما للإعلان لكل الدنيا بأن ذلك الحصار والإجراءات الظالمة لم يثن إرادة الشعب عن المطالبة بحقه في العودة إلى أرضه السليبة كاملة ورحيل المحتلين عنها.

ثانياً: كل ما صدر عن ترامب من قرارات بنقل السفارة الأميركية إلى القدس ونية افتتاحها في ذكرى النكبة لم تغير من حقيقة أن الأرض أرضنا والقرار قرارنا فنحن أصحاب الحق وأما هم فليسوا سوى عصابة من اللصوص تحاول شرعنة جريمتهم.. ولن يكون لهم ذلك حتى لو اجتمع أهل الأرض معهم.

ثالثاً: وجهة هذا الشعب لا تتزحزح عن القدس وأرض فلسطين أبداً ولن تستطيع أي قوة في الأرض أن تحرفها إلى سيناء أو أي بقعة أخرى، وكل الصفقات العلنية والسرية لن يقبل بها شعبنا وسيولي لها ظهره ولو أطلق عليها اسم صفقة القرن أو أي مسمى مخادع آخر.

رابعاً: كل المحاولات البائسة لجعل غزة تنفجر داخلياً في وجه قوى المقاومة التي جعلت منها عريناً ردّ العدوان الصهيوني الغاصب وحافظ على ثبات أهلها في وجه ابتزاز وضغوط محمود عباس والمصريين ومن وراءهم.

خامساً: في زمن الهرولة والتطبيع مع الكيان الصهيوني، يرسل الشعب الفلسطيني (المتضرر الأول من الاحتلال الصهيوني) رسالة أن التطبيع خيانة وإثم كبير، وأن أي اقتراب من الصهاينة محرم شرعاً إلا من سيَّر المسيرات لدفعهم عن أرضنا وطردهم منها.

سادساً: المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتم إلا على قاعدة مقاومة المحتل ومراغمته، والاجتماع في مسيرات العودة يشكل قاعدة صلبة وأساساً عميقاً لترسيخ المصالحة الداخلية بعيداً عن إملاءات الأطراف الخارجية.

سابعاً: غزة قادرة على مفاجأة المحتل والمتربصين بها، فكما أرغمت أنوف المحتلين بأنفاق العز والبطولة وكشفت خوره وهشاشته بضفادعها البشرية، إنها تواجهه براً وبحراً وجواً، تحت الأرض وفوقها بكل ما لا يتوقعه.

ثامناً: المسيرة تؤرخ لحقبة المبادرة بالفعل بدلاً من رد الفعل.. ومن مزايا ذلك أن العدو في حالة كهذه لا يعود قادراً على التكهن بتسلسل الحراك الشعبي وارتداداته داخلياً وخارجياً، كما أنه غالباً ما يقع في حالة تخبط بكيفية مواجهة ذلك ويتورط باستخدام قوة مفرطة في غير موضعها، ويضعف عن حسم الأمور خشية تدهورها لما هو أسوأ منها.. وهو ما حدث فعلياً.

تاسعاً: تزامن المسيرة مع شهر رجب يؤكد على تمسك شعبنا بحقه الراسخ بأرض الإسراء والمعراج التي أسري بنبينا إليها وعرج به منها إلى السماوات العلا فكانت منصة تكريم له بإمامته لكافة الأنبياء والمرسلين، وتدشين لحقبة جديدة فتحت آفاقاً واسعة تتخطى دائرة مكة المكرمة وتصل إلى المدينة المنورة، وذلك عقب فترة مكية مليئة بالمعاناة والحصار والاستهداف والتضييق من قبل كفار قريش. وهي تتزامن مع ذكرى تحرير صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس لتؤكد أن الأمة قادرة على تجديد أمجادها والنهوض من كبوتها.

عاشراً: إجرام المحتل لا حدود له ولاسقف لوحشيته، ومسيرات العودة تفضح سادية المحتل وكذب دعايته بأنه يقيم وزناً للقوانين الدولية أو الشرائع السماوية، واستهدافه للمدنيين العزل أطفالاً ونساءً وشباباً وشيوخاً وهم يمارسون حقهم المشروع برفض الاحتلال وبطريقة سلمية، وليس أدل على ذلك من ارتكاب قناصته جرائم حرب وثقتها جوالات القتلة ورأى العالم كله كيف يتضاحك القتلة على استهداف طفل بريء مسالم وهو يسقط أرضاً برصاصهم المتفجر، رأى العالم كله كيف يستهدف الصحفي ياسر مرتجى وهو يلبس إشارة الصحافة على صدره.

حادي عشر: فضحت المسيرة أولئك الذين تشدقوا بالمقاومة والممانعة ثم هم يقفون سداً منيعاً وعقبة كأداء في وجه جموع شعبنا في لبنان وسورية ممن أرادوا أن ينهجوا نهج إخوانهم في غزة ويشاغلوا المحتل على الحدود مع فلسطين فلم يسمح لهم بعمل أي مسيرة للعودة إلا في صالات مغلقة تحت رقابة صارمة!!

ثاني عشر: أثبتت مسيرة العودة أن الذين يقطنون مقاطعة رام الله ليس لهم أي حس وطني أو شعور إنساني أو ضمير حي يدفعهم لرفع الإجراءات الظالمة التي فرضوهاً إثماً وعدواناً على أبناء القطاع المحاصر رغم ضخامة التضحيات وغزارة الدماء التي سالت من آلاف الجرحى والمصابين وعشرات الشهداء.

ثالث عشر: أثبتت المقاومة أنها تملك حنكة سياسية عالية ومرونة كبيرة في المواءمة بين العمل العسكري والحراك السلمي، ونجحت في ضبط تكتيكاتها بما يتناسب مع المرحلة وتداعياتها، وأثبت أفرادها أنهم الأكثر عطاءً في المقاومة السلمية كما في المقاومة العسكرية فلاعجب أن كثير من الشهداء هم من أبناء الكتائب المجاهدة، إنهم من خير معاش الناس لهم، الذين يمسكون بعنان خيولهم يطيرون على متنها، كلما سمعوا هيعة طاروا إليها يبتغون الموت مظانه.