http://palscholars.com
رسالة المنبر إزالة الصورة من الطباعة

رسالة المنبر "هل نحن أحياء؟!"

المحاور:
- للوهلة الأولى يبدو هذا السؤال مستفزاً .. والاستفزاز مقصود لذاته هنا .. وذلك بهدف صناعة صعقة تنفخ فينا الروح وتبعثنا من جديد.

- خلق الله تعالى أبانا آدم من تراب .. وخلقنا سبحانه من ماء مهين .. ثم نفخ فينا الروح، فتحول الجماد إلى كائن حي؛ يسمع ويرى ويدرك ويتحرك، وهذا من تكريم لنا نحن البشر.

- الحياة الأزلية هي صفة الله تعالى .. وقد سمى الله تعالى نفسه: (الحي الْقَيُّوم) .. وما سواه من مخلوقاته فحياتهم بيده وأمره وإرادته سبحانه (يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت)، حتى الأنبياء يموتون، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (الأنبياء: ٣٤).

- في الكون مخلوقات حية أو متحركة تختلف في أحجامها وأعمارها، وفيه مخلوقات جامدة أو ميتة، ومن كرم الله تعالى أنه سبحانه سَخّر المخلوقات كلها في خدمة الإنسان .. حتى ما كان ظاهره معادياً أو مفترساً أو معانداً للبشر .. هذا إن أحسن الإنسان ارتياضه وتطويعه .. والمخلوقات كلها (الحية والجمادات) تسبح الله وتعظمه، عدا من شذّ من البشر، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: 18).

- أعظم علامة من علامات حياة المخلوقات هي أن تكون في السياق الذي رسمه الخالق سبحانه لها .. وأن تدور في رحى الغاية التي خلقت من أجلها، فإذا خرجت عن تلك الغاية تعبت واُنهكت ثم هلكت وتلاشت وماتت .. حتى وإن ظهرت عليها بعض آثار وأعراض الحياة .. فالحيوان إذا صار إنساناً فقد حيوانيته .. والإنسان إذا صار حيواناً أو جماداً فقد بشريته .. ولا نستغرب إن سمعنا من يشير بيده إلى إنسان متوحش ويقول بأن هذا لم يعد إنساناً؛ بل حيوان، لأن الإنسانية قد ماتت في واقع حياته.

- حتى نجيب على السؤال الذي هو أساس هذه الرسالة: هل نحن أحياء؟! .. لابد من تحديد صفات الحي والميت .. ومن ذلك:
1. الأحياء يتحركون .. والأموات جامدون أو في سبات طويل نائمون.
2. الأحياء شاكرون ذاكرون .. والأموات منكرون جاحدون.
3. الأحياء نافعون، كالأشجار مثمرون .. والأموات كالهشيم والأشواك مفسدون. 
4. الأحياء يتفاعلون .. وتلمس فيهم أفعالاً أو ردود أفعالٍ تناسب ما يواجهون .. والأموات متلبدون أو متبلدون.
5. الأحياء يستوعبون ويفهمون، فيستقبلون ويُرسلون .. والأموات لا يرسلون ولا يستقبلون.
6. الأحياء لهم أهداف وطموحات نبيلة يسعون لها ويجتهدون .. والأموات بلا أهداف ولا غايات .. هم فقط كالأنعام يأكلون ويتمتعون.
7. الأحياء منتجون .. والأموات مستهلِكون أو مستهلَكون.
8. الأحياء لا يقبلون الذل ولا يخنعون .. والأموات شربوا كأس الذل وأناخوا ظهورهم بثمن بخس لمن يمتطون.
9. الأحياء منفتحون فهم يتواصلون ولا يقطعون .. والأموات قاطعون منغلقون.
10. الأحياء يأملون ويعملون .. والأموات يائسون محبطون.
11. الأحياء عالمون عاملون .. والأموات جاهلون .. أو أنهم عالمون (ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم: 7).
12. الأحياء كرماء النفس؛ طيبون .. والأموات خبثاء النفس؛ سيئون.

- هذه بعض العلامات الفارقة بين الأحياء والأموات، وفِي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يثبت أن الحياة حياة الروح بالعلم والإيمان، لا حياة الجسد بالأكل والشرب والجماع كالحيوان، ومن ذلك:
1. الاستجابة لله تعالى هي الحياة، وذلك بالالتفاف حول مائدة القرآن، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال: 24)، وترك الاستجابة موتٌ محقق، وإن توهم الغافل أنه حي لأنه يتحرك، قال تعالى: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖوَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل: 21).
2. الجهاد حياة للأمة؛ فبه تمنع العدو من استضعافها واستهدافها واستنزافها، والشهداء أحياءٌ أحياءْ .. وإن رأينا أنفاسهم ودقات قلوبهم متوقفة، ودماءهم سائلة، قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (آل عمران: 170).
3. كل من ترك أثراً طيبة وبصمة كريمة ونفعاً ممتداً حيٌّ بذكره الطيب وصدقته الجارية .. قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ) (يس: 12).
4. لا سواء بين من كان صاحب قلب حي يسمع ويطيع، وبين أموات القلوب، قال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ (فاطر: 22).
5. غريب حال الإنسان؛ يكفر ويعرض ويفجر، وروحه بيد خالقها، قال تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: 28).
6. ذكرُ الله تعالى هو الأكسجين الذي يتنفس به الناس، والذكر أوسع من كلمات نرددها، بل هو كل طاعة وصلة وبر ونصيحة وتلاوة للقرآن واستغفار وابتسامة وإماطة أَذى وإعانة محتاج و ...، قال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) متفقٌ عليه.

- قادر رب العزة على نفخ روح الحياة في الأموات بهدايتهم وتسخيرهم جنوداً للحق، ولو بعد طول ضلال، ولكن هذا يتطلب مجرد إرادة وعزيمة صادقة منهم، وصدق الله: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأَنْعَام: 122)، وقال تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ) (الروم: 19).

- وحدهم أحياء الروح والقلب يفقهون سرّ الحياة الدنيا العابرة، وأنها مطية للحياة الآخرة الخالدة، فيركبونها ولا تركبهم، حتى توصلهم إلى بر الأمان، بينما تختلط المعاني والمبادئ عند أموات النفس والقلب فتجدهم: (أحرص الناس على حياة)، ولا يعترفون بالحياة الآخرة، قال تعالى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) (الجاثية: 24).


- وختاماً: 
- يحتاج الإنسان بين الحين والآخر إلى قياس وجسِّ نبضه ليتأكد من كونه حيٌّ أو ميت، قبل أن تصعد الروح إلى باريها، فإن كان حياً بسلوكه الطيب وإنتاجه الكريم وبصمته وبسمته الشريفة؛ في هذه الدنيا فإنه سينال شرف (الخلود) في جنات النعيم يوم الدين، وإلا فأموات القلوب بتعطيل ذكر الله فيها، وأموات العقول بإشغالها في غير ما خلقت لها أو تعطيل التدبر عنها، ليس لهم إلا النار تحرق قلوبهم وعقولهم يوم الدين.

- ينبغي على أمتنا أن تنتبه إلى مكائد أعدائنا الذين يحرصون على حقن أرواحنا وعقولنا بحقنٍ تنزع منا الحياة الحقيقية، وتجعلنا نعيش حياة شكلية هلامية صورية لا جدوى منها ولا أثر، سوى أن يمتطينا هؤلاء الأعداء لتحقيق مآربهم .. فلا حياة لأمة انتهك الأعداء دينها وعرضها وعقلها ودمها ومالها .. إلا إذا لعقت جرحها، ولملمت شتاتها، ونفضت غبار الذل عنها، وتوكلت على الله ربها، وأخذت بالمتاح من أسباب استعادة مجدها .. فلها حينذاك كل الخلود والحياة والتحايا والمكرمات.