http://palscholars.com
السعادة المنشودة إزالة الصورة من الطباعة

السعادة المنشودة

د. كامل بن صبحي صلاح

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

الكل يبحث عن السعادة ، المسلم والكافر ، العالم والجاهل ، الغني والفقير ، الذكر والأنثى ، الصغير والكبير ،  كلٌّ بطريقته الخاصة به.

إذا أصبحت السعادة منشودة للجميع في هذه الحياة الدنيا ، ومن الجميل أن القرآن الكريم تحدث عن السعادة ، ونص على لفظ السعادة في موضعين من كتاب الله تبارك وتعالى ، في سورة هود  قال تعالى: ( يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) هود 105 .

( وأما الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ  عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) هود 108 .

 قال ابن القيم رحمه الله تعالى : "الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن ، لذلك افرحوا واستبشروا وتفاءلوا وأحسنوا الظن بربكم جل وعلا    ، وثقوا بما عند الله تعالى وتوكلوا عليه وستجدون السعادة والرضا في كل حال  " .

 وقال : " ليست القضية أن تحب الله تعالى ولكن القضية أن يحبك الله تعالى " ، وإذا أحبك الله تعالى أسعدك في الدارين – نسأل الله عز وجل أن نكون منهم – فهنيئاً لمن نالها.

وقال : " من حمل الناس على المحامل الطيبة ، وأحسن الظن بهم سلمت نيته ، وانشرح صدره ، وعوفي قلبه ، وحفظه الله من السوء والمكاره " .

ولا شك ولا ريب أن لكل شيء سبباً ، فلا يمكن تحقيق السعادة المنشودة ما لم تتحقق أسبابها ، وتتوفر شروطها ، ويُعمل بموجباتها ، وعند النظر والبحث والاستقراء ، ومن أعظم أسباب السعادة المنشودة :

1- الإيمان بالله تبارك وتعالى والعمل الصالح ، ‏قال الله تعالى: (ﱡمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون ( ، وقال تعالى) : فمن اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( طه 124، وذكر ابن القيم - رحمه الله - أنه سمع شيخ الإسلام ابن تيمية  -رحمه الله تعالى - يقول: " إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة " - وهي جنة الإيمان بالله تعالى ، والعمل الصالح -  ، وقال لي مرة يعني شيخ الإسلام : " ما يصنع أعدائي بي ؟ إن جنتي وبستاني في صدري أنّى رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة " .

2- والإكثار من ذكر الله تعالى ، فذكر الله تعالى فيه انشراح الصدر ، وطمأنينة القلب ، وزوال الهم والغم ، قال تعالى:  ( ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب ) الرعد:28.‏
3- والإحسان إلى الخلق بالقول والعمل ، وأنواع المعروف من صدقة، وبر، وصلة، وكف أذى، وإفشاء السلام، وإصلاح ذات البين

قال الإمام ابن القيم رحمه الله : "من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه " . قال الله تعالى: ﱡ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﱠ ( النساء: 114) .‏

4- وكثرة الاستغفار والتوبة والأوبة والرجوع إلى العزيز الغفار

5- والدعاء والتوجه إلى الله تعالى ، واللجوء إليه ، بصلاح الدين والدنيا ، وأن يرزقه حياة السعداء . 

6- والمحافظة على الصلوات والجمعة والجماعات

7- ومصاحبة ومخالطة الصادقين الأخيار، ومجانبة الفساق والفجار

8- وتجنب الوحدة والفراغ إلا في الطاعة والسجود ، والخلوة بين يدي الله سبحانه وتعالى المعبود ، فإن ذلك يورث سعادة لا تعادلها سعادة .

9- وإشغال العمر والأوقات بالأعمال النافعة ، والمفيدة ، والمثمرة ، للذات والنفس ، ولعموم الأمة .

10- والاهتمام بعمل يومك الحالي الذي تعيشه ، ودعك من غد ووكله إلى ربك جل وعلا.

11 - والتحدث بنعم الله تعالى على وجه الشكر ، والحمد لا على وجه الافتخار والاستعلاء ، والكبر ، والمباهاة ، ومقارنة المكاره بالنعم التي يتنعم بها العبد
12- وتقبل النقد الهادف، والنصح، والتوجيه من كل أحد بصدر منشرح .

13- وتذكر مصاب وابتلاءات الآخرين يخفف ويهون من المصائب والابتلاءات إذا حلت ووقعت. .
14- والنظر إلى من هو أسفل منك في أمور الدنيا، وإلى من هو أعلى منك في أمور الدين
15- والقناعة والرضا بما قسم الله تعالى لك من رزق وخير وعطاء من الرزاق الوهاب سبحانه وتعالى .

16- والتعفف والزهد عما في أيدي الخلق ، فالذي رزقهم قادر على إعطائك أكثر مما أعطاهم
17- واحتساب الأجر والثواب في شؤون الحياة  كلها صغيرها وكبيرها ،عظيمها وحقيرها.
-18والإيمان بالقضاء والقدر ، والتسليم لله سبحانه في جميع الأمور . فالسعيد هو الذي يملأ الله تعالى قلبه بالإيمان ، فإن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.

19 -والتوكل على الله سبحانه وحده في الأمور والأحوال كلها ، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
20- وتذكر أن الدنيا قصيرة ؛ فلا تستحق هموماً ، وغموماً، وأحزاناً ، فهي دار ممر لا دار مقر .

21- ومقابلة الإساءة بالإحسان والعفو عن الخلق ، فترضي ربك سبحانه ، وينشرح صدرك ، وتكفى همك

22  -  وتجنب الحقد ، واحرص على جعل قلبك وصدرك سليمين على المسلمين من هذه الآفات . 

23  - وتجنب الغضب ، وأسبابه ، ودواعيه ، وعليك بالهدي النبوي في هذا الموقف من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم .

24 - وتجنب التفكير في الماضي وأوهامه وخيالاته ، فلا تجر عليك إلا ظلمات ومنغصات ، يتعب منها القلب والجسد .

25 – والحرص على إعطاء الناس حقوقهم المادية منها والمعنوية

-26  وحب النفع والخير للناس من أحب الأعمال إلى الله جلّ وعلا
27 - اعلم أن كلام الناس فيك لا يضرك بشيء ما دمت مع خالقك تقوم بحقه  وأوامره ،  فالتفت عنه ، ولا تعطه انتباهاً والتفاتاً

28 - وطّن قلبك ونفسك على أن رضا الناس غاية لا تدرك ، ورضا الرحمن غاية لا تترك

29 - ونسيان ما مضى من المكاره ، والمعاصي ، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له
30 - وتجنب الحسد والغل في القلوب والصدور، فالحسد لا يأكل إلا صاحبه .

31- اعلم أن السعادة أن تعيش بين الناس طيب الذكر حسن السُمعة ، لا تذكر إلا بالخير ، ولا يُعرف عنك إلا الخير .

32- تذكر أن ما أعده الله جل وعلا للمؤمنين في الجنة من النعيم المقيم الأبدي الأزلي ، هو الفوز العظيم ، فغمسة واحدة في الجنة تنسيك الدنيا وما فيها ، فبهذا تكن أسعد الناس.

33- اعلم أن السعيد هو الذي خُتِم له بخاتمة السُعداء فكان آخر ما نطق بهِ من الدُنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله .   

 34- احرص على رضا الوالدين ، فمن أرضى والديه رضي الله عنه ، وفتحت له أبواب
السماء ، وأبواب الخير والرزق والتوفيق والعطاء .

35- التلقي والقبول بانشراح صدر لدين الإسلام ، وأحكامه وأوامره ونواهيه . قال الله تعالى : ( فمن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرحْ صَدْرَه ُ للإسلامِ ))  الأنعام:125(  .

36- والسعيد هو الذي أسعده الله جل وعلا في قبره ، ولحده حتى إذا أُدخل في ذلك القبر ، وأُنزل في ذلك اللحد، وثَّبت الله تعالى له الجنان وسدَّد له اللسان فقال:

ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فنادى مُنادٍ في السماء أن صدق عبدي ، ففرش له من الجنان وفتح له منها، يأتيه من الروح والريحان والرحمة والغفران ، وأن الله راضٍ عنه غير غضبان .فيقول عندها : ياربَّ أقم الساعة ياربَّ أقم الساعة شوقاً إلى رحمة الله جل وعلا ، وحنيناً إلى عظيم ما ينتظره من فضل الله المنعم جل وعلا .

-37 والسعادة في أن يهبك الله تعالى الولد الصالح ، وأن يقر الله جل وعلا عينك بهم ، وأن يرزقهم الله تعالى الصلاح والإستقامة .  قال الله تعالى :  )وَالَّذيِنَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) (الفرقان : 74) ، فالولد الصالح بَهجة الدنيا وسرورها ، ولذلك قال الله تعالى عن نبيه زكريا عليه السلام لما سأل الله تعالى فقال: (هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِيَّةً طَيِبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ )) آل عمران:38. (

38- والسعادة في الرزق الحلال ، والكسب الطيب ، والمال الصالح ، الذي يستخدم في طاعة الله تعالى ، وخدمة دينه ، والإنفاق منه في وجوه الطاعات والقربات .

39- الإحسان إلى الخلق ، وتفقد حاجاتهم ، وتنفيس كرباتهم ، والستر عليهم ، والشفاعة لهم ، ونصرة المظلوم منهم ، والأخذ على يد الظالم .

40- ومن أسباب تحقيق السعادة حسن الخُلق والمعاشرة ، ولين الجانب مع المسلمين عموماً ، فالأخلاق والآداب الطيبة ، ومعاشرة الناس وتوطئة الكنف ، فيها انشراح للصدر ، وراحة للنفس ، فلا تصبح وتمسي وتبيت إلا منشرح الصدر ، ومطمئن القلب .

41- القيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى ، والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر ، فمن أراد أن يعيش سعيداً ، فليحرص عل نشر الخير بين الناس ودعوتهم وحثهم عليه ، فإذا قام بذلك طيَّب الله تعالى وخلد ذكره في العالمين .

42 - ومن أسباب السعادة العيش مع القرآن الكريم -فهو كلام الخالق جل جلاله- ، والإكثار من تلاوته ، فهنيئاً لمن جعل الله تعالى له القرآن ربيع قلبه ونور صدره وجلاء حزنه وذهاب همه وغمه .  

 43- ومن أسباب السعادة قراءة سير السابقين الذين عاشوا قمة السعادة ، وهم الرسل والأنبياء والسلف الصالح من الصحابة والعلماء .

 44- ومن أسباب السعادة طلب العلم ، ومجالسة العلماء ، فمن سلك طريق العلماء فقد سلك طريق السعادة من أوسع أبوابها .

45- اعلم أخي في الله تعالى أن السعادة الحقيقية التي لا تعادلها سعادة . هي الفوز بالجنة ، والنجاة من النار ، وأن ترى وجه العزيز الغفار ، جلّت قدرته ، وعظمت أسماؤه وصفاته .                                                

قال الله تعالى : ( فمن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ  وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور ).

رزقنا الله سبحانه وإياكم سعادة الدارين