شهر محرم إزالة الصورة من الطباعة

شهر محرم وبيت محرم

مخلص برزق

اسم هذا الشهر يأخذك إلى آفاق رحبة تتحرك معها مشاعر رهيفة تمسّ شغاف القلب فتنتقل تلقائياً بأرواحنا وأذهاننا وتصوراتنا من الزمان إلى المكان، من الشهر المحرَّم إلى البيت المحرَّم لما بينهما من لفظ ووصف مشترك، إلى حيث قال الله على لسان خليله إبراهيم عليه السلام: "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون" (37) سورة إبراهيم.

آيات تنقلك للعيش في إيحاءات تلك الرحلة المؤثرة لإبراهيم وزوجه هاجر وابنه الرضيع إسماعيل، وإيحاءات ذلك الدعاء الخاشع الرقيق المؤثر بعد قطعهم الفيافي والقفار بين فلسطين ومكة المكرمة.. من بيتٍ مقدَّس إلى بيتٍ محرَّم، ولا عجب، فهذا ما يليق بمكانة أنبياء الله ورسله المكرمين، إنهم أولى الخلق بالأزمنة والأماكن الفاضلة المصطفاة، ولنحن أولى الناس أن نقتفي آثارهم فنعظم تلك الأماكن والأزمان بتعظيم الله لها، وتوقيراً لأولئك العظماء الذين مروا بها، وشكراً لله وحمداً له على ما أكرمنا به من تحقيق دعوة إبراهيم فينا أن خصَّنا بسيد الأولين والآخرين وإمام النبيين والمرسلين المبعوث رحمة للعالمين..

دعوة مباركة في مكان مبارك وهو في عمل مبارك في زمن مبارك "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (129) سورة البقرة.

إنها نتاج تلك الرحلات المكوكية المباركة لإبراهيم عليه السلام بين البقاع المباركة وتوجت بإتمام بناء الكعبة المشرفة.

ذلك العزم في تشييد دعائم وأسس التوحيد في الأرض لم يكن غريباً على أبي الأنبياء وإخوانه أولي العزم من الرسل، عزم نستشعر إشراقاته مع قدوم شهر محرَّم، فهذا موسى عليه السلام تقع على أكتافه مهمة عظيمة جليلة تتمثل بإنقاذ عباد الله من فرعون وجنوده فيقوم بها وكلُّه ثقة بمعية الله ونصره وقدرته "وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ" (78) سورة طه.

 إنه ذلك العزم الذي نستشعره بكل اعتزاز وحبّ من نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يضرب في الأرض مهاجراً من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ليشيد أركان أعظم دولة عرفها التاريخ.

إننا نشمّ عبير تلك الرحلة المباركة كلما حلَّ شهر محرَّم الذي جعله عمر الفاروق رضي الله عنه الشهر الأول في التقويم الهجري واعتاد الناس أن يحتفلوا بذكرى هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم مع أول أيامه مع أن الثابت لنا أن هجرته صلى الله عليه وسلم كانت في شهر ربيع الأول.

إنه شهر محرَّم الذي نفتتح به عامنا الهجري ونحتاج معه إلى استحضار أصحاب الهمم والعزمات الكبار كي نستقبل عامنا بهمَّة وعزم وجدّ واجتهاد، ولا أجمل وأعظم وأبرك من أن نتأسَّى بمن كانوا أسوة حسنة لنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.