سوار الشعب الذهبي ... وعين على فلسطين ! إزالة الصورة من الطباعة

سوار الشعب الذهبي ... وعين على فلسطين !

د. أسامة الأشقر

يرحل الكبار بصمت يليق بهيبتهم ، وقد ارتحل اليوم رجل الأوسمة والنياشين الفخمة المستحقة... سعادة المشير وفخامة الرئيس.
لقيته مرات كثيرة في مكتبه وفي منزله بضاحية الرياض في العاصمة الخرطوم، ومع ذلك فإنني لم أستطع أن أحمل عنه حديثاً خاصاً فقد كان الرجل كتوماً جداً ، وكان بإمكانه لو فتح الباب أن يتكلم عن أكبر أسرار الدول العربية والزعماء وتاريخ بلده، وكان بإمكانه أن يتحدث عن أمجاده وتاريخه الشخصي الحافل، وقد أورثه هذا ثقة الكثيرين من ذوي القرار والشأن ... ولا أدري إن ترك مذكرات وراءه.
كان معروفاً بالانضباط والحكمة والرزانة ، مع شجاعة وجرأة لا ينبغي أن تغيب عن قائد عسكريّ، ومن مظاهر حكمته أنه كان لا يتفرد بالقرار ولا يستبد بالرأي، حتى لو كان القرار بالانقلاب الأبيض على رئيس البلاد إذا رأي الإجماع يطوف حوله.
كان الرجل متديناً محافظاً على عباداته مع زهد وتواضع، وقد ورث ذلك من نشأته الصوفية في أسرة متدينة معروفة، كما أنه سليل أسرة علم معروفة في دنقلا العجوز .
كان أهله "السوراب" ممن قدموا من الحجاز قديماً ومن مصر والمغرب، واستقروا في دنقلا العجوز ومنطقة الغابة في شمال السودان وفي الأبيّض بشمال كردفان، وقد نشر جدّه محمد عيسى سوار الذهب رواية الدوري عن أبي عمرو البصري القارئ الشهير في السودان بعد أن تلقّاها في ديار الأندلس والمغرب.
وقد زهد في أبهر الأضواء والمناصب بعد أن تمكّن منها وكان على رأس مؤسسة الجيش ثم الدولة بكاملها وخلّى السلطة إلى الشعب بعد عام من تولّيه أمر الانقلاب على الرئيس الذي خلعه الشعب في ثورة ربيعية آنذاك دون إراقة دماء.
وما يزال السودانيون يذكرون إطلالته صباح السادس من إبريل عام 1985 بزيه العسكري في البيان الثوري الأول : ( لقد ظلت القوات المسلحة خلال الأيام الماضية تراقب الموقف الأمني المتردي في أنحاء الوطن وما وصل إليه من أزمة سياسية بالغة التعقيد... ان قوات الشعب المسلحة حقناً للدماء وحفاظاً على استقلال الوطن ووحدة أراضيه قد قررت بالإجماع أن تقف الى جانب الشعب واختياره، وأن تستجيب إلى رغبته في الاستيلاء على السلطة ونقلها للشعب عبر فترة انتقالية محددة، وعليه فإن القيادة العامة تطلب من كل المواطنين الشرفاء الأحرار أن يتحلوا باليقظة والوعي وأن يفوتوا الفرصة على كل من تسول له نفسه اللعب بمقدرات هذه الأمة وقوتها وأمنها) .
وككل عظيم يختلف عليه الناس فهناك من يرى فعله هذا انحيازاً للجماهير الثائرة وهناك من يراه خيانة للأمانة التي أودعه إياها الرئيس نميري ... وبين هذا الرأي وذاك يتفق الجميع على صدقه ووفائه بوعده الذي قطعه على نفسه بتسليم السلطة للشعب.
كان الدكتور حسن الترابي والشيخ الصادق عبد الماجد رحمهما الله يلمحان إلى أنه انتمى للحركة الإسلامية في بواكير شبابه في المرحلة الثانوية قبل انضمامه للكلية الحربية ثم صقلته التربية العسكرية ليكون أقرب إلى شخصية مستقلة محافظة. 
وقد كان له الفضل في تأسيس القوات المسلحة القطرية بعد الاستقلال، وكان أحد الأشخاص الكبار الذين رسموا الحضور السوداني المميز في العسكرية الخليجية إلى اليوم . 
كان شخصية جامعة كاسم جدّه "سوار الذهب" يتفق عليه أطياف الناس والأحزاب من سلطة ومعارضة، فقد كان ينتمي إلى المصلحة الوطنية الراجحة دون انتماء حزبيّ، ولم يلجأ لإنشاء حزب سياسي يقوم على مكانته وشهرته.
لم يكن المشير سياسياً بالمعنى المتداول للسياسة، ولم يكن له طموح سياسي، وكان يرى نفسه غير قادر عليها لشدة تلوّنها واختلاط مقاصدها واضطراب مقاماتها، ويرغب في التبسّط والعزلة، ولذلك كان يميل إلى التوافق في اتخاذ قراراته ويقف في العادة موقفاً دبلوماسياً وسطاً؛ وقد أخذوا عليه حلّه لجهاز أمن الدولة الذي أنشأه الرئيس جعفر نميري بعد أن اشتدّ على هذا الجهاز الملامة، مما جعل العمل الأمني عرضة للتدخلات الأجنبية الخطيرة في ظروف داخلية حساسة. 
تفرغ المشير للعمل الدعوي والخيري على رأس منظمة الدعوة الإسلامية التي يعرف الناسُ دورها العظيم في نشر الإسلام وإغاثة المنكوبين في إفريقيا، وقد كان للدكتور حسن الترابي فضل كبير في إنشائها وإقناع المشير سوار الذهب بقيادتها، ولم يبخل المشير عليها بعلاقاته الكبيرة التي أدت إلى أن تكون واحدة من أكبر المنظمات المنافسة للمؤسسات التنصيرية الكبرى.
كان الرجل يحب فلسطين ويعشق جهادها، ولم يتردد في زيارة قطاع غزة المحاصر ويعلن من هناك تضامنه الواجب معها، وكان يحدثنا أنه زار فلسطين ، ولكنه لم يخبرنا إن كان ذلك في حقبة عمله العسكري، فقد كان زاهداً في الكشف عن أدواره ويجعلها لله ويسأله فيها القبول؛ ولا يعرف كثيرون أن المشير كان نائباً لرئيس ائتلاف الخير هذا التحالف الخيري الكبير لدعم القضية الفلسطينية ونائباً لرئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية، أي أنه كان نائباً للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في الموقعين؛ وكان المشير يرفض التطبيع، وينتقد اتفاق أوسلو الذي وقّعه صديقه ياسر عرفات، وكان يحذره من هذه الاتفاقيات التي ستنتهي بالكارثة.
مات الرجل في المستشفى العسكري في الرياض وأوصى أن يكون قريباً من موضع دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد بالمدينة المنورة.
تشيعه دعوات الصالحين بالرحمة و الغفران وسكنى الجِنان .