رسالة المنبر  إزالة الصورة من الطباعة

رسالة المنبر "كحلها فأعماها"

المحاور

 يتلبس الشيطان بعضنا فيوهمه أنه في مشكلة وأزمة ليخرجه من حالة كريمة إلى حالة مهينة، ليكون حاله كمن أراد تكحيل عينه السليمة فأعماها، ومن صور ذلك:
١. دعونا نفترض أن التدين مشكلة، فهل الإلحاد حل؟! 
٢. دعونا نفترض أن الحجاب مشكلة، فهل السفور حل؟! 
٣. دعونا نفترض أن الاحتكام إلى الشريعة مشكلة فهل الاحتكام إلى العلمانية حل؟! 
٤. دعونا نفترض أن الجهاد مشكلة فهل قبول العدوان والاحتلال حل؟! 
٥. دعونا نفترض أن الثورة على الطاغية والمستبد مشكلة، فهل تركه يسرح ويمرح في البلاد حل؟!
 فكيف إذا أثبت العقل والنقل والتجربة أن هذه الافتراضات كلها غير دقيقة؟!

- في كثير من الأحيان نبني فرضيات خاطئة بناء على تشخيص ضعيف أو ناقص لبعض أزماتنا ومشكلاتنا .. ثم نذهب لوصف ما نتوهم أنها علاجات وأدوية لتلك الأزمات والمشكلات فنزيد الطين بلة والداء علة .. فنحن نفترض أن سبب تلك الأزمات هو الدين مثلاً .. ثم نأتي بوصفات مستوردة تجعلنا ننسلخ عن الدين .. فهل تعافينا مما نحن فيه؟!

- إننا في بعض الأحيان نصف أمراضاً وعللاً لأوجاعنا، ومن صور سوء المعالجة لمصابنا وآلامنا ما يأتي:
١. الاستعانة بالاعداء والاستقواء بهم لحل نزاعاتنا.
٢. أخذ القروض الربوية لقضاء حوائجنا.
٣. الضرب المبرح أو الدلال الزائد في تربية أولادنا.
٤. السكوت على الفاسد والغشاش للستر عليه واتقاء شره.

- لأن الغاية لا تبرر الوسيلة فإنه لا يجوز الإفساد ولو كان بقصد الإصلاح إلا عند الضرورة وفي أطر ضيقة؛ كحال الخضر عليه السلام حين خرق السفينة لأن ملك زمانه كان يأخذ كل سفينة (صالحة) غصبا.
- ‏كل الأنظمة حكم عليها بالفشل بعد التجريب إلا نظام الإسلام فقد حكموا عليه بالفشل قبل التجريب!.
- ‏أزمتنا ليست أزمة منهج بقدر ما هي أزمة مُدارسة (فهم) ومُمارسة (تطبيق) لهذا المنهج، لأجل ذلك لابد من معالجة تستبقي على المنهج، وتحقق الجودة في الفهم والتطبيق.
- ‏بعض تجار الأدوية يصنع علاجاً يداوي الكبد لكنه يعطل سائر الأحشاء (المعدة، البنكرياس، الأمعاء ...) فهو تاجر دواء همه الربح وليس طبيبا ولا إنسانا نبيلا، ثم هو لاحقاً يصنع للمعدة دواء وللبنكرياس دواء وللامعاء دواء .. كذاك الذي يبيع السلاح لكلا الطرفين المتخاصمين.
- ‏سلامة القصد مطلوبة عند التفكير في الحلول المناسبة لأمراضنا، وهي وإن كانت تشفع لنا نسبيا عند إنتاج أدوية غير مناسبة إلا أنها وحدها لا تكفي في تحقيق ما نصبو إليه من علاج.
- ‏بعض أمراضنا تحتاج إلى وقت كبير لمعالجتها .. فما فسد في دهر قد لا يصلحه عمل شهر .. والزمن جزء من العلاج إذا سرنا وفق خطة ومنهاج.
- ‏اللوحة الرائعة والمكتملة التي تركها لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عن ديننا العظيم قمنا باستهلاكها، وإتلاف شيء من أطرافها، ونقض بعض عراها (لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة) أخرجه أحمد وهو صحيح، فهنيئاً لمن وفقه الله واشتغل في إعادة ما هدم من أركان الدين على قواعد خاتم الأنبياء والمرسلين.
- ‏الحكمة وسداد الرأي توفيق الله تعالى لمن يشاء من عباده .. وهي من أشد ما نحتاجه اليوم .. ولكنها لا تكفي إن لم يتحلى صاحبها بالشجاعة الكافية لإصدار ما يراه مناسبا من الحلول لأوجاعنا .. وكم من حكيم صامت، ومتهور ناطق!
- ‏ليس العلاج السليم لأوجاعنا وأزماتنا بحسب ما نبتغي ولا بحسب ما يطلبه المتابعون والمستمعون؛ بقدر ما هو بحسب ما ينبغي مما يحتاجه زماننا ومكاننا؛ رضي من رضي وأبى من أبى .. فلقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بحسب إلهام الله تعالى له أن في صلح الحديبية دواء لحالة التأزيم التي كانت بينه وبين قريش، فوافق على شروطه على الرغم من رفضه جملة وتفصيلا من صحابته الكرام.
- هناك من يستهلك رصيده في كماليات يمكنه الاستغناء عنها وهو لا يجد ما يسد رمقه في الأساسيات .. ثم يوهم نفسه بأنه مضطر يبيح لنفسه أكل الربا والحرام!
- ‏سياسة الترقيع قد لا تجدي في التربية والإصلاح .. وإن كانت بديلاً مؤقتاً لا يغني عن التغيير الجذري لبعض العادات والآفات والشخصيات.
- ‏لا يمكن لعاقل أن يكلف نفسه بطلاء جدار متهالك يوشك على الانهيار.
- ‏في بعض الأحيان يكون الحق لنا فيصبح علينا بسبب سوء معالجتنا أو قبح ردود أفعالنا.
- ‏الهدم بقصد البناء؛ بناء (هدم الكعبة بقصد إعادة ترميمها) والبناء بقصد الهدم؛ هدم (بناء مسجد ضرار بقصد الإضرار).
- الرسائل التي يقرؤها التلاميذ من بين سطور كلمات المربي لها من التأثير في نفوسهم أكثر من الكلمات نفسها .. والحذر واجب عند كل كلمة وسكوت وعند كل خطوة ووقوف في عالم التربية .. خشية أن نهدم بسكوتنا ووقوفنا أكثر من الذي نبنيه عند كلامنا ومسيرنا.
- بقدر حساسية العين التي نحذر عند تكحيلها، يوجد فيمن حولنا نفوس مرهفة حساسة لاسيما الآباء والكبار والمربين فالحذر في مجالسهم واجب والتعامل معهم بلطف ضرورة.
- ‏قد يقع بعضنا بالخطأ أثناء عزمه على التكحيل فيعمي .. والخطأ غير المقصود معفو عنه إذا استدرك صاحبه على نفسه لكن المشكلة في العناد والإصرار لدى أولئك الذين يكذبون على الناس فيفسدون ويهلكون الحرث والنسل ثم يقسمون بأنهم لا يريدون سوى الإصلاح، قال تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 12).
- ‏الذوق الحسن مطلوب وواجب حتى عند اسداء معروف أو أداء واجب لأحدهم .. لأن مشهد إخراج الأعمال يعكس نوايا أصحابها .. لأجل ذلك قالوا في ذوقيات اسداء المعروف أنها ثلاثة:
١. تعجيله. 
٢. إخفاؤه. 
٣. تصغيره.
- من أعظم واجبات الفقهاء والعلماء والمصلحين تصحيح أخطاء الآخرين (حكاما كانوا أو محكومين) لا تبريرها وشرعنتها وتأصيلها .. لأن الباطل لا يمكن تزيينه وتكحيله من خلال فتاوى ساقطة ولا استشهادات فاسدة!

--وختاما:
ينبغي لمن أراد تغيير المنكر أن لا يأتي بمنكر أكبر .. ولابد لمن يريد الإصلاح أن يتأكد من صدق نيته وصوابية عمله .. فإن حصل بعد ذلك خطأ فيُغتفر للمجتهد المخطئ لأن له أجر واحد في مقابل المجتهد المصيب الذي له أجران.