إزالة الصورة من الطباعة

التفاؤل بنصرة الدين وعدم الاستعجال

د. سعد البريك

في ظل تتابع الأحداث الجسام والاعتداءات الآثمة على الأمة التي تعيش أحلك لياليها وأظلم صفحاتها؛ اعتداءات وحشية، وجُثثٌ متناثرة، وأشلاء ممزّقة، مآسي ونكَبات، وقتلٌ بالمئات؛ وكأنّنا في ليلٍ بهيم، أو في نفقٍ مظلِم، أو في صحراءَ من التِّيه واسِعة.
 
ويتساءل الكثيرون: أما لهذا الليل الطويل من آخر، أما لهذه المحن من نهاية، أما آن لخير أمة أخرجت للناس أن تنهض من عثرتها وأن تفيق من سباتها، ما هو السبيل إلى تغيير هذا الواقع المؤلم، هل ستقف الفجائع والمآسي عند هذا الحد أم أن شلال الدم سيستمر ومسلسل التشريد ستمضي وفجائع القتل ستتوالى؟.
 
أغضت بيارق عز في مشاعرنا *** من بعد ما خفقت في رأسها لهب
 
صرنا نعيش بلا حول ولا أمل  *** تجتاحنا نوب من بعدها نوب
 
ما غير الحال فينا غير أنفسنا  *** والله قدر في ما صار ما يجب
 
القلب ينزف والإحساس منكسر  *** العين تبصر والأعماق تنتحب
 
قد جاوز الأمرُ حد الصبر من ألم  *** فهل لأسوأ مما صار نرتقب؟!
 
وإن مِنْ ما يخفف من وقع هذه الفجائع ويزيل ندبات الضربات المتتالية التي تلقتها الأمة؛ هو إشاعة اليقين في النفوس بنصر الله لهذا الدين وبثُ الأمل الصادق بظهوره على الدين كله، وشحذ الهمم للعمل على نصرته، والذبّ عن حياضه، مع الإدراك التام بأن نصر الله لن ينزل على أوليائه بمعجزةٍ خارقة، ولكن بسنةٍ جارية، يمتحن الله فيها العباد ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.
 
فهذه الأمة حيّة لا تقبل الظلم، وربما تكون الضغوط والمتغيرات سبباً من أسباب يقظتها وحيويتها، فلا تهون عليها عزتها وكرامتها.
 
وإن من دلائل الرشد والفقه؛ استيعاب الأزمة، وتوضيح دورها في إحياء الأمة وبنائها بنفسيةٍ عزيزةٍ وثّابة، ومن غير ضعفٍ أو خوَر.
 
إن الأمة الكريمة الضعيفة، وإن كانت لا تقوى على المواجهة في مرحلةٍ من المراحل لكنها لا ترضى بالدنيّة في عزّتها ومبادئها، ولن ترضى أن تنظر للآخرين باستجداء وتوسل.
 
وربما تكون الهزائم من أدوات البناء لأنها تقضي على صور الاسترخاء، ومظاهر الترف والفسق، وتحمل على الدُّرْبَة لتحمل الظروف القاسية. وإن ما نحن فيه من هزائم وذل؛ سببه المعاصي والآثام وكثرة الخبث.
 
كتب عمر - رضي الله عنه - لأبي عبيدة - رضي الله عنه - يقول له: "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما طلبنا العزة في غيره أذلنا الله".
 
واستمرت هذه العزة في هذه الأمة جيلاً بعد جيل عندما استقامت على أمر ربها، حتى وصل بها الأمر إلى أن بعث أمير المؤمنين هارون الرشيد: "إلى نقفور كلب الروم، فإن الأمر ما ترى لا ما تسمع".
 
وكان يحج عاماً ويغزو عاماً وينظر إلى السحابة وكأنه يخاطبها يقول: " أمطري أينما شئت فسيأتيني خراجك".
 
لكن الحال تبدل والأمر تغير، وما ربك بظلام للعبيد، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وما أعظم الفرق بين أمسنا ويومنا، وما أعظم الفرق بين الإسلام ديناً، والمسلمين واقعاً.
 
فالصورة مظلمة وقاتمة، لكن يقيننا أنه الظلام الذي يسبق بزوغ الفجر.
 
فالله - عز وجل - قد وعد أولياءه بالنصر والتمكين: (وإن جندنا لهم الغالبون).
 
وقال - تعالى -: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي). وقال - تعالى -: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).
 
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يُعِز الله به الإسلام، وذلاً يُذِل الله به الكفر)) رواه الإمام أحمد.
 
إن أمل المؤمن بربه متصل دائم، يملؤه الحرص على ما ينفع والاستعانة بالله، والبراءة من العجز والكسل والبعد عن اللوم والتلاوم.
 
وإن الفأل الحسن جزءٌ من عقيدتنا، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسَرُّ حينما يسمع أسماء مثل: نجيح وراشد، ويعظم أمله في ربه لينجح في مقصده، ويرشد في أمره، وكان يعجبه الفأل، ويكره الطيرة والتشائم.
 
لكن هذا التفاؤل الذي نؤمن به وندعو إليه؛ ليس تفاؤل الغافل، وليس تفاؤل العاجز، ولا تفاؤل المتواكل، لكنه تفاؤل واقعي يدرك حال الأمة وضعفها، وهو تفاؤل لا يعمى عن مكر الأعداء بنا.
 
إنه تفاؤل ينطلق من عقيدتنا الراسخة بأن الإسلام لا يُهزم ولا ينبغي له أن يُهزم فهو دين الله الخالد، وشريعته المحفوظة، وإذا قصر فيه أقوام استبدل الله غيرهم: (وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـالَكُم). فالإسلامَ سيعود إلى قوّتِه ويفيء من غربتِه وغَيبته، قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه أحمد عن أُبي بن كعب مرفوعاً: ((بشِّر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض)).
 
الأيامُ دُوَل، وربّما صحَّتِ الأبدانُ بالعِلَل، وإنّ دماءَ القتلَى وأشلاءَ الجرحى وآهاتِ الثكلَى ستكون الطوفانَ الذي يُغرِق الطغيان، والشُّعلةَ التي تحطِّم الظلمَ والاستبدادَ والإذلال والاستعباد، وإنَّ دويَّ المدافع وضجيجَ القَصف وألوانَ الحقد والعُنف ستوقظ أمَّةً طالما دبَّ الوهَن في أعماقِها وسرَى الخوفُ في عروقها؛ لتكونَ حممًا تحرِق البغاةَ الغاصبين، وإعصارًا فيه نارٌ يدمِّر الطغاةَ المعتدين، وستحوط بالباغي يدُ المهلَكة، يحفِزُه إلى مَصرعه جنونُه بقوّته، ويعجِّله إلى حتفِه غرّةُ تَيهه، ويدفعُه إلى مهلكِه خَمرةُ كِبره، وسيكون سمعةً رادعة ومثلةً وازعة وعِظةً مانعة لكلّ القوى الجائرة كما كانت للقوى الظالمة البائدة، وسيجرُّ الظالم أذيالَ الخيبة مُهانًا، ويندحِر بالهزيمة إلى داره مقهورًا مُدانًا، ولن يظلَّ الظالم قويًّا إلى الأبد، ولن يظلَّ المظلوم ضعيفا إلى الأبد: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ).
 
لقد باتت أمريكا وأعوانها في الغرب والشرق عُنوانًا للقتل والوحشية، وسيُسجّل التاريخ بِمدادٍ أسود كيف قُدّر لهذه الدولة الباغية الطاغية يومًا ما أن تعلو كدُخانٍ وضيعٍ، فما كان لها إلاّ أن طغت وبغت وظلمت وسرقت ونهبت وعذّبت وأذلّت وانتهكت فكان جديرًا بها الانحدار والسقوط، والله أمهلها، وهو يمهل ولا يهمل: (فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا). قال - صلى الله عليه وسلم - كما في سنن أبي داود والترمذي وصححه عن أبي بَكْرة - رضي الله عنه -: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل الله - تعالى - لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)).
 
وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَـالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) متفق عليه.
 
فجـانب الظلم لا تسلك مسالكه *** عواقب الظلم تُخشى وهي تَنتظر
 
وكل نفس ستـجزى بالذي *** عملت وليس للخـلق من دنيـاهم وطر
 
والقصص الواقعية والعبر التاريخية طافحة بمثل هذا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "وأمور الناس تستقيم مع العدل، الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: ((ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم)).
 
فالباغي يصرع في الدنيا، وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة... "العسرُ مُقدَّمة اليسر ومن رحِم الظلام يولد الفجر ولن تنبت الحبة إلا إذا دُفنت في التراب.
 
وإن ليل الضلال والكفر الجاثم على صدر الغرب حدا بالكثيرين من أبنائه إلى أن يُيَمَّموا وجوههم نحو الإسلام، رغم التشويه الكبير الذي تمارسه الآلة الإعلامية الصهيونية في حقه.
 
إن من أسباب انتصار الإسلام هو عودة العالم الحائر إليه بعد انسداد كل السبل أمامه، وإن الوقت والأيام والأحداث كلها تعمل لصالح هذا الدين.
 
وإن كثيراً من مفكري الغرب وعقلائه يتطلعون إلى فجر الإسلام الذي يمحو ظلم الشرك والضلال. يقول فرجيل جورجيو: "مما لا ريب فيه أن هذا الانهيار للمجتمعات المادية تعقبه نهضة القيم الإنسانية والروحية، وأن هذا النور العظيم سيجيء من الشرق".
 
ويقول عالم النفس إرنست بيكر: "إذا كانت المسيحية قد فقدت فاعليتها، فإن الحاجة قائمة لبروز تصور ديني نقي يحرر الإنسان من صنمية الموجودات، ويخرجه إلى فضاء الحرية التي يوفرها الإله الذي ليس كمثله شيء" (نقلاً عن " مناهج التربية الإسلامية" د. ماجد عرسان الكيلاني 128).
 
ويقول رانتو: "إن الليل يخيّم على أوربة، ونحن نولّي وجوهنا شيئاً فشيئاً قِبَلَ المشرق" (مقدمات العلوم والمناهج أنور الجندي 10 / 365).
 
ويبين المفكر هيوستن سميث سبب عجرفة الغرب وتكبره عن الاعتراف بقدرة الإسلام على إنقاذ الغرب المنهار فيقول: إننا نحيا حالة دفاعية تعكس حيرتنا أمام إمكانية التصور بأن يكون هناك ما هو أحسن مما نحن فيه، كدين الإسلام الذي يمكن أن يمدّنا (بالخير والقوة) معاً، إذا ما فتحنا أنفسنا لتقبّله. (مناهج التربية الإسلامية. د. ماجد عرسان الكيلاني 382).
 
إن هذه الشهادات من هؤلاء العقلاء، وغيرها كثير، تؤكد حاجة البشرية إلى هذا الدين وإدراكها أنه لا نجاة لها إلا به وأنه هو الأمل المرتقب الذي ترمقه العيون الحائرة والأفئدة الضالة.
 
رغم الغشاوة والعمى الذي حجب هذه الحقيقة عن أعين مأجوري أذناب الغرب، وزبانية الفتنة الذين لا زالوا يطعنون بهذه الشريعة، ويحاولون نقض الثوابت وهدم المسلمات والتهكم بالأصول الشرعية والعقدية لشرعة الإسلام وملة التوحيد، فاشتط بهم المزار إلى الوعر، ونأى بهم المركب إلى القفر، وأضحوا معاول تحاول هدم الأسس العليّةٍ، وجراثيم معدية وأجسام موبوءة تحاول نشر الوباء في البنيان.
 
وجوهر دعوة هؤلاء: تذويب الأمة ومسخ شخصيتها لتتنكر لخصائصها وتجحد رسالتها وتتخلى عن دورها، ولتصبح نسخة كربونية مكررة من الأمم الغربية الكافرة التي يشكو أهلها من التخبط والحيرة.
 
يقول الفيلسوف الحائر نيتشه: "بدأتُ مغامراتي الفكرية، وفررتُ من الحيرة إلى الإلحاد، فازدادت حيرتي! فإلى أين أتجه! أفلا يجدر بي أن أعود أدراجي إلى الإيمان، أو أن أوفّق لإيمان جديد؟!". (الحزن في النفس. سارتر 193).
 
يقول سلا كروا في" ليالي الغضب": "في داخل نفسي أحسّ بأنني ضال حائر، ألهث وراء البحث عن فكرة غير مزيفة، فكرة توازي في قيمتها ما أوازيه أنا في قيمتي … إني أحاول عبثاً أن أحتفظ بالأمل في أن أعيش سلاماً مع نفسي … إنني أعيش في حالة عدم تفاهم مع عدم تفاهمي نفسه! وإن عصر الانتحار قد فتح أبوابه (نقلاً عن " فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر" د. عماد الدين خليل).
 
فلنزقن بنصرة هذا الدين ولنعمل على استغلال ما حبانا الله من قدرات ومقدرات لنصرته، فإنما يتجلى إخلاص الفرد وحبه لدينه بقدر سعيه لأجل دينه.
 
لما ألان الله - تعالى - الحديد لداود - عليه السلام -، قام بتسخير هذه النعمة في طاعة الله - تعالى - فصنع الدروع وملابس الحرب والعتاد العسكري؛ من أجل الجهاد في سبيل الله.
 
ولما مكَّن الله - تعالى - لذي القرنين وآتاه من الأسباب التي جعلته يبلغ الشرق والغرب، فما مر على أمة من الأمم إلا دعاها إلى الإسلام.
 
ولما ورد على القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً، لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس، اشتكوا إليه من ظلم يأجوج ومأجوج، وإغارتهم عليهم، وإفسادهم أموالهم وزروعهم ومواشيهم وأنفسهم، بنى لهم سداً عظيماً لحمايتهم من بطش يأجوج ومأجوج.
 
وقد قدَّم الصحابة - رضي الله عنه - كل ما يستطيعونه لنصرة دينهم. قال زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: ذُهِبَ بِي إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأُعْجِبَ بِي فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: ((يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي)) قَالَ زَيْدٌ - رضي الله عنه -: فَتَعَلَّمْتُ كِتَابَهُمْ مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
 
ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة توزعت الطاقات، وتنوعت الأعمال كل بحسب ما يحسنه: فبلال - رضي الله عنه - يؤذن، وسعد - رضي الله عنه - ومن معه لحراسة النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيد ومعاوية وعثمان - رضي الله عنه - لكتابة الوحي والرسائل، وخالد وجعفر وابن رواحة -رضي الله عنه- لقيادة المعارك.
 
وابن مسعود - رضي الله عنه - لازم النبي - صلى الله عليه وسلم - للتعلم حتى صار فقيه الأمة ومثله ابن عباس - رضي الله عنه -.
 
وسلمان أشار على النبي - صلى الله عليه وسلم - بفكرة الخندق ونعيم بن مسعود الثقفي - رضي الله عنه - عرض خدماته لما أسلم فخذَّل قريشًا ومن معها، وأبو طلحة - رضي الله عنه - يتصدق بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببستان كبير، قائلاً: يا رسول الله ضعها حيث أراك الله. وعثمان - رضي الله عنه - يسبِّل بئر أرومة على المسلمين، ويجهز جيش العسرة على نفقته وأبو بكر - رضي الله عنه - يتصدق بكل ماله وعمر - رضي الله عنه - بنصف ماله، وسعد -رضي الله عنه- يستغل مهارته في الرمي فرمي المشركين يوم أحد وأبلى بلاء حسناً حتى فداه النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: ((أرم فداك أبي وأمي)).
 
ومصعب بن عمير - رضي الله عنه - استغل حسن تعامله مع الناس فأدخل الله بسبب ذلك أناساً من أهل الشرك صاروا قادة للإسلام.
 
وحسان - رضي الله عنه - كان يجاهد بشعره ويهجو دين قريش ويسفه آلهتها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اهجهم وروح القدس معك)).
 
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد *** حدى بك حادى الشوق فاطو المراحلا
 
وقل لمنادى حبهم ورضاهم  *** إذا مـا دعـا لبـيك ألفـا كـواملا
 
ولا تنظر الأطلال من دونهم  *** فإن نظرت إلى الأطلال عُدْنَ حوائلا
 
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد  *** ودعـه فـإن الشـوق يكفيك حاملا
 
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي  *** ويصبح ذو الأحـزان فـرحان جاذلا
 
حذار من استعجال النتائج واستبطاء النصر، قال - تعالى -: (أمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).
 
لما شكا خبّاب بن الأرت - رضي الله عنه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يلقاه هو والمسلمين من الأذى والاضطهاد، وطلب منه أن يستنصر ربه، وأن يدعوه، قال له - صلى الله عليه وسلم -: ((كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)) رواه البخاري وأبو داود وأحمد.
 
وعندما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحفر الخندق هو وأصحابه وقد أنهكهم الجوع حتى ربطوا الحجارة على بطونهم وربط النبي - صلى الله عليه وسلم - على بطنه حجرين، بشرهم - صلى الله عليه وسلم - بفتح كسرى، وإيوانه. فقال المنافقون: هذا محمد وأصحابه يعجز أحدهم أن يقضي حاجته، ويعدهم بقصور كسرى!. وتحقق وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبشارته: ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله - عز وجل -)).
 
إن الاستعجال واستبطاء النصر مخالف لسنة الله - سبحانه وتعالى -، فالله - تعالى - خلق السموات والأرض في ستة أيام، وخلق الإنسان والحيوان والنبات على مراحل، وهو القدار على خلق ذلك كلّه بكلمة 'كن': (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
 
ومن سنن الله في التشريع: أن الخمر حرمت على مراحل، وكذلك الربا. وإذا نسينا هذه السنن؛ كانت السرعة والعجلة والتصرفات الطائشة واللامسؤولة وربما تكون غير مشروعة.
 
فالله - تعالى - يحب الحلم والأناة؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس: ((إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)).
 
ولقد وعد الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين بالنصر، فقال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).
 
فالواجب أن نأخذ الأمور بحكمة وبهدوء وبروية، ولنقرأ التاريخ، لنأخذ منه العبرة والعظة، وكيف يغير الله - تعالى -الأحوال. ولا يفهم من ذم الاستعجال، كراهة المبادرة إلى اتخاذ العمل الصائب والقرار الصائب في وقته المناسب، فإن ذلك من الحزم والحكمة.
 
فلنُربِّ أنفسنا على التمييز بين مواضع العجلة ومواضع الأناة ومواضع المبادرة ومواضع الإحجام، بحيث نعرف كيف نضع الشيء في موضعه، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الصبر بالتصبر)).
 
وإن في إمعان النظر في الآثار والعواقب المترتبة على الاستعجال ما يهدِّئ النفوس ويحملها على التريث والتأنّي. كما أن استشارة العلماء وذوي العقل والحجى قبل القيام بأي عمل من شأنه أن بجعل التصرفات دقيقة محسوبة، وأن يوفر كثيراً من الجهد، والوقت.
 
والحمد لله رب العالمين..


نقلاً عن موقع الشيخ سعد البريك