إزالة الصورة من الطباعة

أصلي ‏وتقليد

د. محمد سعيد بكر

محاور الخطبة:

- كلنا نحب (الأصلي) أو الأصيل من الأفكار والأخلاق والأجهزة والأدوات، ولكننا لا نحب أن ندفع كلفته الباهظة، ‏فنختار التقليد الرخيص، ثم ما نلبث أن نشكو من خلله وعلله.‏

- ‏في حوار لي مع أحد الملحدين قال لي بأن إيماني قديم، فقلت له: وهل إلحادك جديد؟! ، وهل يعاب الشيء لقدمه أم ‏للحال الذي صار إليه!، وأيهما هو الأصلي في النفس البشرية الإيمان أم الإلحاد؟ .. لاشك أن الإيمان أصلي مرتبط بفطرة كل ‏إنسان؛ باعتبار أنه يولد على الفطرة، وأبواه يطلبان منه (التقليد) لهما فيصير يهودياً أو نصرانيا أو غير ذلك.‏

- ‏لو سألنا تاجراً عن الفرق بين السلعة الأصلية والمقلدة، لأجاب:‏

‏          ١. الأصلية موادها الخام ثقيلة أو متينة، والتقليد موادها الخام خفيفة أو ضعيفة.‏

‏          ‏٢. الأصلية تتحمل الصدمات والضربات، والتقليد تنكسر أو تلتوي وتتعطل عند أول صدمة.‏

‏          ‏٣. الأصلية غالية الثمن، والتقليد رخيصة، إلا عند من يغشون الناس ويبيعونهم السلعة المقلدة بسعر الأصلية.‏

‏          ‏٤. أصبح موطن تصنيع السلعة يدلك على أصالتها فالناس يفرقون بين (‏Made in Japan‏) و(‏Made in China‏). ‏

 

- ثم سألته: وكيف لمثلي أن يعرف الأصلي من التقليد؟ فأجابني وهو يبتسم:‏

‏          ‏١. ‏بنصيحة صادقة يسديها لك من باعك تلك السلعة، فهو أدرى الناس بها.‏

‏          ‏٢. ‏أو بالتجربة المكلفة، لسلعة تشتريها على سبيل المغامرة لتكتشف أحوالها عند أول استخدام لها.‏

 

- استدركت عليه قائلا: ألا يكفي العلامة التجارة المدموغة أو الملصقة على ظهر السلعة، والتي تثبت مصدر صناعتها؟ ‏فأجابني وهو يضحك هذه المرة: كانت هذه العلامة لتكفي في سوق الأصلاء من التجار، ولكن هل تتوقع من تاجر (تقليد) أن ‏يبيعك سلعة أصلية.‏

 

- مثلما قيل في التفريق بين السلعة الأصلية والتقليد، يقال بالنسبة للتدين والسلوك الأصلي والتقليد؛ فلا مظاهر التدين ‏الخارجي ولا معسول الكلام بالضرورة يمكنها أن تثبت أصالة تديننا وسلوكنا، وإن كانت هذه من المؤشرات المطمئنة على ‏أصالة عقولنا وقلوبنا وعدم تسرب الغش إليها .. ولكن من أكثر ما يثبت أصالة تديننا وسلوكنا ما يأتي:‏

‏          ‏١. ثباتنا عليها في المنشط والمكره وفي السراء والضراء، وعند الفقر والغنى، وعند تولي المسؤوليات العليا، وعند دواعي ‏الغضب والطمع والحاجة، كما ثبت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في هذه الأحوال كلها.‏

‏          ‏٢. عودتنا إلى تلك الأصالة عند وقوعنا فيما يرتبط بضعفنا البشري من أخطاء، كما السلعة الأصلية التي يمكنك إصلاحها ‏إن تعرضت لخلل أو كسر من كثرة استخدامها، بينما السلعة المقلدة لا تملك الا إتلافها عندما تصاب بخلل أو علل، لأجل ذلك ‏ما نقص المخلفين الثلاثة عن تبوك من أصالة تدينهم وسلوكهم تلك الخطيئة التي ارتكبوها، لاسيما وأنهم استدركوا عليها ‏وأصلحوها.‏

‏          ‏٣. أصالة المنشأ؛ حيث البلد الطيب لمن نشأ وعاش في بلاد الحرمين أو أرض الشام، أو الأسرة الكريمة أو الصحبة الطيبة ‏لمن عاش في أرض الله الواسعة، ولكن الأرض لا تقدس أحدا إنما يقدس الإنسان عمله، فلا الولادة ولا الإقامة ولا حتى ‏الموت في مكان يدل على أصالة صاحبه أو أنه مزيف مقلد، وإن كانت من المؤشرات الإيجابية الظاهرة لعموم من حرصوا ‏على الالتصاق بكل كريم من الزمان والمكان. ‏

 

- قد تكون السلعة أصلية وكذا التدين والسلوك، ولكن يشوبها الاستعمال السيء والخاطئ، فتتوقف عن العمل، أو يصبح ‏عملها بخلاف ما صنعت لها، لأجل ذلك لا يكفل التاجر الخلل الناتج عن سوء الاستخدام، كما لا كفالة على إنسان أصيل ‏المنشأ والبداية والتربية أساء استخدام عقله وقلبه مرة بعد مرة حتى أتى عليهما الفساد والصدأ.‏

- ‏قد تغلب الأخلاق المقلدة على الأخلاق الأصيلة الكامنة في قلب أحدهم فييأس البعض من صلاحه، إلى أن يرزقه الله ‏بحكيم من حكماء الدعوة أو التربية، فيغسل ما ظهر من أخلاقه وعاداته المقلدة لتظهر أخلاقه وعاداته الأصلية من جديد، ‏كحال سلعة كنا نظن أنها تقليد بسبب كثرة أعطالها لكثرة استخدامنا لها، حتى دلنا ناصح خبير في القطع والنسب بأنها أصلية ‏فلا تفرطوا بها، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) رواه ‏البخاري.‏

- لقد أثبت الزمان أن القرص الصلب من المسلمين الأوائل هم من النوع البشري الأصلي، وأنه حتى تقليدهم أو اقتداؤهم ‏بالحبيب صلى الله عليه وسلم كان تقليدا واقتداء أصلياً، وليس اقتداء (مقلداً) شكلياً، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى في بيان ‏أحوالهم عند الشدة: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى ‏الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ ‏صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23).‏

- ‏لقد تصدَّر المنافقون لائحة أصحاب التدين والسلوك المقلد والشكلي، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا ‏بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ‏إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ(48) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ‏اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (النور: 50).‏

- أكل التقليد للأعداء قلوبنا وعقولنا نحن وأبناؤنا، وأصبحنا أمة مستهلِكة ومستهلَكة، وليت تقليدنا لهم كان في ‏المصنوعات والملبوسات والمأكولات والمشروبات فحسب، بل حتى في الأنظمة والقوانين والمناهج والبرامج الأنظمة لحياتنا ‏‏.. فقد سلكوا جحور فئران وأفاعي وضِباب فدخلنا وراءهم، وبقينا في تلك الجحور المظلمة، وليس لنا سوى انتفاضة ننفض ‏بها الغبار عن نفوسنا لنستخرج منها الأصالة التي تمتع بها أجدادنا العمالقة الكبار.‏

- جميل أن يقلد الواحد منا الطيبين في أفكارهم وأفعالهم، ولكن البحث عن الأصالة أولى، فلربما انحرف الطيبون أو أخطأ ‏الكرام الصالحون، عن قصد وبلا قصد، لأجل ذلك ينبغي علينا أن نقلد الأصيل لا المقلَّد قدر استطاعتنا، ولا مانع من ‏الاستئناس بالطيب المقلد، فالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أولى من أي اقتداء، ثم بالسادة الخلفاء والصحابة النجباء ‏والصالحين والصديقين والشهداء.‏

- أحداث الربيع العربي وما بعده كشفت ولا تزال تكشف من منا صاحب دين وخُلق حقيقي أصلي أم تقليد ومزيف، كيف ‏لا وقد أظهرت لنا أصالة ورجولة شباب حديثة أسنانهم، وهم يتحدون بصدورهم العارية دبابات المستبدين والطغاة، في حين ‏سقطت في الأحداث لحىً وعمائم كان الناس يحسنون فيها الظن، إذ بها تقع في وحل النفاق والمداهنة بدواعٍ كاذبة وتأويلات ‏باطلة.‏

- يحترف البعض التقليد للأصوات والأداء، وهذه وإن كانت أحياناً مهارة نافعة، إلا أن صناعة العلامة الشخصية الخاصة ‏بكل إنسان يحدث إثراء وتنوعاً، وهذا أولى من التقليد. ‏

- لقد كشفت غزوة أحد كيف كانت شجاعة وأيمان المنافقين تقليداً مزيفاً، وليست أصيلة راسخة؛ حين رجعوا وكانوا ٣٠٠ ‏رجل وتركوا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يواجهون جيشاً قوامه ٣٠٠٠ مشرك. ‏

 

وختاماً:‏

- كلنا يبحث عن شركاء أصلاء في حياتنا الاجتماعي (زواج) والاقتصادية (مصلحة تجارية) والسياسية (تحالف)، ‏والمطلوب أن نبذل وسعنا في السؤال والبحث قبل القبول بأي شريك، ولكننا لا نضمن الأصالة في أي إنسان، بل نتوقع من ‏كل إنسان خيانات أو تجاوزات لحدود وقواعد الشراكة .. وليس هذا هو المهم بقدر ما ينبغي علينا أن نتأكد من أصالة أنفسنا ‏وصفائها وأمانتها وصدقها أولاً حتى مع أولئك الذين ظهر لنا أنهم ليسوا أصلاء بل مقلَّدون مزيفون، وهنا يصدق قول النبي ‏صلى الله عليه وسلم: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه الترمذي وهو حسن.‏