رسالة المنبر إزالة الصورة من الطباعة

رسالة المنبر "عاصمة الأمانة"

د. محمد سعيد بكر

 المحاور:
 تفكرت وتساءلت في نفسي كثيراً عن سر حفظ ورسوخ الأمانة بصورها وأنواعها (أمانة الكلمة، والمسؤولية، والعلم، والصحبة، والشراكة، ..) لدى البعض، وانهيار جدرانها وغرق سفينتها لدى آخرين؛ فوجدت قيمة واحدة إن تم تمكينها في المجتمع عُصمت الأمانة من صور التصدع والخلل، فما هي عاصمة الأمانة يا ترى؟! 
قد يعتقد البعض أن الأمانات تُحفظ بكتابة العقود وإشهاد الشهود ووضع اليمين على المصحف للقسم، واعتماد أدوات المراقبة والتوثيق، ونشر المراقبين، ولا شك أن لهذه كلها قيمتها وأهميتها في حفظ الأمانات وعصمتها من صور الخيانة، ولكننا نعلم أن هذه كلها لا تكفي، فالعقود تُحرف والشود يشهدون الزور والكاميرات يُعبث بها، والمراقبون يباعون ويشترون، فما هي عاصمة الأمانة يا ترى؟
 ندرك تماما بأنه لا معصوم لمخلوق خلقه الله من ضعف (وخُلق الإنسان ضعيفا)، فهناك نسبة من التسريب تأتي حتى على أمانة الثقات من أهل بدر (حاطب رضي الله عنه حين أوشك ان يفشي سر فتح مكة) أو من أهل بيعة العقبة (كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن تبوك)، لكنهم لا يلبثون إلا ويستدركوا على أنفسهم بتوبة، لأنهم يدركون بأنه (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه). 
 إن أعظم عاصمة تحمي وتحفظ الأمانة من الغش والعبث وتستر على أصحابها المتولين لها ولا تفضحهم في الدنيا والآخرة هي:
اليقين التام بلا أدنى شك ولا ريبة بأن هنالك يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين، ويُسأل فيه المسؤولون عن أماناتهم ومسؤولياتهم، فيسعد الأوفياء بعهودهم الصائنون لثغورهم، ويندم ويبكي وينوح المفرطون المضيعون. 
ولا يمكن تحقيق هذه العاصمة إلا بالثقة المطلقة بعالم الغيب أكثر من الثقة بعالم الشهادة، فعالَم الشهادة يأخذ بألباب صغار العقول ضعاف النفوس، وعالم الغيب يستهوي العقلاء كبار النفوس، وما عند الله خير وأبقى. 
 ‏من أعظم الأحاديث التي يشخص فيها النبي صلى الله عليه وسلم أزمة الأمانة المنتهكة في زماننا؛ ما روي عنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ ، حَدَّثَنَا:أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ ، قَالَ:
يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِن قَلْبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ ، فَنَفِطَ ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا ، وَلَيْسَ فَيهِ شَيْءٌ (ثُمَّ أخَذَ حَصًى فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ) فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ ، لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ ، حَتَّى يُقَالَ : إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا ، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ : مَا أَجْلَدَهُ ، مَا أَظْرَفَهُ ، مَا أَعْقَلَهُ ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ ، وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا ، أَوْ يَهُودِيًّا ، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعَ مِنْكُمْ ، إِلاَّ فُلاَنًا ، وَفُلاَنًا" أخرجه البُخَارِي. 
- إذا غفل الناس عن عاصمة الأمانة كذبوا صادقهم وصدقوا كاذبهم ووسدوا أمورهم لغير مستحقيها.
- إذا عُصمت الأمانة من الغش والخلف والخيانة سعد بها الناس مسلمهم وكافرهم، وإلا فإن الشك والريبة كفيلة بخراب البيوت السعيدة. 
- لقد جرب الناس النبي صلى الله عليه وسلم في المكان الذي ساد فيه الغش والخداع والكذب والخلف، فما وجدوه إلا صادقاً أميناً، ليحوز شهادة عصمة الأمانة قبل أن ينال شرف الرسالة، وكأني برب العزة أراد أن يعصم قلبه فلا يخون أمانة استودعها عنده مخلوق ليكون جديرا بحفظ أمانة الخالق. 
- إن ثقل الأمانة يستدعي تركها لمن هو ضعيف عن حملها ان كان في الأمر سعة لأن يحملها غيره كما فعلت السموات والأرض والجبال حين اعتذرت عن حمل أمانة التكليف، أو الاستعانة بالله إن لم يكن هنالك بدّ عن حملها كما حملها الإنسان الطيب، وإلا فويل لمن ضيع أمانته. 
-لقد خسر العرب والمسلمون عواصمهم حين غفلوا عن عاصمة أماناتهم، فلم يعد سداد ثغور الوظائف على أساس القوة (المهارة، والتخصص، والخبرة) والأمانة (الصدق، والعدالة، وخشية الله، والقناعة)، إنما على أساس المحسوبيات، والواسطات، والعنصريات، والمشبوه من الخلفيات والارتباطات، وها نحن نجني في بلادنا ثمار غشنا لأنفسنا في الحارات والوزارات بل حتى في مائنا وغذائنا ودوائنا وهوائنا. 

وختاما: 
‏إن إحسان التوجيه والتربية والتوعية عبر منابرها المختلفة كفيلة بصناعة جيل يثق ثقة تامة بأنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، وهذا ما يؤصل لتمكين عاصمة الأمانة وحارسة العهد وراعية الوعد، وإلا فلن تنتج منابر توعية الأجيال اليوم وهي على حالها القبيح إلا مزيدا من الخيبات والخروقات، وستظل الأمة تجني ثمار غشها لنفسها حتى يستبدل الله جيل الخداع والتغرير بجيل الإصلاح والتغيير، وما ذلك على الله ببعيد ولا عسير.