7-مشاركة-دون-صورة إزالة الصورة من الطباعة

بين أصحاب البصر والبصيرة

د. محمد سعيد بكر

في زمن ضاقت فيه النفوس، وزاغت فيه الأبصار، وعميت فيه البصيرة، صار من الواجب علينا أن نتلمس أسباب النهوض، وأن نقرأ بعيون القلوب قبل عيون الرؤوس أفاق الخلاص.

يحكي رب العزة حال أقوام لا يتعلمون مما رأوا أو سمعوا عن غيرهم من الأمم السابقة؛ لأن رؤيتهم قاصرة وبصيرتهم مطموسة؛ (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46).

 تكمن خطورة غياب البصيرة في تراكم حالة التيه التي يعيشها صاحبها حتى تهلكه في الدنيا والآخرة؛ (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) (الاسراء: 72).

 صاحب البصر لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، فيقدم العاجل على الآجل، حتى لو كان هذا العاجل محدودا زائلا خفيفا لا قيمة له، ومن هنا شاعت في مجتمعنا أمثالٌ تعبر عن قصر نظرنا ومنها: عصفور في اليد أفضل من عشرة على الشجرة. 


ثمة فروقات هائلة بين صاحب البصر والبصيرة، فكم من ضرير العيون يرى بنور الله؛ حين صار الله سبحانه بصره الذي يبصر به، وكم من مبصر أعماه هواه وأضله الله على علم، ومن هذه الفروقات بينهما:
١. صاحب البصر يقرأ السطور ولا يكاد يفهمها، وصاحب البصيرة يقرأ ما بين السطور ويحللها. 
٢. صاحب البصر ظاهري الرؤية، وصاحب البصيرة مقاصدي يتتبع الغايات والأهداف والرؤى. 
٣. صاحب البصر يرى التحديات والمحن، وصاحب البصيرة يرى ما وراءها من فرص ومنح؛ فبداية الدعوة في مكة كانت تحديا ومحنة بصدود أهلها، لكنها تحولت إلى فرصة ومنحة بالثبات الأسطوري الذي سجله المهتدون الأوائل من أبنائها .. والهجرة إلى المدينة كانت تحديا ومحنة، لكنها صارت فرصة ومنحة وقد أصبحت دار إسلام ودولة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام. 
٤. صاحب البصر يرى ما يتاح له من متاع الدنيا الزائلة، فيعيش لها ويموت في سبيلها، وصاحب البصيرة يرى الآخرة ونعيمها المقيم فيُستشهد شوقا إليها. 
٥. صاحب البصر كثير الخصومة مع أهله وزملائه، وصاحب البصيرة يتغافل ويختصر؛ لأنه يرى خيرهم ولا ينسى فضلهم، كما أنه لا يريد توسيع دائرة الخصومات بغية توفير طاقته لتلك الجبهات مع أعداء الحق والخير.
٦. صاحب البصر ينظر إلى الحال فتزعجه الأمور الشكلية، وصاحب البصيرة ينظر إلى المآل ويتابع المسائل الجوهرية. 
٧. صاحب البصر يحرص على الحفظ المجرد للمعارف والعلوم والنصوص، وصاحب البصيرة يحرص على الفهم والاستيعاب والتدبر. 
٨. صاحب البصر يرجو هلاك خصومه ليبتعدوا عن طريقه، وصاحب البصيرة يرجو هداية خصومه ليكونوا معه عونا في ذات الطريق. 
٩. صاحب البصر متعلق بعالم الشهادة، وصاحب البصيرة شغوف بعالم الغيب. 
١٠. صاحب البصر يرى الأعراض، وصاحب البصيرة يتابع الأمراض. 
١١. صاحب البصر تشغل باله البدع الصغرى، وصاحب البصيرة تؤرقه البدع الكبرى؛ وأعظمها بدعة الحكم بغير ما أنزل الله وتحييد شريعة الله. 
١٢. صاحب البصر يرى أن درأ كل مفسدة أولى من جلب كل مصلحة؛ فيقعد ولا يدافع ولا يغامر ولا تصدر عنه الأفعال، وصاحب البصيرة يرى أن جلب المصالح الكبرى أولى من درأ المفاسد الصغرى، فيقوم ويتحرك ويدافع ولا يرضى بالخمول. 


 لما فقدنا البصيرة في عالم التربية صرنا نحرص على سلامة أبدان أبنائنا أكثر من حرصنا على سلامة عقولهم وقلوبهم، ولما فقدنا البصيرة في عالم الدعوة صرنا نحرص على تحفيظ القرآن أكثر من حرصنا على تحسين فهمه وربطه بواقعنا الأليم، ولما فقدنا البصيرة في عالم الاقتصاد صرنا نحرص على الاستهلاك أكثر من حرصنا على الإنتاج، ولما فقدنا البصيرة في عالم السياسة صرنا نقدم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وأصبحت المواقع الوظيفية كأنها مزارع لنا ولأبنائنا. 

الأمم التي تريد تربية أجيالها على البصيرة تبدأ معهم بدروس تحكي مبادئ التخطيط الاستراتيجي، ثم مواد تفصل في أوزان الأشياء وأحجامها للتنبيه (مثلا) على أن حجم كرة القدم التي في اليد أكبر من حجم القمر الذي في السماء؛ هذا بالنسبة لأصحاب البصر .. أما أصحاب البصيرة فلا تنطلي عليهم حيلة المسافات التي تجعل من القريب كبيرا ومن البعيد صغيرا. 

 لقد كان صلح الحديبية تدريبا عمليا للصحابة الكرام على تمكين آفاق البصيرة على حساب تحجيم البصر، فهم يبصرون بعيونهم في المدى القريب شروطا مذلة مُهينة، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يفصح لهم عما يراه من خلال بصيرته في المدى البعيد من (نصر من الله وفتح قريب) .. ولم يستشعروا آفاق مقدمة سورة الفتح إلا بعد تحقق الفتح عيانا. 

 ‏إننا نبصر بأعيننا في كل يوم جراحات وبلاءات وتحديات لأقصانا وأسرانا وإخواننا في كل مكان .. والله تعالى يمدنا ببصيرة بل ببصائر (هذا بصائر للناس) تحكي لنا: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (النور: 11)، وتبشرنا؛ (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات: 173). 

وختاما
عشتُ حالة من التعجب، ثم تحولتُ إلى حالة من الإعجاب في فئة من الناس كانت صاحبة بصر مادي قريب، ثم تحولت إلى صاحبة بصيرة شاهقة الآفاق .. إنهم سحرة فرعون؛ وقد سهروا عنده ليلة يوم الزينة، وكانت أبصارهم ترنوا إلى ما لديه من مكافأة حين قالوا: (.. إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (الأعراف: 114) .. فلما جاء يوم الزينة وحُشر الناس ضحى ورأى السحرة ببصيرتهم لا بمجرد أبصارهم قدرة الله في عصا موسى، تحولوا من حال إلى حال، ودفعوا ثمناً عاجلا مقابل خير عظيم آجل؛ (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 72). 

 فالله اسأل أن يبارك لنا في أبصارنا وأن يفتح لنا بصيرتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.