حركة الفتح الإسلامي .. أسباب نجاحها إزالة الصورة من الطباعة

حركة الفتح الإسلامي .. أسباب نجاحها

أحمد عادل كمال

في عهد الخليفتين أبى بكر وعمر خرجت جيوش المسلمين من شبه جزيرة العرب إلى ما حولها، شرقًا إلى العراق وفارس وما بعدهما، وشمالاً إلى الشام، ثم غربًا إلى مصر والشمال الإفريقي. كانوا رجالاً يحملون السيف ليفتحوا الأرض، ويحملون الكتاب الكريم ليفتحوا القلوب والعقول. هذه الحركة عُرفت في التاريخ باسم الفتوح الإسلامية. ولقد اكتسبت نجاحًا مذهلاً حتى إنه في سنوات قلائل تُعدُّ على أصابع اليدين تمت أعظم منجزات تلك الحركة. ذلك النجاح لم تتوج بمثله حركة قط ظهرت على سطح كوكبنا منذ كان إلى يومنا هذا..

وكان من آثاره الباقية قيام العالم الإسلامي فوق خير رقعة على وجه الأرض، وظهور العالم العربي في بقعة كبيرة من هذه الرقعة منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان وإلى الآن وحتى ينصب الميزان. حركة هذا شأنها حريٌّ بها أن تُدرَّس عوامل نجاحها وأسباب فوزها؛ فإن في هذه العوامل سر تفردها الذي لم يتكرر.

ونحن إذا ذهبنا نبحث وراء تلك الأسباب وجدناها تكمن تفصيلاً في كل معركة خاضتها جيوش الصحابة والتابعين، وفي كل خطوة خطتها. ولقد شرد بعض الكُتَّاب في تعليل تلك الظاهرة الوحيدة، وذهبوا مذاهب خاطئة، فزعم بعضهم عوامل بعيدة عن الصواب، وبالغ بعضهم في تقدير عوامل أقل شأنًا أن تكون هي الحاسمة..

يقول بعضهم: إن عرب الشام وعرب العراق -ولم يكونوا قد أسلموا بعد- كانوا يشعرون بانتمائهم إلى العرب، فأعانوا عرب شبه الجزيرة للمسلمين بما مكَّن لهم في الأرض. وما أبعد قولاً عن الصواب من هذا! فإن المتفحص لمعارك الفتوح ليذهله أن يتبين أن عرب العراق كانوا يقاتلون المسلمين إلى جانب الفرس أحيانًا ومنفردين أحيانًا أخرى، وكذلك كان عرب الشام من الغساسنة وغيرهم يساندون الروم. وإن مصادر الفتوح الإسلامية لتزخر بأخبار ذلك بما لا يسمح بهذا القول إلا جهلاً أو مغالطة، ومن شاء فليقرأ معارك الولجة وأليس والحيرة والأنبار وعين التمر والمصيخ والثني والزميل والرضاب والفراض، وليقرأ أخبار جبلة بن الأيهم. ولا يساند هذا القول أن عرب العراق وعرب الشام قد دخلوا في الإسلام بعد أن ظفر المسلمون وانتصروا واستتبت لهم الأمور، فذلك حدثٌ لاحق لا يعتبر سببًا لحدث سابق.

ويقول كثير من المستشرقين: إن العامل الأساسي في تيسير الفتوح إنما كان في ضعف القوات التي وقفت في طريقهم، وبذلك أيضًا سار في ركابهم المقلدون من الكُتَّاب العرب الذين ينقلون ما يكتبون عن كل وجه. نعم لقد كانت الأحوال الداخلية في فارس سيئة، وكانت ملوكهم هدفًا للانقلابات، غير أنه باستقراء معارك فتح العراق لا نجد لتلك العوامل الداخلية دخلاً في هزائم الدولة، حتى إنه بولاية "يزدجرد الثالث" خمدت الخلافات الداخلية، وتبارى الجميع في طاعته، وثار رعاياه من أهل السواد بالمسلمين... حينذاك جاءت أقسى هزيمة تجرعتها الإمبراطورية الساسانية في القادسية، ودحر "سعد بن أبى وقاص" بثلاثين ألف مقاتل "رستم بن فرخزاز" في مائتين وأربعين ألفًا من المجوس، ثم سقطت المدائن واستولى المسلمون على إيوان كسرى وتاجه وثيابه.. وجاءت بعد ذلك هزيمة "جلولاء" وهزيمة "نهاوند"... إلخ.

وفي الشام كانت حروب الروم مع سائر أعدائهم قد هدأت، والتفوا حول هرقل حامي الإمبراطورية ومنقذ المسيحية، ثم كانت هزائمهم في أجنادين وفحل دمشق وحمص، حتى جاءت قاصمة الظهر في "اليرموك". لقد كان حشد الجيوش الضخمة وتجهيزها وسوقها إلى الميدان يتم على وجه لا يمكن معه التعلل بالأسباب الداخلية.

وما دمنا قد تعرضنا للأحوال الداخلية في فارس والروم كسبب من أسباب الهزيمة، فإن هناك جانبًا لا يمكن إغفاله؛ لأنه يخرب أي كيان يحل عليه، ذلك هو الظلم. كان المجتمع الفارسي يقوم على الطبقات، طبقات مميزة تتمتع بكل شيء، وطبقات مستضعفة كانوا عبيد مَن غلب! كان جيش فارس يتكون من قيادة عليا من أعلى الطبقات، وفرسان من الأسر الممتازة من ملاك الأراضي المترفين الذين هم من أحرص الناس على الحياة، ومشاة من الفقراء البائسين الذين لا حق لهم في شيء؛ فمن الطبيعي أن يشعروا أن لا صالح لهم في الموت فداء للأسياد المنتفعين. ذلك كان تكوين الجيش، وتلك كانت خاماته!

عقوبات الخروج على الدين المجوسي أو معارضة الملك كانت تصل إلى تقطيع الأوصال وصلاً وصلاً، أو سلخ جلد الوجه، أو سمل العيون بإبر محماة بالنار. تلك العقوبات كانت رادعة مخيفة أخضعت رقاب الناس لسلطان الأكاسرة، ولكنها أيضًا قد قتلت إيجابية الناس وأزهقت روح الشعب، فما عادت فيه حياة... لقد تحول إلى شعب من الأشباح التي تروح وتجيء، والدُّمى التي يحركها مَن يحركها. هذا الأسلوب في الحكم يتكرر على مر الأزمان وفي أكثر من مكان، فيصل في كل مرة إلى ذات النتائج، دون أن يتعظ به طاغية؛ ذلك أن الطغاة جهال لا يدرسون ولا يقرءون التاريخ أو يتوقفون عند العبر.

إن أسوأ الحكام هم أشدهم نكاية بشعوبهم، وشتان في مجال الدفاع عن الأوطان بين وطن يسود فيه العدل وآخر يسود فيه الاستبداد! ما أبعد الفرق بين ديار يحكمها السجن والكرباج، وديار يقال لسلطانها: "عدلت فأمنت فنمت"! لقد داس أكاسرة فارس وقياصرة الروم العدالة بالأقدام، وأهدروا حرمات الناس: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]. فحق عليهم قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]. {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11]. {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59].

ويقرر ابن خلدون في مقدمته: إن الظلم مؤذن بخراب العمران. تلك كانت فارس والروم، فماذا كان المسلمون؟ كانوا عند قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

كانت نتيجة تلك المعارك هزيمة النظام الداخلي في فارس والشام في مواجهة شرع الله الذي جاء محررًا للبشر.. قائد غير مسلم هو "مونتجمري" كتب في كتابه (الحرب عبر التاريخ) يقول: "لقد وصلت الفتوحات الإسلامية مدى لم تصله في أي عهد سابق؛ لأنهم كانوا يستقبلون في كل مكان يصلون إليه كمحررين للشعوب من العبودية".

هذا في حين يرى بعض المؤمنين أن انتصار المسلمين في تلك الفتوح يرجع إلى أن جيوشهم قد اشتملت على كثير من الصحابة، اكتسبت بهم "بركة" استحقت أن يصنع الله لها معجزة، وأن الفتوح كانت حربًا في سبيل الله، فلا غرابة في أن يمنح الله تلك المعجزة.

وفي القرآن الكريم الذي نحن به مؤمنون ما يفيد تأييد الله لعباده المؤمنين، مثل قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38]. وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55].

وهنا أحذر أن يفهم أحد من ذلك أن النصر حق للمسلمين على الله! فيوم أحد كانت الغلبة للمشركين وهم يحملون وثنهم ويصرخون: "اعلُ هُبَل". ويوم يؤمل المسلمون في نصرٍ لم يُعِدُّوا له أسبابه، نسوق لهم قوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3]. إن الله -سبحانه وتعالى- لا يجامل أحدًا من خلقه.

إن الربط بين المقدمات والنتائج من سمات هذا الدين. ومن المأثور عن عمر: "لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله، ولا تقعدوا عن طلب الرزق تقولوا: يا رب، وتعلمون أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة". كما نعى القرآن الكريم على بني إسرائيل قولهم لنبيهم موسى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]. لقد أنزل الله على نبيه قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].

وكان من تطبيقاتهم حفر الخندق حول المدينة دفاعًا عن مدينتهم أمام جحافل لا طاقة لجيشهم بها، ولجوئهم إلى العمل السياسي للتفريق بين المشركين واليهود في غزوة الأحزاب، وإرسالهم إلى جرش بالشام لاستيراد بعض الدبابات في حصار ثقيف بالطائف.

هذا الفهم كان يستطرد في جميع معارك الفتوح التي خاضها المسلمون الأوائل، فهم يخططون لإخراج الأفيال من المعركة في القادسية، ويتخذون من خيلهم مركبات برمائية لعبور دجلة في فتح المدائن، ويحتالون على جيش الفرس لإغرائه على الخروج من قلاعه في "نهاوند"؛ ليتمكنوا منه خارجها... إلخ.

لقد نظرنا إلى حركة الفتح شرقًا وغربًا كحرب شاملة، ونظرنا إليها معركة معركة فوجدنا أن السبب الحقيقي كان الكفاءة الحربية للمسلمين، وعمق النظر لقائدهم.

كان لكل من الفرس والروم ثقافته في الحرب وأسلوبه فيها، فخرج المسلمون إليهم وكان لهم أيضًا أسلوبهم وتفكيرهم وطريقة تخطيطهم، فكانت جديدة على الإمبراطوريتين العجوزتين. كان الروم والفرس يعتمدون على الجدران البشرية من الجيوش كثيرة العدد ثقيلة الوزن، فنتج عن ذلك بطء الحركة وانعدام المرونة وانخفاض مستوى التدريب وزيادة الأعباء الإدارية والعناية بالمظاهر وكثرة القتلى، والوقوف غالبًا موقف الدفاع دون الهجوم. هذا في حين تميز المسلمون بخفة الحركة والسرعة واعتياد الكفاف وهوان المئونة، فحازوا المرونة وأمسكوا بعنصر المفاجأة. كان جيش الفرس أو الروم يعتمد على التجنيد الإجباري، وكان جيش المسلمين عماده التطوع، لا ارتزاقًا وطمعًا ولكن جهادًا في سبيل الله وابتغاء ما عنده. كان الجندي المسلم أكثر كفاءة في الفروسية والمبارزة، أكثر احتمالاً للمكاره وصبرًا عليها، تحركه نوازعه المؤمنة وعقيدته المسلمة، والآخرون كانوا يتحركون خوفًا من كسرى أو قيصر. كان المسلمون يتميزون حتى في عيون أعدائهم بالخلق الكريم، وكان الروم وهم يرمقونهم يلحظون أنهم يعدلون فيما بينهم، ويعفون عن المحارم، ويحسنون العبادة.

ثم كان مما شهدت به معارك الفتوح تألق القائد المسلم وتفوقه على قرنه الفارسي أو الرومي. كان القادة المسلمون يعرفون متى يتقدمون ومتى ينسحبون، ومتى يستعملون الخيل ومتى يسوقون المشاة، متى يحملون على الإبل ومتى يحملون على البغال، في أي أرض ينتظرون عدوهم وبأي خطة يلقونه، كانوا يعرفون متى يحاصرون ومتى يكمنون، ومتى يستدرجون ومتى يلتحمون... إلخ.

كانت عقيدة المسلم أعظم عدته، بها يعتصم ومنها يستمد قوته، فكانت سبب ثباته واستماتته، لقد وقر في قلبه أنه إن انتصر فذاك، وإن قُتل فهي الشهادة، وهو إلى جنة عرضها السموات والأرض. الإيمان بالقضاء والقدر جعل المسلم يدرك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. لقد توالت على المسلمين بعد ذلك عصور من تخلف الفكر، كان التوكل على الله عندهم هو التواكل والكسل، والتوى عليهم الفهم فاتخذوا التوكل في المقدمات وتركوه في النتائج والآثار، وهم بذلك قد عكسوا مواضع الإيمان بالقضاء والقدر. المسلم مطالب بالأخذ بالأسباب ما استطاع، ثم أن يترك النتائج بعد ذلك لمدبِّر الكون -سبحانه وتعالى- وأن يرضى بقضائه.

فلم يكن المسلم ليتهيب النتائج المؤلمة إن وقعت، فرأينا نمطًا من البشر لا يضيره تحرج الأمور، ولا يبطره الفوز والظفر، ورأى التاريخ بطولة وشجاعة وفداء واستبسالاً لم ير لها نظيرًا، ولم تر الأمة هوانها إلا يوم جانبت هذه الصفات.

كان لدى المسلمين العقيدة الحافزة في الحرب والسلام على السواء، وتوفرت لهم القضية العادلة التي جاهدوا في سبيلها، وهي نشر الدعوة إلى الله في مواجهه الطواغيت التي كانت تصد عن سبيل الله. لقد صنع الإسلام من العربي النموذج المثالي للجندي المحارب عقيدة وصلابة وتدريبًا ومهارة وخلقًا وعفة، وظهر أعلى مستوى من القادة الأكفاء على مر العصور دون أدنى مبالغة، وإنجازاتهم خير شاهد على ذلك، وتم توحيد شبه الجزيرة في وحدة سياسية وحربية، فبات ميسورًا حشد الحشود وتجييش الجيوش بعد أن كان ذلك مستحيلاً قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

الحق نقول: لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أوَّلها: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. صدق الله العظيم.

 

نقلاً عن موقع مجلة الوعي الإسلامي.