حكم الاحتفال بالمولد النبوي إزالة الصورة من الطباعة

حكم الاحتفال بالمولد النبوي

عبد الرحمن حمد

مع إقبالِ شهر ربيعٍ الأول من كلِّ عامٍ، تطفو على السطح قضية حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي، ويكثر فيها الجدال والخصام بين مجيزٍ ومانع، وأعتقد أن مثل هذه الخلافات لن تنتهي، لاختلاف قواعد النظر والتأصيل عند المختلفين في قضية تحقيق مفهوم البدعة وضابطها، ولذلك فالمطلوب منا هو التفاهم والإنصاف والاحترام، لا التطابق والإلزام وحمل الغير على الرأي بالفظاظة والخصام.
وصراحةً فقد كنت ممن يتبنى فكرة أن إحياء ذكرى المولد بأي شيء كان، بدعةٌ منكرةٌ، وكنت حافظا أو مكررا لأقوال سمعتها من غيري من غير أن أكلف نفسي بأي بحثٍ أو اطلاع، وبعد ذلك منّ الله بالبحث والتوسع في الموضوع وقراءة أقوال العلماء في المسألة، والاطلاع على أقوال بعض المجيزين للأمر، والنظر في حجتهم ودليلهم، وأول سؤال تبادر لذهني، لماذا حُجبت عنا هذه الأقوال طوال السنين الماضية؟!، وهل كان إخفاؤها مُتعمدا، أم هو تقصير ممن يتكلمون في هذا الأمر فيكررون ما سمعوه -أو ما أُريد لهم أن يسمعوه- منذ سنوات؟! 
على كل حال مهما كانت الإجابة فلن تختلف النتيجة، لنبقَ مع مسألتنا الأصلية.
 
أعتقد جازما أن الحكم على هذه المسألة هو فرعٌ عن مسألة أخرى، وهي ضبط مفهوم البدعة ومعرفة ضابطها كي تُسمى بدعة أو يُحكم عليها بالبدعية، وهذا هو أصل هذه المسألة وأشباهها، ولضبط هذه النقطة عند طالب العلم أنصح بقراءة كتاب (مفهوم البدعة) لعبد الإله العرفج، وكتاب (البدعة والمبتدع) لحاتم العوني.

وقد لاحظتُ أننا نبالغ كثيرا بالحكم المتسرع على الكثير من الأمور بالبدعية، وربما نتشدد في ذلك أكثر من الصحابة والتابعين أنفسهم، الذين لو شهدوا كثيرا من أحكامنا لما أقرونا عليها، والله أعلم. 

نرجع لمسألتنا.
وهي حكم إحياء ذكرى المولد النبوي على صاحبه أزكى وأتم الصلوات والتسليم، فالجواب والحكم على هذه المسألة يكون على حسب ما يُفعل فيها من الأمور، فمباحه مباحٌ مقبول، وخيره خيرٌ مذخور، كالوعظ والمديح وتذكير الناس بحب وفضل وسيرة سيد المرسلين، وأما المخالفات الواقعة في هذا اليوم من اختلاط وغناء وغيره كما يحصل في بعض الدول فهي شرٌّ مرفوض.

وسأنقل في عجالة أقوال بعض أهل العلم المجيزين لإحياء هذه الذكرى بالخير والمقبول من الطاعات، وأعلم أن هناك أقوالا أخرى بالمنع، ولكن الأمر يحتاج إلى تفصيلٍ وضبطٍ وإنصاف، فالمجيز يقصد إجازة المباح والمقبول، ويضرب الأمثلة بأشياء معينة ويصفها ويوضحها، والمنع يقع على مخالفات معينة تحصل في الاحتفال بهذا اليوم.

وإليك بعض أقوال أهل العلم في ذلك: 

1ـ الإمام الحافظ السيوطي-رحمه الله-: عقد الإمام الحافظ السيوطي في كتابه (الحاوي للفتاوى) باباً أسماه (حسن المقصد في عمل المولد) ص189، قال في أوله: "وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول، ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أم مذموم؟ وهل يثاب فاعله أم لا؟ 
والجواب عندي: إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في بداية أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما وقع في مولده من الآيات، ثم يُمد لهم سماط يأكلونه، وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيها من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار الفرح بمولده الشريف".

2ـ شيخ الإسلام وإمام الشراح الحافظ ابن حجر العسقلاني-رحمه الله-: قال الحافظ السيوطي في نفس المرجع السابق ما نصه: وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه:  "أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملـت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله. فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة... إلى أن قال: وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه: فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة. انتهى كلامه رحمه الله.

3- ألف مجموعة من أهل العلم الأوائل كتبا في المولد النبوي وأجازوا الاختفال به ضمن ضوابط معينة وسأنقل بعض عباراتهم خلال هذه المقالة، ومن هؤلاء الإمام الحافظ العراقي-رحمه الله- : وقد سمى كتابه في المولد النبوي (المورد الهني في المولد السنـي)،  والشيخ ملا علي القاري-رحمه الله- : فقد ألف كتابا في المولد النبوي العطر أسماه: (المورد الروي في المولد النبوي)، والإمام العالم ابن دحية-رحمه الله- : وسمى كتابه (التنوير في مولد البشير النذير) صلى الله عليه وآله وسلم، والإمام الحافظ شمس الدين بن الجزري-رحمه الله- : إمام القراء، وصاحب التصانيف التي منها (النشر في القراءات العشر) وسمى كتابه: (عرف التعريف بالمولد الشريف).

4ـ الإمام أبو شامة-رحمه الله- (شيخ الحافظ النووي-رحمه الله- : قال في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) ص23 ما نصه : "ومن أحسن ما ابتُدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار السرور، فإن ذلك مُشعرٌ بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكرا لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين" .اهـ

5ـ  قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: (فتعظيمُ المولد، واتخاذُه موسمًا، قد يفعله بعضُ الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم).
اقتضاء الصراط المستقيم (٢/١٢٦).

ومما يُستأنس به من أقوال فقهاء المذاهب في جواز إحياء ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم ما يلي:

1- الحنفية :
قال ابن عابدين -رحمه الله- في شرحه على كتاب المولد لابن حجر: (اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم).
وقال أيضآ: (فالاجتماع لسماع قصة صاحب المعجزات عليه أفضل الصلاة والسلام وأكمل التحيات من أعظم القربات لما يشتمل عليه من المعجزات وكثرة الصلوات).

2- المالكية :
قال ابن عباد المالكي -رحمه الله- في رسائله الكبرى : (وأما المولد فالذي يظهر لي أنه موسم من مواسم المسلمين، والحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي انقشع فيه ظلام الكفر والجحود، وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمان، ومقارنة ذلك بالنيروز، أمرٌ مستثقلٌ، تشمئز منه القلوب السليمة، وتدفعه الآراء المستقيمة (مواهب الجليل شرح مختصر خليل) .

3- الشافعية :
استنبط أمير المؤمنين في علم الحديث الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- تخريج عمل المولد على أصل ثابت في السنة، وهو ما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون  يوم عاشوراء فسألهم فقالوا : إنه يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى ونحن نصومه شكرا، فقال: نحن أولى بموسى منكم.

وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله تعالى- و الحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وعمل المولد و اجتماع الناس له كذلك، أي بدعة حسنة.

وقال الإمام أبو شامة شيخ النووي -رحمهما الله- : (ومن أحسن ما ابتدع ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار السرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مُشعرٌ بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر لله تعالى على ما من به من إيجاد رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أرسله رحمة للعالمين. ( إعانة الطالبين ).

وقال الإمام السخاوي -رحمه الله-: (ولا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم صلى الله عليه وسلم ويظهر عليهم من بركاته كلُّ فضلٍ عميم) . (إعانة الطالبين).

وقال الحافظ العراقي -رحمه الله- : "إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحبٌ في كل وقت، فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهور نور رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الشريف، ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها، فكم من بدعة مستحبة قد تكون واجبة". (المورد الهني في المولد السني).

وقال السيوطي -رحمه الله-: "هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح و الاستبشار بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم".

• فإن قال قائل : إن يوم ولادته صلى الله عليه وآله وسلم هو نفس يوم وفاته ، فالفرح فيه ليس بأولى من الحزن.
فالجواب كما قال الحافظ السيوطي في (الحاوي للفتاوى) ما نصه : "إن ولادته صلى الله عليه وآله وسلم أعظم النعم، ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم ، والصبر والسكون عند المصائب ، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة، وهي إظهار شكر وفرح بالمولود ، ولم يأمر عند الموت بذبح عقيقة، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع ، فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وآله وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته" . اهـ
ملاحظة مهمة/ ذكرتُ في سياق الكلام أن هناك أقوالا تقول بالمنع ولكن لم أذكرها بالنص، لأن المقال في مجمله موجهٌ لمن يُنكر ويُبدع من يحيي الذكرى، وجلُّ من أن أنكر الأمر علّله باتخاذه عيدا أو فعل ما لا يجوز فيه من مخالفات كالاختلاط والرقص والغناء وغيره، وكلنا متفقون على ذلك، وهناك فرقٌ كبيرٌ بين اتخاذ هذا اليوم عيداً وبين إحياء الذكرى بمجلس علمي أو وعظي  يُذكّر فيه الناس بحب وفضل وسيرة نبيهم  صلى الله عليه وسلم، ويسمع فيه النشيد الطيب والمديح المنضبط.
وأخيرا بعد نقل هذه الأقوال، وغيرها كثيرٌ منثورٌ في كتب الفقه والسير والتاريخ والرقائق وغيرها، أتمنى أن نسعى دائما لضبط الأمور ووضعها في نصابها الصحيح لا إلغائها وإنكارها، فليس هناك أسهل من الإنكار، والتشدد يحسنه كلُّ أحد، ولكن الضبط والتحقيق والإنصاف والتحلي بآداب الخلاف هو ما يحتاج إلى مجاهدة وصبر.
وأرجو أن تتسع صدور المسلمين عامة وطلبة العلم خاصة لتحمل مسائل الخلاف ومناقشتها علاوة على التعامل معها عند تطبيقها في الواقع
نوّر الله قلوبنا وبصائرنا بالعلم النافع والفهم الصحيح، ووفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وجعلنا من أتباع وأحباب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حقا وصدقا، والحمد لله رب العالمين.
 
وكتبه: عبد الرحمن حمد
عضو رابطة علماء فلسطين
وعضو هيئة علماء فلسطين في الخارج.
الثلاثاء 5/11/2019