إزالة الصورة من الطباعة

القتال والجهاد, فضائل الأزمنة والأمكنة

عادل باناعمة

من أجلها ذرفت عيون، ولتربها حنت قلوب، من أجلها شد الرجال عزائم الأبطال، أحيوا في نفوسهم الحماسة، عرفوا معنى النضال.
إنها فلسطين أرض القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى نبينا .
إنها فلسطين الأرض المباركة بنص كتاب الله، قال سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، وقال تعالى: وَنَجَّيْنَـاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء:71]. قال ابن كثير: "هي بلاد الشام"، وقال عز من قائل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً [سبأ:18]، قال ابن عباس: (القرى التي باركنا فيها هي بيت المقدس).
إنها فلسطين الأرض المقدسة بنص القرآن الكريم: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21]، قال الزجاج: "المقدسة الطاهرة، سماها مقدسة لأنها طهرت من الشرك، وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين".
إنها فلسطين أرض الأنبياء والمرسلين، فعلى أرضها عاش إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط وداود وسليمان وصالح وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وغيرهم الكثير ممن لم تذكر أسماؤهم من أنبياء بني إسرائيل.
إنها فلسطين التي تبسط عليها الملائكة أجنحتها، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  يقول: ((يا طوبى للشام، يا طوبى للشام، يا طوبى للشام))، قالوا: يا رسول الله، وبم ذلك؟! قال: ((تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام)) صححه الألباني.
إنها فلسطين أرض المحشر والمنشر، فقد روى الإمام أحمد بسنده وابن ماجه عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي قالت: يا نبي الله، أفتنا في بيت المقدس، قال: ((أرض المحشر والمنشر)).
إنها فلسطين موئل الطائفة المنصورة الثابتة على الحق، فعن أبي أمامة عن النبي  قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك))، قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ((ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)) رواه أحمد.
إنها فلسطين مصرع الدجال ومقتله، حيث يلقاه عيسى عليه السلام عند باب لُد، فيذوب كما يذوب الملح في الماء، فيقول له: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، فيضربه فيقتله. رواه مسلم.
إنها فلسطين موطن الكثير من صحابة رسول الله ، منهم عبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأسامة بن زيد بن حارثة وواثِلة بن الأَسْقع وفيروز الدَّيلمي ودِحْية الكلبي وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري وأوس بن الصامت ومسعود بن أوس وزِنْباع بن روح الجُذامي، وغيرهم من الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

إنها فلسطين موطن الآلاف من أعلام الأمة وعلمائها الذين أضاؤوا في سمائها بدورًا ولمعوا فيها نجومًا، ومن هؤلاء مالك بن دينار والأوزاعي ورَوح بن زِنْباع وسفيان الثوري وابن شهاب الزُّهري والشافعي وابن قدامة المقدسي.

نعم، هذه هي فلسطين بعبقها وتاريخها، بخيراتها وبركاتها وفضائلها، بشموخها وكبريائها، هذه هي فلسطين بجمالها الساحر وحسنها الفتان.

أقول والقلب يشدو فِي خَمـائلها       هذا الجمال إلى الفردوس ينتسب

يـا للجبـال إذا ما زينت وعلى        سفوحهـا غرد الزيتون والعنب

يـا للرُّبى والمروج الخضر مصبحة       والورد من كل لون منظر عجب

هنا السموات بالأرض التقيْن وقد        عم السرور جميع الكون والطرب

هذي فلسطين يا من ليس يعرفهـا      كأن أحجارها القدسيـة الشهبُ

نعم، هذه فلسطين يا عباد الله، ما أحببناها لترابها ولا لجبالها، ولكن لبركاتها وخيراتها، ولما لها ولمسجدها الأقصى من مكانة في ديننا.

هذه فلسطين التي من أجلها نَهَد الأبطال وانطلق الرجال. من أجل فلسطين ـ أيها الإخوة ـ شد الأبطال عزائمهم وأسرجوا خيولهم وطاروا يسابقون الريح. من أجل فلسطين أراق الشهداء دماءهم وبذلوا أرواحهم رخيصة. من أجل فلسطين تتابعت التضحيات وعظم البذل.

وكم سجل التاريخ من مواقف عظيمة لأبطال عظماء هبوا دفاعًا عن فلسطين، وما بخلوا بغالٍ ولا نفيس.

لقد سار إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على بعير، يَعْتقب عليه هو وغلام له، حتى إذا اعترضته مخاضة نزل عن بعيره فنزع مُوقَيه وخاض في الماء، ثم لما وصل إلى بيت المقدس صلى في محراب داود عليه السلام، وترنم بسورة الإسراء.

من أجل فلسطين امتنع الملك البطل نور الدين زنكي عن التبسم، وقال: أستحي من الله أن أتبسم وبيت المقدس في الأسر. ومن أجلها وقف هذا الملك الفذّ على تل حارم، وسجد لله ومرّغ وجهه في التراب، ودعا ربه: اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودًا، ثم لقي الصليبيين الذين استولوا على بيت المقدس، لقيهم بثلاثين ألفًا وهم أزيد من مائة وخمسين ألفًا، فكسرهم وقتل منهم عشرة آلاف، وأسر عشرة آلاف أو أكثر.

ومن أجل فلسطين شمخ صلاح الدين برأسه، وشحذ سيفه، وأعدّ عدته، ليخرج الصليبيين من أرض الأقصى، كان في بيت المقدس نحو من ستين ألف مقاتل صليبي، كلّهم يرى الموت أهون عليه من تسليمها. لقد جهز صلاح الدين جيشه الذي لا يزيد عن اثني عشر ألف مقاتل، وجابه به جيوش الفرنجة التي تجاوز عددها ثلاثة وستين ألف مقاتل، والتقى الفريقان على أرض حطين، وحاصر المسلمون الصليبيين، وأحرقوا الحشائش الجافة من حولهم ومن تحتهم، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح، ثم أمر صلاح الدين بالحملة الصادقة، فمنح الله المسلمين أكتاف الفرنج، فقتلوا منهم ثلاثين ألفًا، وأسروا ثلاثين ألفًا، وبيع الأسير الصليبي يومئذ بدرهم، بل باع مسلم أسيرًا صليبيًا بنعلين، فقيل له: ما أردت بذلك؟! قال: أردت أن يكتب التاريخ هوانهم، وأن أحدهم بيع بنعلين.

ومن أجل فلسطين جرد العملاق مظفر قطز سلاحه، ووقف على عين جالوت، ليصد عن فلسطين ومصر طوفان التتار الهادر، لقد بعث له هولاكو وهو في الأشهر الأولى من مُلكه رسالة يقول له فيها: اتَّعظوا بغيركم، فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرقّ لمن شكا، أيّ أرض تؤويكم؟! وأي طريق تنجيكم؟! وأي بلاد تحميكم؟! فما لكم من سيوفنا من خلاص ومن مهابتنا مناص، الحصون عندنا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمع، قرأ قطز هذه الرسالة العاصفة، ثم ألقى ببصره ناحية القدس، وكأني به ناجاها فقال لها:

يا داميـة العينين والكفين إنّ الليل زائلْ

لا غُرَف التوقيف باقية ولا زُرد السلاسلْ

وحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل

ثم أمر بالقبض على الرسل وإعدامهم، وعلقت رؤوسهم على باب زُوَيْلة. وفي رمضان من عام 658هـ اصطدم الجبلان في عين جالوت شمالي شرق فلسطين، وصاح قطز صيحته الشهيرة: وا إسلاماه، فانتفض الجند المسلم، ومنح الله للمسلمين أكتاف الكافرين، وترجّل قطز عن فرسه، ومرَّغ وجهه في التراب شكرًا لله.

ومن أجل فلسطين ضحى عبد الحميد بعرشه ومُلكه، وصكّ سمع هرتزل بكلماته المدويّة: لا أقدر أن أبيع ولو قدمًا واحدًا من فلسطين؛ لأنها ليست لي بل لشعبي، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بدمائهم وسوف نغطّيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها. لقد حاربت كتيبتنا في سوريا وفي فلسطين، وقتل رجالنا الواحد بعد الآخر؛ لأن أحدًا منهم لم يرض بالتسليم، ليحتفظ اليهود ببلايينهم، فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل، إنها لن تقسم إلا على جثثنا، لماذا نترك القدس؟! إنها أرضنا في كل وقت وفي كل زمان، لا بد أن تظل القدس لنا.

ومن أجل فلسطين وقف الشيخ يوسف الجرار شيخ الجبل رحمه الله أمام حملات الفرنسيين، وتمكن وحده مع جنده القلة من تدويخ نابليون القائد الشهير الأسطوري الذي دوّخ العالم، واستطاع هذا الشيخ بمن معه أن يصدّ جيوشه عن عكا، ومن ثم عن فلسطين، وأن يبخِّر أحلامه بتأسيس إمبراطورية تمتد من مصر والشارم وصحارى الجزيرة إلى العراق وإيران والهند، وقد بلغ الغيظ بنابليون من هزيمته أمام الشيخ الجرار أن وقف بجوار سور عكّا، وقذف بخوذته إلى الأعلى، وقال: إن لم أدخل أنا فلتدخل خوذتي، وأخذ يقول لأحد ضباطه متأوِّهًا: لو فتحت عكّا لبدّلت وجه العالم، ثم أمر بقذف عكا بجميع ما يملك من مدافع مدى أربعة أيام، وقطع الماء عنها ودمر الكثير من عمارتها.

ومن أجل فلسطين قام الشيخ المجاهد عز الدين القسام ليكون شوكة في حلوق أبناء القردة والخنازير، قام بإمكاناته المتواضعة وعدده اليسيرة، ليجابه مدافع اليهود ورشاشاتهم وقنابلهم، لقد باع بيته الوحيد في حيفا، وباع أصحابه حُليّ زوجاتهم وبعض أثاث بيوتهم، ليوفروا الرصاص والبنادق، وتمكن القسام من أن يقض مضاجع اليهود سبع سنوات كاملات، إلى أن بذل روحه رضية في أحراش قرية "يعبد" بعد معركة استمرت أربع ساعات ونصف.

نعم يا فلسطين، من أجلك نهض هؤلاء.

فدى لعينيك ربيّون مـا وهنوا تجدّدين بِهم أيامك الأولا

خضر الطيور هم العليا منازلهم  كل يغرد فِي قنديله جذلا

ومن أجل فلسطين ينتفض اليوم أبناء الحجارة، يحملون حصى أرضهم وترابها ليرموا بها وجوه الدخلاء الغاصبين، لقد نطقت حجارتهم حين أخرست المدافع، ووقعوا بدمائهم شهادة ميلاد جيل جديد، لا يؤمن بالخوف ولا يعترف بالعجز ولا يرضى بالهوان. وأقول:

يا جيل المصاحف، يا خمير الأرض، يا طلق الولادة.

ها أنت كالينبوع تدفق في صحارينا، وتمنحنا الوثيقة والشهادة.

أنت الذي سيبدّل الأوزان والأحزان.

يزرع في العيون نخيلَها.

فلكم تباطأ في الرحيل عن القرى عام الرَّمادَة.

أنت الذي يقتات جمر المرحلَة.

ها إن أحبار اليهود تجمعوا، ها إنهم حشدوا لنا.

فاقرأ على تلك الرؤوس الزلزلة.

اقرأ علينا ما تيسر باسم ربك يا بلال.

اقرأ علينا (المؤمنون) وشدّ قوسك، إنّ قوسك لا تطيش بها النبال.

كم ذا سألت فلم يجيبوا، كم ذا سألت فلم يجيبوا.

أنت وحدك من يجيب عن السؤال.


الخطبة الثانية 
 

وبعد: فمن أجل فلسطين تسيل اليوم هذه الدماء وتتناثر هذه الأشلاء. من أجل فلسطين يحمل الشاب المؤمن روحه على يديه، ويتجلبب بالموت، ويتحول إلى غضب أحمر، إلى لهب حارق، إلى قنبلة بشرية تعصف بأركان اليهود. من أجل فلسطين يصبر أولئك الصامدون تحت لهيب النيران وقصف المدافع وأزيز الطائرات. من أجل فلسطين باع إخواننا هناك أرواحهم لله، إِنَّ ?للَّهَ ?شْتَرَى? مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْو?لَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ?لّجَنَّةَ يُقَـ?تِلُونَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ?لتَّوْرَاةِ وَ?لإِنجِيلِ وَ?لْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ ?للَّهِ [التوبة:111].

ومن أجل فلسطين لا بد أن نعمل نحن كذلك شيئًا، مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نفعل شيئًا، مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقدم لفلسطين شيئا، مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نحدّث أنفسنا بالجهاد ونسأل الشهادة ونعد العدة، ((من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)) رواه النسائي وابن ماجه وأبو داود، ((من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق)) رواه مسلم.

مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن ندعو، أن نستخدم هذا السلاح الهائل الذي طالما قلب الموازين وغير مجرى التاريخ، ((هل تنصرون إلا بضعفائكم))، بدعوتهم وإخلاصهم.

مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نحمل هم القضية، أن نتحدث بها في كل مجلس وبكل لسان، أن نجعلها شغلنا الشاغل في صباحنا ومسائنا، أن نعيش في كل خطوة من خطواتنا، أن نُعرِّف بها لنجلو الغشاوة ونحرك القلوب وندفع للعمل.

مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقاطع بضاعة اليهود وأعوان اليهود، نستطيع أن نترفع عن بعض شهواتنا ورغباتنا لئلا تتحول أموالنا إلى رصاصات في صدور إخواننا، نستطيع أن ندوس بأقدامنا على بعض ما نحب ونألف لئلا نخذل المجاهدين على أرض الرباط، نستطيع أن نحرم أنفسنا رغباتها، فنهز بذلك اقتصاد أولئك الذين بأموالهم وأسلحتهم يُقتل إخواننا، نستطيع أن نكون سببًا في إغلاق محلات واضطراب أخرى، وكم رأينا وسمعنا.

مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقتطع من أموالنا وقوتنا للتبرع لإخواننا. مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نربي جيلاً جديدًا على الإيمان واليقين والجهاد وبغض القتلة المارقين، ليكون هذا الجيل بإذن الله طلائع جيل النصر المنشود، وتعقد على يديه ألوية الظفر لأمة الإسلام. مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نفعل الكثير من أجل فلسطين.

المهم أيها الأخ الكريم، أن لا تنطوي صفحة هذه الأحداث وقد عشتها واصطليت بلهبها دون أن يكون لك فيها أثر، المهم أن لا يقضى الأمر وينفض السامر ولم يكتب في كتابك أنك عملت لفلسطين شيئًا، المهم أن لا تكون عالة على أمتك، المهم أن لا تخذل إخوانك هناك، أن لا تنسى النصوص القرآنية الصريحة: وَ?لْمُؤْمِنُونَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:71]، إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?للَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:103].

 
 نقلاً عن موقع المنبر