20200512 الصلاة في البيوت إزالة الصورة من الطباعة

نفائس الياقوت في أحكام الصلاة في البيوت

د. محمد الشوبكي

تقديم: العالم الأستاذ الدكتور وصفي عاشور أبو زيد حفظه الله ورعاه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،،

فإنَّ النوازل ما زالت تنزل بالبشر في كل زمان ومكان، ولن تزال كذلك ما دامت الحياة، وهناك من النوازل ما هو محدود بمكان أو حال، وهناك منها ما هو عام يشمل البشرية كلها، وينتج عنه مستجدات تتطلب حكم الشرع فيها.

ومن النوع الأخير نازلة فيروس كورونا المستجد الذي انتشر في الكرة الأرضية كلها، وأصاب الملايين وقتل مئات الآلاف، وقد ظهرت مع نازلة كورونا أسئلة كثيرة فيما يتعلق بأمور المسلمين في العقيدة والعبادات والمعاملات.

وقد انبرى الفقهاء: أفراداً ومجامعَ، للإجابة عن هذه الأسئلة على نحو مشكور ومواكب للحدث، وقد مكَّنهم من هذه المواكبة سهولة التواصل وسرعته عبر الوسائل الحديثة، ومن المعتاد أن يقع الخلاف بين الفقهاء في هذا، ولا نضيق ذرعًا بالخلاف المعتبر، ويسعنا في التعامل معه ما وسع السابقين مع بيان السبب ورعاية الأدب.

وفي هذه الرسالة: "نفائس الياقوت في أحكام الصلاة في البيوت" لفضيلة الشيخ الدكتور محمد رفيق مؤمن الشوبكي، العالم والداعية، جوابٌ عن خمسة وعشرين سؤالا، جاءت الأسئلة مما يشغل أذهان عامة المسلمين بشأن هذه النازلة وبخاصة في أحكام العبادات، وعلى وجه أخص في أحكام الصلاة في البيوت في ظل هذه النازلة، وجاءت الإجابات شافية ووافية مدعومة بالأدلة من القرآن والسنة والإجماع والقياس، مع رعاية المصلحة واعتبار المآلات، كما تميزت باللغة السهلة القريبة من جمهور المسلمين.

إنَّني أدعو كل مسلم ومسلمة أن يطالع هذه الرسالة النافعة المفيدة؛ فلا غنى لأي فرد ولا لأي أسرة عما جاء فيها من أسئلة ملحة وإجابات وافية، وما تميزت به الإجابات من ميزات تُزَكِّيها وتقَدِّرها وتجعلها محل الثقة والاعتبار ديانةً، وموضع الامتثال لعبادة الله عز وجل على هدى ونور وعلى تقوى ورضوان؛ جزى الله مؤلفها خير الجزاء، وأجرى له بها الأجر والمثوبة ورفعه بها مكانا عليًّا في الدارين .. آمين، والحمد لله رب العالمين.

                                             كتبه الفقير إلى عفو الله

                                            وصفي عاشور أبو زيد

5 رمضان 1441هـ الموافق 28 أبريل 2020م

تقديم: الشيخ الدكتور بسام بن رضوان عليان حفظه الله ورعاه

         الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد...

         فإنَّه يسعدني أن أكتب كلمة في تقديم هذا الكتاب (نفائس الياقوت في أحكام الصلاة في البيوت) لمؤلفه الدكتور/ محمد رفيق الشوبكي، يسعدني ذلك؛ لأهمية الموضوع وشرفه؛ لأنه يمس حياة المسلمين؛ ويتعلق بركن عظيم من أركان الإسلام وهو الصلاة.

         ويسعدني كذلك لأنَّ أخي وابني الدكتور محمد هو أحد أبناء مدرسة الإسلام الممتدة في الأرض والزمان. إنَّه الداعية من أرض فلسطين المجاهدة الصابرة، نشأ فيها وتعلم وعلَّم فيها، وكان رفيقه في مسيرة حياته كتاب الله القرآن الكريم والسنة المطهرة، صحبة ممتدة مع كتاب الله حفظاً وتحفيظاً، جعلت قلبه يتفتح على آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، فينهل منهما من نبعهما الفياض حتى فتح الله عليه وهداه إلى أن يختار هذا الموضوع العظيم؛ ليكون له أثر طيب في ميدان التأليف والفكر، وعسى أن يكون هذا العطاء منطلقاً لعطاء بعد عطاء في مدرسة الإسلام على طريق نصرة دين الله  وإعلاء كلمته في الأرض كلها على صراط مستقيم.

         ولقد سلك المؤلف في كتابه أسلوباً سهلاً قوياً؛ فجاء الكتاب شاملاً مفيداً غنياً بمعلوماته القيمة، مفيداً للدراس والباحث، معيناً للمسلمين.

         وأخيراً أدعو الله أن يبارك هذا الجهد الكريم، وأن يضاعف لأخينا وابننا الحبيب الدكتور محمد أجره وثوابه، اللهم آمين.

                                                                 الدكتور: بسام رضوان عليان

                                                            6/رمضان/144هــ   29/4/2020م

بسم الله الرحمن الرحيم

         الحمد لله الذي رَضِيَ لنا الإسلام ديناً، وجعله دينَ رحمةٍ ويسرٍ، سبحانهُ جلَّ في عُلاه، القائل في مُحكم التنزيل: )هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج( (سورة الحج:78)، والقائل : )يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ( (سورة البقرة:185). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي أخبرت عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: "ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا" (رواه البخاري ومسلم)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تمسك بسنته إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد ،،،

         لقد أمرنا الله  بالصلاة، وجعلها ركناً من أركان الدين، وحثنا النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الصلوات جماعة في المسجد مرغباً لنا بفضيلتها، ومنفراً صلى الله عليه وسلم من أداء الصلاة في البيوت بلا عذر. غير أنَّه قد يعرض للمسلم أعذار تمنعه من أداء الصلاة في المسجد، ومن هذه الأعذار: المرض، المطر الشديد، والرياح الشديدة، والخوف من ضرر قد يقع على النفس أو الأهل أو المال. قال الإمام الحجاوي رحمه الله: "ويُعذر في ترك الجمعة والجماعة: مريضٌ، وخائفٌ حدوثَه، أو زيادتَه" (الإقناع: 1/143).  وقال الإمام المرداوي رحمه الله: "وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمَرِيضُ بِلَا نِزَاعٍ، وَيُعْذَرُ أَيْضًا فِي تَرْكِهِمَا لِخَوْفِ حُدُوثِ الْمَرَضِ" (الإنصاف: 2/300). ومن هنا أفتى عموم أهل العلم المعاصرين وهيئات الإفتاء المعتمدة في الدول الإسلامية بوقف صلوات الجماعة وصلاة الجمعة في المساجد خوفاً من انتشار فيروس كورونا المستجد، وعليه أصبح لزاماً على المسلمين أداء الصلوات في بيوتهم بما في ذلك صلاة الجمعة والتراويح. وتأتي هذه الدراسة الشرعية؛ لتوضح أحكام الصلاة في البيوت بشكل عام، وأهم المسائل المتعلقة بالصلاة في البيوت في شهر رمضان بشكل خاص، وذلك من خلال طرح خمسة وعشرين سؤالاً والإجابة عليها، سائلاً الله  أن يتقبل منا، وأن يكشف هذه الغمة عن المسلمين والناس أجمعين.

السؤال الأول: من المعلوم شرعاً أنَّ صلاة الجماعة في المسجد تفضل الصلاة في البيوت، فهل تنقص أجور المصلين في البيوت حال تحقق العذر ؟

         إنَّ من كرمه وفضله سبحانه وتعالى أنَّه يكتب الأجر كاملاً للمعذور الذي يصلي في بيته إذا كان من عادته أن يصلي جماعة في المسجد؛ لحديثِ أبي  مُوسَى الأشعَريِّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا" (رواه البخاري). غير أنَّه ينبغي على المسلم أن يحرص على أداء الصلاة جماعة مع أهل بيته ذكوراً وإناثاً ليكتسبوا أجر الجماعة، بما في ذلك صلاة التراويح وقيام الليل، فعن عبد الله بنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صلاةُ الجماعةِ تَفضُلُ على صلاةِ الفذِّ بسَبعٍ وعِشرينَ دَرجةً" (رواه البخاري ومسلم).

         ويكفي لإقامة صلاة الجماعة اثنان؛ إمام ومأموم، سواءً كان ذلك في البيت أو غيره؛ قال الإمام البخاري رحمه الله: "باب اثنان فما فوقهما جماعة" ثم روى فيه حديث مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ   عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا حَضَرَتْ الصَّلاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا" (رواه البخاري).       وقال الإمام النووي رحمه الله: "إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ بِرَفِيقِهِ، أَوْ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَلَدِه، حَازَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ" (روضة الطالبين: 1/341). وكلما زاد عدد المصلين كان ذلك أحب إلى الله ، فعن أبيِّ بن كعب   قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صَلاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانُوا أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " (رواه أبو داود والنسائي وحسنه الألباني).

 السؤال الثاني: هل يُشترط أذان وإقامة للمصلي في بيته ؟

         يُسَنُّ لمن يصلي في بيته سواءً جماعة أو منفرداً أن يؤذن ويقيم؛ لعموم فضل الأذان، ولأنه ذكر لله ، فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  قال: "إذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (رواه البخاري). وعن عُقبةَ بن عامرٍ  ، أنَّ رسولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  قال: "يَعجَبُ ربُّك مِن راعي غنمٍ في رأسِ الشَّظِيَّة للجبلِ  يعني القطعة المرتفعة في رأس الجبل ؛ يُؤذِّنُ للصلاةِ ويُصلِّي، فيقول الله عزَّ وجلَّ: انظروا إلى عَبْدي هذا، يُؤذِّنُ ويُقيمُ الصَّلاةَ؛ يخافُ مني! قدْ غفرتُ لعبدي، وأدخلتُه الجَنَّةَ" (رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني).

         وإذا اكتفى بأذان المسجد وأقام الصلاة فقط فلا بأس في ذلك، وهذا قول طائفة من السلف منهم: ميمون بن مهران والأوزاعي والإمام مالك والحسن البصري وابن سيرين، وأفتى بذلك الشيخ ابن عثيمين. وهذا الرأي مفاد قول الإمام النووي رحمه الله، حيث قال: "وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ الْإِقَامَةَ سُنَّةٌ فِي حَقِّهِ –يقصد في حق المصلي وحده  وَلَا يَكْفِيهِ إِقَامَةُ الْجَمَاعَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَذَانِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُشْرَعُ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْرَعُ، وَمَذْهَبُنَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ أَذَانُ الْجَمَاعَةِ وَإِلَّا فَلَا يُشْرَعُ" (شرح النووي على مسلم: 5/187).

         ومن صلي في بيته جماعة أو منفرداً دون أذان ولا إقامة صحت صلاته ولا إعادة عليه، ولكنَّه فوت على نفسه هذه الفضيلة. فعن الأسودِ وعَلقمةَ، قالَا: أتينا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ في دارِه، فقال: "أَصَلَّى هؤلاءِ خَلفَكم؟ فقلنا: لا، قال: فقُوموا فصلُّوا، فلمْ يأمرْنا بأذانٍ ولا إقامةٍ" (رواه مسلم).

         وقد لخص الإمام ابن المنذر رحمه الله جواب هذه المسألة بقوله: "أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ، وَيُجْزِيهِ إِنْ أَقَامَ وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ، وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ" (الأوسط: 3/58).

السؤال الثالث: هل يلزم الانتظار بين الأذان والإقامة للمصلين في بيوتهم ؟

         ليس هناك وقت محدد شرعاً للانتظار بين الأذان والإقامة، وإنَّ الغاية من الانتظار اجتماع المصلين وأداء صلاة السنة القبلية، قال الإمام ابن بطال رحمه الله: "أمَّا كم بين الأذان والإقامة في الصلوات كلها ؟ فلا حَدَّ في ذلك أكثرَ من اجتماع الناس، وتمكُّن دخول الوقت" (شرح صحيح البخاري: 2/252). وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: " وَيُسَنُّ أَنْ يَفْصِلَ الْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِقَدْرِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي مَكَانِ الصَّلَاةِ، وَبِقَدْرِ أَدَاءِ السُّنَّةِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرِيضَةِ" (مغني المحتاج: 1/138).

         والخلاصة لا ينتظر المصلون في بيوتهم إلا بقدر الاجتماع للصلاة وأداء السنن القبلية، مع مراعاة الحرص على الصلاة في أول وقتها.

السؤال الرابع: ما هي أفضل أوقات الصلاة للمصلين في بيوتهم ؟

         إنَّ أفضل أوقات الصلاة أن تصلى في أول وقتها، فعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال: سألتُ رَسولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ؟ قال: الصَّلاةُ على وقتِها ..." (رواه البخاري ومسلم). وقد جاء هذا الحديث في رواية عند أبي دواد والحاكم والطبراني والبيهقي والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان بلفظ: (الصلاة في أول وقتها). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قَوْلُهُ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا): قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ أَنَّ الْبِدَارَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنَ التَّرَاخِي فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ" (فتح: 2/13).

         غير أنَّه يُسنُّ تأخير صلاة العشاء إذا لم يترتب على ذلك مشقة، فعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه، قال: "كان رسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  يُؤخِّرُ صلاةَ العِشاءِ الآخِرةِ" (رواه مسلم). ووقت العشاء يمتد إلى منتصف الليل، فلا يجوز تأخيرها عن ذلك لغير ضرورة؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ" (رواه مسلم).

         والأفضل في شهر رمضان أن تُصلَّى صلاة العشاء في أول وقتها؛ لكي يتسع الوقت للاجتهاد في صلاة التراويح وقيام الليل، والله أعلم.

السؤال الخامس: كيف يقف المصلون للصلاة في البيت خصوصاً أنَّ فيهم الرجال والصبيان والنساء ؟

         للإجابة على هذا السؤال، لابدَّ من بيان الأحوال الآتية:

  1. إذا صلى مع الإمام رجل أو صبي فإنه يقف عن يمينه، فعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: "بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه" (رواه البخاري ومسلم).

ولا يجوز أن يتقدم المأموم على إمامه، فإن تقدم عليه بطلت صلاته على قول جمهور أهل العلم، فعن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ رضي الله عنها، قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به ..." (رواه البخاري ومسلم).

  1. إذا صلى مع الإمام رجلان أو رجل وصبي فإنَّهما يقفان في صف مستقيم خلف الإمام، فعن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه قَالَ: "جئتُ حتى قمتُ عن يسارِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينِه، ثم جاء جبارُ بنُ صخرٍ فتوضأَ، ثم جاء فقام عن يسارِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأخذ رسولُ اللهِ ﷺ بيدنا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفَه" (رواه مسلم).

وإن وقف أحدهما عن يمين الإمام والآخر عن شماله جاز ذلك؛ لحديث عَلْقَمَة، وَالْأَسْوَد، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ –يعني ابن مسعود ، فَقَالَ: أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ " (رواه مسلم). وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِضِيقِ الْمَكَانِ (ابن حجر، فتح الباري: 2/249).

وإن وقفا عن يمينه فقط جاز ذلك (وابن قدمة، المغني: 2/18). غير أنَّ الأصح أن يقفا خلف الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر عملاً بحديث جابر السابق، وهذا قولُ جَمِيع الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى الْآنَ إِلَّا ابْن مَسْعُودٍ وَصَاحِبَيْهِ عَلْقَمَة وَالْأَسْوَد (شرح النووي على مسلم: 5/187).

  1. إذا صلى مع الإمام امرأة واحدة فإنها تقف خلفه ولا تقف عن يمينه، فقد روى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: " ... وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ" (رواه البخاري ومسلم). قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: "وَفِيهِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تَقِفُ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَأَنَّهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى تَقِفُ وَحْدَهَا مُتَأَخِّرَةً" (شرح النووي على مسلم: 5/294). ولو صلى أكثر من امرأة مع الإمام فإنَّهم يقفون في صف مستقيم خلف الإمام؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، "أنَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قام فصلَّى بنا ركعتَينِ تطوعًا، فأقام أمَّ حرامٍ وأمَّ سُلَيمٍ خلْفَنا، وأقامني عن يمينِه" (رواه أحمد وصححه الألباني).
  2. إذا صلى مع الإمام رجل أو صبي واحد وامرأة واحدة، فإنَّ الرجل أو الصبي يصلي عن يمين الإمام، وتصلي المرأة خلفهما، فقد رَوَى أَنَسٌ بن مالك رضي الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا" (رواه مسلم).
  3. إذا صلى مع الإمام رجل أو صبي واحد وأكثر من امرأة، يقف الرجل أو الصبي عن يمينه، وتقف النساء خلف الإمام؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، "أنَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قام فصلَّى بنا ركعتَينِ تطوعًا، فأقام أمَّ حرامٍ وأمَّ سُلَيمٍ خلْفَنا، وأقامني عن يمينِه" (رواه أحمد وصححه الألباني).
  4. إذا صلى مع الإمام رجال وصبيان ونساء، فيقف الرجال في صف مستقيم خلف الإمام، ويقف الصبيان  وهم الذكور دون البلوغ  خلفهم، والنساء خلف الصبيان، ولا بأس أن يكون الصبيان بين الرجال إذا كان عدد الصبيان قليلًا، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ" (رواه البخاري ومسلم). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد: ... َتَأْخِير النِّسَاء عَنْ صُفُوف الرِّجَال، وَقِيَام الْمَرْأَة صَفًّا وَحْدهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا اِمْرَأَة غَيْرهَا" (فتح الباري: 1/586).
  5. إذا أمَّت المرأة امرأة واحدة، تقف المرأة المأمومة عن يمينها، كالمأموم الذي يصلي مع الإمام (ابن قدامة، المغني: 2/18).

أما إذا أمَّت المرأة أكثر من امرأة، تقف وسطهن على قول جمهور العلماء؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَمَّتَا نِسَاءً فَقَامَتَا وَسْطَهُنَّ (النووي، المجموع: 4/187)، ولأن ذلك أستر، فالمرأة مطلوب منها الستر بقدر المستطاع، وصلاتها في وسط النساء أستر لها؛ لأنها تستتر بهنَّ من جانبيها (ابن قدامة، المغني: 2/17).

إذا خالف المصلون أحكام الوقوف في الصلاة سابقة الذكر، كأن وقفت المرأة بجانب الإمام مثلاً، فإنَّ صلاتهما تصح ولا تبطل على قول جمهور العلماء؛ ذلك أن الأصل أنَّ الصلاة صحيحة حتى يرد دليل صحيح شرعي في البطلان، والأولى العمل بالسنة (النووي، المجموع: 3/331،332).

السؤال السادس: هل يختلف أداء صلاة السنن الرواتب في البيوت عنها في المسجد ؟

         لا تختلف صلاة السنن الرواتب في البيوت عنها في المسجد، غير أنَّي ذكرت هذه المسألة تأكيداً على فضيلة السنن الرواتب، ولأنَّ من المسلمين من يتهاون في أداء السنن الرواتب إذا صلى في بيته. عن أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم" (رواه مسلم). وجاء تفصيل الاثنتي عشرة ركعة في رواية أخرى: عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم : "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ، أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ" (رواه الترمذي وصححه الألباني).

         وذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ السنن الرواتب عشر ركعات، ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، استناداً لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "حَفِظْتُ مِنْ النّبِيّ  صلى الله عليه وسلم  عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصّبْحِ" (رواه البخاري ومسلم).

         وجمع الحافظ ابن حجر رحمه الله بين القولين السابقين فيما يتعلق بسنة الظهر القبلية من حيث كونها أربع ركعات أم اثنتين، فقال: "يُحْمَلَ عَلَى حَالَيْنِ: فَكَانَ تَارَةً يُصَلِّي ثِنْتَيْنِ، وَتَارَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَقْتَصِرُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَفِي بَيْتِهِ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَرَأَى ابْنُ عُمَرَ مَا فِي الْمَسْجِدِ دُونَ مَا فِي بَيْتِهِ، وَاطَّلَعَتْ عَائِشَةُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ" (فتح الباري، ج3، ص70).

         وآكد السنن الرواتب ركعتا الفجر، وهما سنة الفجر القبلية، لقوله  صلى الله عليه وسلم : "رَكْعتا الفجْرِ خيْرٌ مِنَ الدُّنيا ومَا فِيها" (رواه مسلم). ولقول عائشة رضي الله عنها عن هاتين الركعتين: "لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا" (رواه البخاري). وعنها، قالت: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم  عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أشَدَّ تَعَاهُدَاً مِنهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ" (متفق عليه).

         وإنَّ أداء صلاة السنة الراتبة في البيت أفضل من المسجد، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا" (متفق عليه). وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم : "صلُّوا أَيُّها النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ أفضلَ الصَّلاةِ صلاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إِلاَّ المكْتُوبَةَ" (متفق عليه).

السؤال السابع: هل يوجد مكان في البيت له أفضلية في الصلاة على غيره ؟

         لا يوجد مكانٌ في البيت أفضل من غيره بالنسبة للرجال، غير أنَّه يُشرع للمسلم اتخاذ مصلى في بيته أي: مكان خاص لأداء الصلاة، بحيث يكون خالياً من الشواغل والصوارف، فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ: " أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ ؟ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنْ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم " (رواه البخاري ومسلم). قال الإمام النووي رحمه الله: " وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمُلَازَمَةِ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْبَيْتِ" (شرح النووي على مسلم: 5/293).        وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله :"مَسَاجِدُ الْبُيُوت، هِيَ أَمَاكِنُ الصَّلَاةِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ أَنْ يَتَّخِذُوا فِي بُيُوتِهِمْ أَمَاكِنَ مُعَدَّةً لِلصَّلَاةِ فِيهَا " (فتح الباري: 2/377).  

         أما بالنسبة للمرأة، فكلما كانت صلاتها في موضع أكثر ستراً وخصوصية كان ذلك أفضل، فعن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود   عَنْ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قَالَ: "صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا" (رواه أبو داود وصححه الألباني).       ومعنى (في بيتها): أي الحجرة التي تكون فيها المرأة. ومعنى (حجرتها): أي صحن الدار التي تكون أبواب الغرف إليها  وتُسمَّى في زماننا الصالة . ومعنى (مخدعها): وهي الغرفة الصغيرة التي تكون داخل الغرفة الكبيرة، والتي تحفظ فيها الأمتعة النفيسة، وهذا فيه زيادة في التستر (عون المعبود: 2/195،194).

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  قَالَ: "خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ" (رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه الألباني). وقَعْر كل شيء: نهاية أسفله، وهذا يدل على أنَّ أفضل مكان لصلاة للنساء هو أكثر مكان مستور في بيوتهنّ.

السؤال الثامن: هل تُشرع صلاة تحية المسجد عند دخول مصلى البيت ؟

         إنَّ ركعتي تحية المسجد خاصتان بالصلاة في المسجد، فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال النبي  صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ " (رواه البخاري ومسلم). ومصلى البيت لا تثبت له أحكام المسجد، وبالتالي لا يُصلَّى فيه تحية المسجد. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله :"وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ –يعني أماكن الصلاة في البيوت  لَا يَثْبُتُ لَهَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ الْمُسَبَّلَةِ –أي المساجد العامة ، فَلَا يَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنْ نَجَاسَةٍ وَلَا جَنَابَةٍ وَلَا حَيْضٍ. هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ... وَبِكُلِّ حَالٍ: فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْتَرَمَ هَذِهِ الْبِقَاعُ الْمُعَدَّةُ لِلصَّلَاةِ مِنَ الْبُيُوتِ، وَتُنَظَّفَ وَتُطَهَّرَ" (فتح الباري: 2/377 379).  

السؤال التاسع: هل تجوز إمامة المرأة حال الصلاة في البيت ؟

         لا يجوز إمامة المرأة للرجال ولا الصبيان باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، فعن أبي بَكْرَةَ  ، أنَّ رسولَ الله  صلى الله عليه وسلم  قال: "لنْ يُفْلِحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً" (رواه البخاري). قال الإمام النووي رحمه الله: " وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ رَجُلٍ بَالِغٍ وَلَا صَبِيٍّ خَلْفَ امْرَأَةٍ... وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَسَائِرُ النَّوَافِلِ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد" (المجموع: 4/151). وإذا أمَّت المرأة رجالاً ونساءً وصبياناً، فصلاة النساء مُجزِئَة، وصلاة الرجال والصبيان غير مُجزِئَة (الشافعي، الأم: 1/191).

         أمَّا إمامة المرأة للنساء فهي جائزة عند جمهور العلماء، فعن أمِّ ورقةَ بنتِ نوفل رَضِيَ اللهُ عنها: "أنَّ رسولَ الله  صلى الله عليه وسلم  كان يَزورُها في بيتِها، وجعَل لها مؤذِّنًا يؤذِّنُ لها، وأمَرَها أن تَؤُمَّ أهلَ دارِها   يعني النساء " (رواه أحمد وأبو دواد وحسنه الألباني).

         وإذا أمَّت المرأة امرأة واحدة، تقف المرأة المأمومة عن يمينها، أما إذا أمَّت المرأة أكثر من امرأة، فإنها تقف وسطهن، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال الخامس.

السؤال العاشر: هل تجوز إمامة الصبي المميز غير البالغ ؟

         تجوز إمامة الصبي المميز للرجال والنساء على الصحيح من أقوال أهل العلم إذا كان متقنًا لقراءة القرآن، وعالماً بما تصح به الصلاة من أحكام؛ لحديث عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ أنَّه: كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  وَهُوَ ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ (رواه البخاري). ولعموم حديث أبي مسعودٍ الأنصاريِّ  ، أنَّ النبيُّ   قال: "يؤمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللهِ" (رواه مسلم).

         ومثل هذا يقال في إمامة الصبية المميزة لأمها أو لأخواتها أو لغيرها من النساء، فيجوز ذلك إن كانت أقرؤهنَّ لكتاب الله تعالى، ولكن لا يجوز لها أن تَؤُمَّ بأبيها أو إخوانها الذكور باتفاق الفقهاء؛ لأنَّه لا تجوز إمامة النساء للرجال كما سبق بيانه.

السؤال الحادي عشر: هل يختلف حال الصلاة من حيث الجهر والإسرار بالنسبة للمصلين في بيوتهم ؟

         لا يختلف حكم الجهر والإسرار حال الصلاة في البيوت، فيُسنُّ الجهر بالقراءة في صلاة الفجر وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء. قال النووي رحمه الله: "فالسُّنَّةُ الْجَهْرُ فِي رَكْعَتِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالْإِسْرَارُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَثَالِثَةِ المغرب، والثالثة وَالرَّابِعَةِ مِنْ الْعِشَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ عَلَى ذَلِكَ، هَذَا حُكْمُ الْإِمَامِ. وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ عِنْدَنَا –أي الشافعية  وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ" (المجموع: 3/355).

         وتجهر المرأةُ التي تؤمُّ النِّساءَ في ركعتي الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، إلا أن يكون هناك رجال من غير محارمها فلا تجهر، قال الإمام الشيرازي رحمه الله: "وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ لَمْ تَجْهَرْ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ رِجَالٌ أَجَانِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُفْتَتَنَ بِهَا" (المهذب: 1/142). وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "وَتَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ، وَإِنْ كَانَ ثُمَّ رِجَالٌ لَا تَجْهَرُ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ مَحَارِمِهَا، فَلَا بَأْسَ" (المغني: 2/17).

السؤال الثاني عشر: هل يُشرع للمرأة رفع الصوت عند التأمين ؟ وهل يجوز لها أن تُنَبِّه الإمام إذا أخطأ في الصلاة أو تفتح عليه إذا نسي في القراءة ؟

         التأمين –قول آمين  سنة مؤكدة بعد قراءة الفاتحة، يُسرُّ بها في الصلاة السرية ويُجهرُ بها في الصلاة الجهرية، ويؤمن فيها مع الإمام، فعن أبي هُرَيرةَ  ، أنَّ رسولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  قال: "إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنَّه مَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكةِ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنبِه" (رواه البخاري ومسلم). ويجوز للمرأة أن تجهر بالتأمين إذا كانت تصلي مع محارمها، فإن كانت تصلي في موضع فيه أجانب –غير محارم  فإنها لا تجهر في التأمين مثل: حكم الجهر بالقراءة.

         ويجوز للمرأة أن تُنَبِّه الإمام إذا أخطأ في الصلاة، وذلك بالتصفيق  وهُوَ ضَرْبُ إحْدَى اليَدَيْنِ عَلَى الأُخْرَى ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ" (رواه البخاري ومسلم).

         ويجوز للمرأة أن تفتح على زوجها أو أحد محارمها إذا نسي في القراءة، لكن إذا كان الإمام أجنبياً –من غير المحارم  أو كانت الصلاة بحضور رجل أجنبي، فالأصل أن لا تقدم على ذلك إلا في حال عدم وجود من يقوم بذلك من الرجال، وإذا أمنت الفتنة؛ ذلك أنَّها مُنِعت من التسبيح تنبيهاً للإمام لئلاَّ يخرج صوتها في الصلاة، فمن باب أولى الفتح عليه، والله أعلم

السؤال الثالث عشر: ما هي الأمور التي ينبغي المحافظة عليها حال الصلاة في البيوت؟

يجدر بالمصلي في بيته الالتزام بالأمور الآتية:

  1. المحافظة على أداء الصلاة جماعة مع أهل بيته في أول وقتها، وتفصيل هذا في جواب السؤالين الأول والرابع. وليحذر المصلون في بيوتهم من إخراج الصلاة عن وقتها المحدد شرعاً؛ لأنَّ تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر شرعي يعد من كبائر الذنوب (الهيتمي، الزواجر: 1/220)، فقال تعالى: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ" (الماعون: 4 5).
  2. الخشوع في الصلاة وأن يعطيها حقها، قال تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ" (المؤمنون:1 2). ففي كثير من الأحيان يضيع من يصلي في بيته الخشوع في الصلاة، وربما نقر صلاته كنقر الديك أو الغراب، فلا يطمئن في أركان الصلاة، ويسرع في قراءته وركوعه وسجوده، وربما انصرف من صلاته وهو لا يتذكر منها شيئاً. عن أبي هريرة  رضي الله عنه قال: " ونَهَانِي  رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم   عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ" (رواه أحمد وحسنه الألباني). وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ" (رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني).

ومن الجدير بالذكر أنَّ الذي يُسرع في صلاته إذا أخل بركن الطمأنينة فإن صلاته تبطل، لقول النبي  صلى الله عليه وسلم  للمسيء صلاته لما رآه لا يطمئن في صلاته: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ" (رواه البخاري ومسلم). وتتحقق الطمأنينة بسكون واستقرار الأعضاء ولو لحظة، وعند بعض العلماء تكون بقدر الذكر الواجب وهو تسبيحة واحدة (الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته: 2/862،861).

  1. المحافظة على السنن الرواتب، وتفصيل هذا في جواب السؤال السادس.
  2. المحافظة على الأذكار المسنونة بعد الصلاة: فينبغي على المصلين في بيوتهم أن لا يستعجلوا بعد الصلاة، وأن يحافظوا على الأذكار المسنونة؛ لعظم أجرها وفضلها، ومن الأدلة التي تبين فضل الأذكار عقب الصلوات، حديثُ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ" (رواه النسائي وصححه الألباني). وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ" (رواه مسلم).
  3. التزين للصلاة خشوعًا لله واستحضارًا لعظمته؛ لأنَّ أخذ الزينة في الصلاة لحق الله تعالى، وليس لأجل نظر الناس، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ مَنْ تُزِيَّنَ لَهُ" (رواه البيهقي وصححه الألباني). وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: " كان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال، وكان يلبسها وقت الصلاة، ويقول: ربي أحق من تَجَمَّلْتُ له في صلاتي" (مدراج السالكين، ج2، ص285). فينبغي للمصلي في بيته أن يحرص على ذلك، فلا يُصَلِّ في ملابس لا تليق أن يقف بها بين يدي الله سبحانه وتعالى، فالله أحق أن يُتزين له.

السؤال الرابع عشر: هل يُشرع الجلوس في مكان الصلاة في البيت وذكر الله حتى شروق الشمس، ومن ثم أداء ركعتي الإشراق ؟

         نعم، يُشرع للمصلي جماعة في بيته للعذر أن يجلس في مصلاه يذكر الله ويقرأ القرءان حتى شروق الشمس ثم يصلي ركعتين، يرتجى فيهما الأجر الوارد في حديث أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم : "مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ" (رواه الترمذي وحسنه الألباني).

 

السؤال الخامس عشر: هل يُشرع للمؤذن قول (الصلاة في بيوتكم) أو (الصلاة في رحالكم) في الأذان ؟ وإن صح ذلك متى تقال هذه الصيغة ؟

         نعم، يُشرع للمؤذن أن يقول في أذانه: (ألا صلُّوا في الرحال)، أو (ألا صلوا في رحالكم)، أو (صلوا في رحالكم)، أو (صلوا في بيوتكم) عند وجود مشقةٍ تمنع من الذهاب إلى المسجد، استناداً إلى الأدلة الآتية:

  1.  عَنْ نَافِع، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. ثُمَّ قَال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ أَنْ يَقُولَ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" (رواه البخاري ومسلم واللفظ له).
  2. عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أنه قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: "إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ، فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا!؟ قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ" (رواه البخاري ومسلم).
  3. عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ يَقُولُ: "أَنْبَأَنَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ فِي السَّفَرِ يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" (رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني).

         قال الإمام النووي رحمه الله: "وفي حديث ابن عَبَّاسٍ  رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ  أَنْ يَقُولَ: "أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" فِي نَفْسِ الْأَذَانِ، وَفِي حديث ابن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ، وَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ  رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى  فِي الْأُمِّ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ، وَتَابَعَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، فَيَجُوزُ بَعْدَ الْأَذَانِ، وَفِي أَثْنَائِهِ؛ لِثُبُوتِ السُّنَّةِ فِيهِمَا، لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ أَحْسَنُ؛ لِيَبْقَى نَظْمُ الْأَذَانِ عَلَى وَضْعِهِ" (شرح النووي على مسلم: 6/326). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: " يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ: (أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ)، فَإِنْ قَالَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ فَلَا بَأْسَ" (فتح الباري: 3/495).

         والخلاصة يجوز للمؤذن حين تحقق العذر الذي يمنع المصلين من الذهاب إلى المسجد أن يقول: (ألا صلوا في الرحال)، أو (صلوا في رحالكم)، أو (صلوا في بيوتكم) أثناء الأذان بدلًا من (حي على الصلاة) (حي على الفلاح)، أو أن يقولها بعد (حي على الصلاة) (حي على الفلاح)، أو أن يقولها بعد انتهاء الأذان، والأمر في هذا واسع، سواءً قالها في أثناء الأذان أو بعد الفراغ منه، فكله جائز بإذن الله تعالى، وقولها بعد الأذان أفضل؛ ليبقى نظم الأذان على وضعه.

السؤال السادس عشر: إذا قال المؤذن (صلوا في بيوتكم)، أو (صلوا في رحالكم)، فماذا يردد السامع؟

         اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يقول السامع: (لا حول ولا قوة إلا بالله) قياساً على الحيعلة (يعني: حي على الصلاة حي على الفلاح)، ولأنَّ كلاً منهما دعوة فيطلب فيهما العون من الله، وطلب العون من الله ليس فقط في الذهاب إلى المسجد، بل حتى في القيام للصلاة وأدائها، ونص على هذا القول بعض الشافعية (الشربيني، مغني المحتاج: 1/329)، وأفتت به دار الإفتاء المصرية.

القول الثاني: لا يقول السامع شيئاً؛ لأنه هذا اللفظ ذكر زائد على الأذان وليس منه كالتثويب، وهذا مقتضى مذهب المالكية (الحطاب، مواهب الجليل: 1/431)، واختار هذا الرأي بعض المعاصرين، ومنهم: الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

القول الثالث: يردد السامع مثل ما يقول المؤذن لعموم حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ" (رواه البخاري ومسلم). وهذا مقتضى مذهب الحنابلة (المغني، ابن قدامة: 1/255).

         والمسألة محتملة، فإن قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فهذا طيب؛ لأنه ذكر يثاب عليه، وإن  ردد مثل ما يقول المؤذن، فقد عمل بظاهر الحديث السابق، والله أعلم.

السؤال السابع عشر: هل يجوز أداء صلاة الجمعة في البيوت كما تصلى في المسجد؟

          لا يجوز إقامة صلاة الجمعة في البيوت، وذلك للأسباب الآتية:

  1. الأصل في العبادات أنَّها توقيفية قائمة على الاتباع لا الابتداع، فلا يجوز أداؤها إلا وفق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة الكرام أنَّهم صلوا الجمعة في بيوتهم مع أنه مرَّ بهم الكثير من الأعذار التي تمنع من الصلاة في المسجد.
  2. إنَّ المقصد الأساسي من إقامة صلاة الجمعة هو اجتماع المسلمين والتقاؤهم في مكان واحد، وليس أداء الصلاة فحسب، وأدائها في البيوت يُفوِّت هذا المقصد.
  3. اشترط العلماء شروط معينة لانعقاد صلاة الجمعة من حيث المكان والعدد وإذن السلطان،  وبالنظر إلى المذاهب الفقهية الأربعة يتضح عدم صحة أداء صلاة الجمعة في البيوت؛ لأن الحنفية يشترطون أن تصلى الجمعة في مكان عام بارز معلوم مفتوح للجميع، والبيت ليس مكاناً عاماً، ويشترط الحنفية أيضاً إذن السلطان أو حضوره أو حضور نائبه؛ وهذا غير متحقق لمن يصلي في بيته. أما المالكية فيشترطون أن تصلى الجمعة في مسجد. في حين أنَّ الشافعية والحنابلة يشترطون لصحة صلاة الجمعة حضور أربعين رجلاً ممن تجب عليهم الجمعة.

وعليه فإنَّ من حبسه العذر عن أداء صلاة الجمعة في المسجد، فإنَّه يصليها ظهراً، وله أن يصليها جماعة مع أهله، وله أجر الجمعة إن شاء الله تعالى؛ لحديثِ أبي  مُوسَى الأشعَريِّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا" (رواه البخاري).

السؤال الثامن عشر: هل يجوز أداء صلاة الجمعة باتباع من يصليها في مكان آخر عبر التلفاز أو وسائلِ الاتصال الحديثة ؟

         إنَّ أداء صلاة الجمعة والاستماع لخطبتها بالتلفاز والمذياع وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة لا تجوز شرعًا؛ لمخالفتها للشروط والأركان الشرعية، ولما تفضي إليه من مآلات فاسدة، ومخالفةٍ صريحة لمقاصد الجمعة والجماعات، وينبغي على المسلمين إذا تعذرت عليهم صلاة الجمعة في المساجد، أن يعملوا بالرخصة الشرعية البديلة وهي صلاة الظهر، دون تكلف ولا تعسف، وذلك للأسباب التالية:

  1. الأصل في العبادات أنها توقيفية لا مجال للزيادة أو النقصان فيها، وما شرعه الله تعالى فيها مؤقتًا بزمان، أو محددًا بمكان، أو موصوفًا بهيئة؛ فيجب التقيد به حال القدرة والاستطاعة، فإن تعذر الاستطاعة يُأخذ بالرخصة دون تكلف وابتداع.
  2. إن المقصد الأساسي من إقامة صلاة الجمعة هو اجتماع المسلمين والتقاؤهم في مكان واحد حقيقة، وليس أداء الصلاة فحسب، وأدائها في البيوت يفوت هذا المقصد.
  3. اشترط أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة لِصِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ في الصلاة أن يجمعَ المأموم والإمام مكانٌ واحد، فعن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عنها، قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به ..." (رواه البخاري ومسلم). ووجه الاستدلال: أنَّ الائتمام يطلق شرعاً على اجتماع الإمام والمأموم في الصلاة في مكان واحد، دل عليه السنة الفعلية وعمل الصحابة والأمة واتفاق المذاهب.

السؤال التاسع عشر: هل يُسنُّ الاغتسال يوم الجمعة للمصلي في بيته ؟

         إنَّ غُسل الجمعة يتعلَّق بصلاة الجمعة والذهابِ إلى المسجد، وهو سنة على الراجح؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "منِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" (رواه البخاري ومسلم). ولحديثِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (رواه البخاري ومسلم). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: " وَاسْتُدِلَّ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يُشْرَعُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْجُمُعَةَ ... وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ " (فتح الباري: 2/417).

وقال الإمام ابن المنذر رحمه الله: " ظَاهِرُ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاغْتِسَالِ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَلَا مَعْنَى لِاغْتِسَالِ مَنْ لَا يَأْتِي الْجُمُعَةَ مِنَ الْمُسَافِرِينَ وَسَائِرِ مَنْ رُخِّصَ لَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ إِتْيَانِ الْجُمُعَةِ " (الأوسط: 4/48).

         وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه المسألة متعلقة بغسل الجمعة المسنون، ولا يُقصد من ذلك أن لا يغتسل المسلم يوم الجمعة على الإطلاق، وإنَّما ينبغي على المسلم أن يحافظ على نظافته وطهارته، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم : "حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ" (رواه البخاري ومسلم).

السؤال العشرون: هل يُشرع القنوت في الصلاة في البيت لرفع البلاء والوباء ؟

         يُشرَع القنوت إذا نزل بالمسلمين نازلة كوباء أو ضرر ظاهر عند عامة أهل العلم، قال الإمام النووي رحمه الله: "الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: إنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ كَخَوْفٍ أَوْ قَحْطٍ أَوْ وَبَاءٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَنَتُوا فِي جَمِيعِهَا –يعني جميع الصلوات المكتوبة " (المجموع: 3/474).

         ويجهر الإمام بدعاء القنوت بعد الرفع من الركعة الأخيرة من الصلوات الخمس؛ لما ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس  : "أن النَّبِيّ  صلى الله عليه وسلم  قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ" (رواه البخاري ومسلم). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: " قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ" (رواه أحمد أبو داود وحسنه الألباني).

         ويشرع قنوت النوازل للمنفرد على الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (المرداوي، الإنصاف: 2/175).

         ولا يوجد في قنوت النوازل دعاء مأثور، وإنما يدعو الإمام أو المصلي بما يناسب الحال (مجموع فتاوى ابن تيمية، 23/109).

         والخلاصة يجوز أن يقنت المصلي في بيته سواءً صلي جماعة مع أهل بيته أو منفرداً، وذلك في جميع الصلوات المكتوبة بعد الرفع من الركوع في الركعة الأخيرة، ويدعو بما يشاء لرفع الوباء والبلاء.

السؤال الواحد والعشرون: هل يُشرع للرجل أن يصلي بأهله قيام الليل جماعة ؟

         نعم يُشرع ذلك؛ لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: "بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه" (رواه البخاري ومسلم).

         وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقوم الرجل وامرأته قيام الليل جماعة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم : "مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ" (رواه أبو داود وصححه الألباني). وقال تعالى: "وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" (الأحزاب:35).

السؤال الثاني والعشرون: هل يجوز إقامة صلاة التراويح جماعةً في البيت ؟

         صلاة التراويح سنة بإجماع العلماء، ويجوز أداؤها جماعة أو منفرداً، وفعلها جماعة أفضل (النووي، المجموع: 3/526)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها جماعة في المسجد، ولم يمنعه من الاستمرار من أداء جماعة إلا تخوفه من أن تفرض على أمته، فعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: أنَّ رسولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  صلى في المسجدِ ذاتَ ليلةٍ، فصلَّى بصلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى من القابلةِ، فكثُر الناسُ، ثم اجتمعوا من الليلةِ الثالثةِ، أو الرابعةِ، فلم يخرجْ إليهم رسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتُم، ولم يمنعْني من الخروجِ إليكم إلَّا أنِّي خَشيتُ أنْ تُفرَضَ عليكم، وذلِك في رمضَان" (رواه البخاري ومسلم).

         وقد قال بعض أهل العلم كالإمام مالك وأبو يوسف من الحنفية وبعض الشافعية بأنَّ أداء صلاة التراويح في البيت أفضل من المسجد (شرح النووي على مسلم: 6/378)؛ لِقَوْلِهِ  صلى الله عليه وسلم : "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" (رواه البخاري ومسلم).

         وينبغي أن يحرص المسلمون في هذا العام على أداء صلاة التراويح في البيت جماعة أو فرادى؛ نظراً لإغلاق المساجد بسبب تفشي وباء كورونا. وألا يفوتوا أجر صلاة التراويح، فهي سببٌ لغفرانِ ما تَقدَّمَ من الذُّنوب؛ فعن أَبي هُرَيرَة  ، أنَّ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قال: "مَن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه" (رواه البخاري ومسلم). قال الإمام النووي رحمه الله: "وَالْمُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ" (شرح النووي على مسلم: 6/378).  

         وإنَّ أداء صلاة التراويح جماعة في البيت في ظروف إغلاق المساجد الحالية أفضل من صلاتها فرادى؛ وذلك من عدة وجوه، الأول: أنَّه أدعى للنشاط وعلو الهمة في الطاعة، الثاني: إشراك الأولاد في الصلاة وتعويدهم عليها، الثالث: التدريب على تلاوة القرآن؛ حيث يستعد الأب أو أحد الأبناء للإمامة بتحضير بعض السور والآيات القرآنية، الرابع: اجتماع الأسرة في جماعة واحدة يعزز الترابط الأسري ويقوي العلاقات بين أفراد الأسرة، الخامس: زيادة الأجواء الإيمانية والسكينة والاستقرار في البيت.

         ويكون الأب أو الزوج هو الإمام، فإن كان هناك من أبنائه من هو أقرأ منه وأكثر حفظاً للقرآن، يؤم الولد وإن لم يكن بالغاً ما دام مميزاً على الراجح، فعن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ  ، أنَّ النبيُّ  صلى الله عليه وسلم  قال: "يؤمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللهِ" (رواه مسلم).

السؤال الثالث والعشرون: كم عدد ركعات صلاة التراويح ؟ وكيف تُصلَّى صلاة التراويح في البيت ؟

وأجيب على هذا السؤال من خلال الفرعين الآتيين:

أولاً: عدد ركعات صلاة التراويح:

         صلاة التراويح كقيام الليل لم يرد فيها عدد معين لا يجوز أن يُزاد عليه أو يُنقص، بل للمسلم أن يصلي ما يشاء من الركعات. قال الإمام السُّيُوطِيّ رحمه الله: "الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَالْحِسَانُ الأَمْرُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِعَدَدٍ" (السيوطي، المصابيح: ص14 15).

         ولكن ثبت عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنَّه كان لا يزيد في رمضان وغير رمضان على إحدى عشر ركعة          –مع صلاة الوتر ، وفي روايات أخرى ثلاث عشرة ركعة، فعن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنَّه سألَ عائشةَ رضي الله عنها: كيف كانتْ صلاة رسولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  في رمضان ؟ فقالت: "ما كان يَزيدُ في رمضانَ، ولا في غيرِه على إحْدى عَشرةَ ركعة؛ يُصلِّي أربعَ رَكَعاتٍ فلا تسألْ عن حُسنهنَّ وطولهنَّ، ثم يُصلِّي أربعًا، فلا تسألْ عن حُسنهنَّ وطولهنِّ، ثم يُصلِّي ثلاثاً" (رواه البخاري ومسلم). وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: "كان صلاةُ النبيِّ  صلى الله عليه وسلم  ثلاثَ عَشرةَ ركعةً. يعني: بالليل" (رواه البخاري ومسلم).

         ويرى جمهور العلماء أنَّ صلاة التراويح عشرون ركعة غير الوتر (المغني، ابن قدامة: 2/123)، واستدلوا بما جاء عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رضي الله عنه، قَالَ: "كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً" (رواه البيهقي وصححه النووي وغيره).

         ومن الجدير بالذكر أنَّه وردت أقوال أخرى في عدد ركعات صلاة التراويح، فذكر الإمام مالك في قول أنَّها ستة وثلاثون غير الوتر، وحُكِي أنَّ الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع (النووي، المجموع: 3/527).

         والخلاصة يجوز للمسلم أن يصلي التراويح بعدد الركعات التي يشاء ولا حرج في ذلك، فإن صلى ثماني ركعات عملاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فهذا خير، وإن صلى عشرين ركعة عملاً بقول جمهور العلماء فهذا خير، وليحرص المسلم أن يستزيد من الطاعات في شهر رمضان المبارك قدر استطاعته مع مجاهدة النفس في هذا الموسم العظيم.

ثانياً: كيفية صلاة التراويح في البيت:

  1. تُصلَّى صلاة التراويح مثنى مثنى (يعني يُسلَّم من كل ركعتين) عند جماهير أهل العلم؛ لحديث عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم : "صلاةُ الليلِ مَثنَى مَثنى، فإذا رأيتَ أنَّ الصبحَ يُدركُك فأَوتِر بواحدةٍ، قال: فقيل لابن عُمر: ما مَثنَى مَثنَى؟ قال تُسلِّم في كلِّ ركعتينِ" (رواه البخاري ومسلم).
  2. يستحب في صلاة التراويح الجهر بالقراءة، قال الإمام النووي رحمه الله: "أجمع المسلمون على استحباب الجهر بالقراءة في الصبح والجمعة والعيدين والأولتين من المغرب والعشاء وفي صلاة التراويح والوتر عقيبها، وهذا مستحب للإمام والمنفرد" (النووي، التبيان: ص130،129).
  3. اتفق الفقهاء على مشروعية الاستراحة بعد كل أربع ركعات من صلاة التراويح، فقد كان السلف رحمهم الله يطيلون القيام والقراءة في التراويح ويجلس الإمام والمأموم للاستراحة بعد كل أربع ركعات؛ ولذا سميت صلاة التراويح بهذا الاسم (ابن حجر، فتح الباري: 4/294). ولم يثبت دعاء أو ذكر مخصوص في هذه الاستراحة، فقد يشغل هذا الوقت بالسكوت أو التسبيح أو قراءة القرءان (حاشية ابن عابدين: 2/46).

ويمكن استغلال وقت الاستراحة بموعظة خفيفة يلقيها الأب على أسرته، وهذا أمر فيه خير كبير؛ فهو يعزز القيم الإسلامية في الأسرة، ويقوي الترابط الأسري بين أفرادها، وفيه تربية وتعليم للأولاد وغرس للإيمان في قلوبهم، ويا لها من نعمة كبيرة أن ينشأ أولادنا على طاعة الله وعبادته، والالتزام بسنن النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً في هذا الشهر الفضيل.

السؤال الرابع والعشرون: هل ورد في القراءة في صلاة التراويح مقدار محدد ؟ وهل يجوز القراءة من المصحف أو الهاتف المحمول في صلاة التراويح ؟

أجيب على هذا السؤال من خلال الفرعين الآتيين:

أولاً: مقدار القراءة في صلاة التراويح:

         لم يرد في تحديد القراءة في صلاة التراويح مقدارها دليل عن النبي  صلى الله عليه وسلم ، فالأمر فيه واسع ولا حرج إن شاء الله تعالى، قال الإمام الشوكاني رحمه الله: "وَأَمَّا مِقْدَارُ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَلَمْ يَرِدْ بِهِ دَلِيلٌ ... فَقَصْرُ الصَّلَاةِ الْمُسَمَّاةِ بِالتَّرَاوِيحِ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَتَخْصِيصُهَا بِقِرَاءَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ " (الشوكاني، نيل الأوطار: 3/66).

         ولقد استحب الحنفية والحنابلة ختم القرءان الكريم في صلاة التراويح (حاشية ابن عابدين: 2/46؛ والبهوتي، كشاف القناع: 1/427)؛ وذلك حتى يسمع المصلون كل القرءان في شهر رمضان، فقد أنزل القرآن العظيم في هذا الشهر الفضيل، وكان جبريل عليه السلام يُدارِس النبي  صلى الله عليه وسلم  القرآن في شهر رمضان (مجموع فتاوى ابن تيمية: 23/123،122).

         والخلاصة يقرأ المصلي ما يشاء في صلاة التراويح، وإن صلى جماعة يراعي حال المصلين معه، فيقرأ بالقدر الذي يرغبهم في الصلاة ولا ينفرهم منها.

ثانياً: جواز القراءة من المصحف في صلاة التراويح:

         يجوز القراءة من المصحف في صلاة التراويح على قول جمهور العلماء، ولا حرج في ذلك؛ فقد ثبت أنَّ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كان يَؤُمُّها غلامُها ذَكْوانُ من المُصحَفِ في رمَضانَ" (رواه البخاري معلقاً)، وقال الإمام النووي رحمه الله: "لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مِنْ الْمُصْحَفِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ يَحْفَظُهُ أَمْ لَا، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَحْفَظْ الْفَاتِحَةَ كَمَا سَبَقَ، وَلَوْ قَلَّبَ أَوْرَاقَهُ أَحْيَانًا فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَبْطُلْ ... " (المجموع: 4/24).

         وكذلك يجوز للمأموم أن ينظر إلى المصحف، بحيث يتابع قراءة الإمام، ويُصحح للإمام إذا نسي أو أخطأ. فعن ثابت البناني قَالَ: "كَانَ أنس يُصَلِّي وَغُلَامُهُ يُمْسِكُ الْمُصْحَفَ خَلْفَهُ فَإِذَا تَعَايَا –يعني عجز ونسي  فِي آيَةٍ فَتَحَ عَلَيْه"(مصنف ابن أبي شيبة، 5/87: ح7300).

السؤال الخامس والعشرون: ما هو البديل لعبادة الاعتكاف في زمن إغلاق المساجد ؟

         الاعتكاف شرعاً هو المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى، ومن شروطه أن يكون في مسجد، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف في غير مسجد، قال تعالى: "وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ" (البقرة:187)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "وإن كان رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  لَيُدْخِلُ عليَّ رأسَه وهو في المسجِدِ، فأُرَجِّلُهُ يعني أمشط شعره ، وكان لا يدخُلُ البيتَ إلَّا لحاجةٍ، إذا كان مُعتَكِفًا" (رواه البخاري ومسلم).

وأجاز الحنفية–خلافاً للجمهور  للمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها (يعني: موضع صلاتها من بيتها)، وهو أفضل من خروجها إلى المسجد؛ حيث صلاتها في بيتها أفضل بحسب الأصل (حاشية ابن عابدين، 2/441).

         والسؤال هنا: إذا أغلقت المساجد، ما هو البديل لعبادة الاعتكاف في رمضان؟

والجواب: إنَّ البديل للاعتكاف هو أن يحيى المسلمون ليالي العشر الأواخر من رمضان في بيوتهم بالقيام والذكر وتلاوة القرآن وغيرها من أوجه الطاعات، فقد كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يجتهد في العشر الأواخر من رمضان اجتهاداً حتى لا يكاد يُقدَر عليه، فعَنْ عَائِشَة رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ" (رواه مسلم).

         وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ" (رواه البخاري ومسلم). قال الإمام النووي رحمه الله: "اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى (شَدَّ الْمِئْزَرَ)، فَقِيلَ: هُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَاتِ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهِ  صلى الله عليه وسلم  فِي غَيْرِهِ، وَمَعْنَاهُ: التَّشْمِيرُ فِي الْعِبَادَاتِ، يُقَالُ: شَدَدْتُ لِهَذَا الْأَمْرِ مِئْزَرِي، أَيْ: تَشَمَّرْتُ لَهُ وَتَفَرَّغْتُ. وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اعْتِزَالِ النِّسَاءِ لِلِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَاتِ. وَقَوْلُهَا: (أَحْيَا اللَّيْلَ) أَيِ: اسْتَغْرَقَهُ بِالسَّهَرِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. وَقَوْلُهَا: (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ: أَيْقَظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ وَجَدَّ فِي الْعِبَادَةِ زِيَادَةً عَلَى الْعَادَةِ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُزَادَ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَاسْتِحْبَابُ إِحْيَاءِ لَيَالِيهِ بِالْعِبَادَاتِ" (شرح النووي على مسلم: 8/250).

         ومما يُبيِّن فضيلة قيام العشر الأواخر من رمضان، حديث أَبي هُرَيرَة  ، أنَّ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قال: "مَن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه" (رواه البخاري ومسلم).

         وإنَّ ليلة القدر المباركة هي إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان التي يسن الاجتهاد فيها في العبادة؛ لتحصيل عظيم أجرها، فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ  ، أنَّ رسولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  قال: "فالتَمِسوها –أي ليلة القدر  في العَشرِ الأواخِرِ، والتَمِسوها في كُلِّ وِترٍ" (رواه البخاري ومسلم).

         وقد بيَّن الله  فضيلة ليلة القدر، فقال سبحانه: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ" (القدر:3). وعَنْ أَبي هُرَيرَة  ، أنَّ النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قال: "مَن قامَ ليلةَ القَدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه" (رواه البخاري ومسلم).

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

والصلاة والسلام على سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم  وعلى آله وصحبه أجمعين

والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

كتبه راجي رحمة الغفور/

د. محمد رفيق مؤمن الشوبكي

                                                              5 رمضان 1441هـــ

                                                                   27 إبريل 2020م

للحصول على نسخة pdf

https://drive.google.com/file/d/1GfLgGzSE7B au75XTeB9C0Y8kNROLG5a/view?usp=sharing