20200905 خواطر صيف6 إزالة الصورة من الطباعة

خواطر صيف6 ظلال يهودية غادرة

مخلص برزق

حانت الفرصة لكشف حقيقتهم وفضح ما تكنّه نفوسهم، فما بَدَر عنهم من تواصل آثم مع كفّار قريش عقب غزوة بدر لم يكن خافياً على المسلمين، وكانت ردود أفعالهم تتّسم بالشَّماتة والتَّشفِّي من المسلمين عقب غزوة أحد وحادثة الرَّجيع وبئر معونة، فقصدهم النَّبي صلّى الله عليه وسلّم مصطحباً معه ثلّة من أصحابه وخواصِّه كان منهم الصّدِّيق والفاروق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً، وطالب بني النَّضير المشاركة في دية قتيلين من بني عامر كتطبيقٍ عمليٍ لبنود الوثيقة النّبوية التي نظَّمت علاقتهم بالدّولة الإسلامية، وهو هنا أراد أن يضعهم أمام مسؤولياتهم، فلم يكن أمراً صعباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع الدّية بدونهم.

كان مجيئه مفاجئاً لهم، فأمثالهم لا يُرجَى منهم خيرٌ ولا معروف، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم بذلك، غير أنَّهم رحَّبوا به ترحيب صيّادٍ رأى فريسته التي طاردها طويلاً توشك أن تسقط في شباكه.

قالوا له بخبثٍ لا يخفَى: نعم يا أبا القاسم، نُعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض، وتناجوا نجوى السوء، فقالوا: إنّكم لن تجدوا الرّجُل على مثل حاله هذه فمَنْ رَجُلٌ يعلو على هذا البيت، فيُلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟

كان الفصل صيفاً، وتحديداً في شهر آب (أغسطس) الذي يطيب للبعض تسميته "آب اللهّاب"، وهو ما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزوي عنهم ويأوي إلى الظلّ مستنداً إلى جدار بيتٍ من بيوتهم، لكنّه كان ظلاًّ يهوديّاً غادراً، فما لبث أن أتاه جبريل عليه السَّلام - الذي يجاهرون ببغضه وعداوته- فأنبأه بكلّ الكيد الذي دبَّروه وأضمروه، فقام مسرعاً وقفل راجعاً إلى المدينة، وأُسقط في أيديهم، فما لبث أن عاد النّبي صلّى الله عليه وسلّم إليهم بجيشه ليؤدِّبهم ويجازيهم على جريمتهم النّكراء، وبذلك انطوت صفحتهم بعد أن غزاهم وكافأهم بتلك الظِّلال الغادرة ناراً أحرقت نخيلهم بأمرٍ من الله تعالى، احترقت لها قلوبهم واشتعلت رعباً فنزلوا على حكمه صاغرين وخرّبوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين جزاءً وفاقاً. وازداد غمُّهم غمّاً بنكث ابن سلول وّعْدَه لهم بالقتال معهم، ونصرِهِم، والخروج معهم -إن هم أُخرجوا من ديارهم- وذلك بعد أن أوحَى لهم أنَّهم لن يُضاموا ما داموا في حِلفِه ويستظلُّون بظلِّه، وما هي إلا أن أخرجهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ديارهم إخراجاً رُغما عنه وعنهم، وطردهم شرَّ طِردة إلى خيبر والشام.

غير أنَّ أولئك الذين جُبلت نفوسهم على الغدر والخيانة وسوء الطوِيَّة، لم يكونوا ليتَّعظوا من الذي أصابهم، فقد تكرّرت فعلتهم الخبيثة حين تسلّل زعيمهم حييّ بن أخطب واندسّ بين يهود بني قريظة يحرِّضهم على نكث العهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أن نجح في تأليب الأحزاب وجمعهم على حرب المسلمين.

عاد إلى المدينة وعادت معه ظلالهم الغادرة، فكانت الشَّهادة نصيباً للصّحابيّ الجليل خلاّد بن سويد بسببها، فقد قُتل يوم بني قُرَيظة شهيدًا، حين طُرحَتْ عليه رَحَى من أطمٍ من آطامها، فشدخَتْ رأسه ومات، ولم تنجُ اليهوديّة القاتلة التي ألقت الرحى عليه من القصاص، فقد سيقت مع من سيق من يهود بني قريظة يتقدّمهم ابن أخطب رأس الغدر والخيانة إلى مصيرهم المحتوم.

وجاءت البشارة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أم خلاّد بقوله لها: "ابنكِ له أجرُ شهيدين. قالت ولم ذاكَ يا رسول اللَّه؟ قال: لأنّه قتلهُ أهلُ الكتاب".

ولم تنته ظلال الغدر من أولئك الذين يجري الغدر ونكث العهود مجرى الدَّم في عروقهم، ففي صيفٍ خيبريٍّ قائظ، وخلال حصار المسلمين لحصن النّطاة، اشتدّ الحرّ على محمود بن مسلمة رضي الله عنه، وكانت عليه أداته الحربيّة، فجلس تحت حصن "ناعم" وهو أحد حصون خيبر، يبتغي الفيء عنده، ولم يكن يظنّ أنَّ فيه أحداً من المُقاتلة، وإنَّما ظنَّ أنَّ فيه أثاثاً ومتاعاً، فدلّى عليه "مرحب" اليهودي رَحىً فأصاب رأسه، فهشَّمته حتّى سقطت جلدة جبينه على وجهه، وخرجت عينه، وأُتي به رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم - فرَدَّ الجلدة وعصبها بثوب فرجعت كما كانت‏.‏

لم يطل الوقت حتى بشَّر النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الصّحابي محمّد بن مسلمة -رضي الله عنه - بقوله: ‏‏"أبشر يا محمَّد بن مسلمة‏!‏ غداً إن شاء الله تعالى يُقتلُ قاتل أخيك، وتُولِّي عَادِيةُ يهود". ‏[‏العادية:‏ أوَّل من يعدو إلى القتال من الرَّجَّالة والفرسان‏]‏. فلمَّا قُتِل مرحب على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعث رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم - جعيل بن سراقة الغفاري يبشِّر محمود بن مسلمة بقتل قاتله.‏ فسُرَّ بذلك، ومات في اليوم الذي قتل فيه مرحب، بعد ثلاثٍ من سقوط الرَّحى عليه‏.‏

كان فتح خيبر من أعظم أيّام الله، فلم تَقم لليهود بعده قائمة، إلى أن عادوا بعد قرابة الألف وأربعمائة عام ليغتصبوا أرضنا المباركة ويدنِّسوا المسجد الأقصى صيف 1967، وحينها سارعوا إلى الزَّعم كذباً وزوراً بأنَّهم أمناء على الأماكن المقدَّسة مادامت تستظلّ بحكمهم الذي فرضوه عليها.

لم يكن غريباً في مثل ذلك الحال البائس الذي انتزع فيه الأقصى من الظِّلال الوارفة للحكم الإسلامي التي أَظَّلتهُ دهراً من الزَّمان، ليقع تحت هجير ظلالٍ حارقةٍ ليهود. لم يكن غريباً أن تلسعه ألسنة اللّهب الغادرة لتحرق منبر صلاح الدّين، أيقونة انتصار المسلمين على الصليبيّين. إنّها الظِّلال الحارقة التي أضرمت النيران فيه يوم 21 أغسطس 1969 لتعيد سيرة الغدر القينقاعيّ النَّضري القُرظيّ الخيبريّ. نيرانٌ لن تطفئها إلا عزمات رجالٍ أولو بأسٍ شديدٍ يقتفون أثر نبيِّهم في اجتثاث شأفتهم، وإزالة علوِّهم وإفسادهم، وإطفاء نيرانهم التي أوقدوها.