20200909 خواطر صيف11 إزالة الصورة من الطباعة

خواطر صيف11 الصيف في الأمثال

مخلص برزق

لا يغيب الصَّيف عن أمثالنا وحكاياتنا الشعبيّة، والإبحار في تلك الأمثال يأخذك في رحلة ماتعةٍ تُدخلك آلة الزَّمن لتتعرّف على انطباعات الأجيال السابقة حيال التغيُّرات المناخيّة والطبيعيّة التي كانت تمرُّ بهم، حيث لا تملك حيالها إلاَّ أن تعقد مقارنةً بين ردود أفعالهم وردود أفعالنا تجاه تلك التّغيّرات.

المزعج في هذا الأمر أنّك إن أردت أن تجمع الأمثال المتعلِّقة بالصَّيف من بين كَمٍّ هائلٍ من أمثالِ الشُّعوب المختلفة الأعراق والثَّقافات، فإنَّك ستضطرُّ إلى دخول ما يمكن تشبيهه بقبوٍ تاريخيٍّ يحوي مقتنياتٍ قديمةٍ جداً يعلوها نسيج العنكبوت مع كميّةٍ كبيرةٍ من الغُبار، وأحياناً السُّخام.

فالحقّ أنَّ التَّعامل مع الأمثال يستدعي الحذر الشَّديد، فبعضها يمكن تصنيفه على أنَّه شديد السُّمِّيَّة لما فيه من دلالاتٍ ومعانٍ فاسدةٍ تهدم الأخلاق والقيم والمروءة والبنيان الاجتماعي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يصدمنا المثل البائس الذي ما يزال يتكرَّر على ألسنة البعض كلَّما حصل اختلافٌ بسيطٌ بين الأرحام بالقول: صدق المثل القائل: "الأقارب عقارب" ولا والله ما صدق، أو ذلك المثل الجاهليّ الذي يتشبَّث به أكثر المنتسبين للقرن الحادي والعشرين: "وما أنا إلا من غزيّة إن غَوَت غَويتُ، وإن تَرشدْ غزيَّة أرشُدِ"، فضلاً عن الكثير من الأمثال التي تخوض في الأعراض وتستخدم الألفاظ السُّوقيّة البذيئة الرَّخيصة، وتقدِّم سوء النِّية، مغلَّفة بهمزٍ ولمز، ممّا ينفر منه الطَّبع السَّليم والفطرة السَوِيّة.

أنت بحاجة إلى إزالة كلّ هذه "الأوساخ" من طريقك كي تصل إلى الدُّرر المكنونة، والكنوز المدفونة، التي لن تخطئ بريقها من بين الرُّكام، في أمثالٍ عبقةٍ بالحكمة والإلهام، والمعاني النَّبيلة، والتَّجارب النَّافعة. ولأنَّ ما يعنينا هنا هو فصل الصَّيف فلا أبالغ إن اعتبرت أنَّ المثل: "الصَّيف ضيّعتِ اللبن" ويروى أيضاً بصيغة: "في الصَّيف ضَيَّعْتِ اللَّبَن"، هو أشهر مثلٍ عربيٍّ مرتبطٍ بالصَّيف، ويُضرَب لكلِّ من يُضيِّعُ ما بيديه مِنْ خيرٍ طمعًا في غيرِه، وبطرًا بالّنعم وجَهلاً بقيمة ما يملكه من مُتاحِ النّعَم، أو الذي يطلب شيئاً كان قد فوَّته على نفسه.

والمتأمِّل بذلك المثل الغامض يصاب بالإحباط عندما يقرأ شرحه ومنشأه، فالصَّيف هنا لا ناقة له ولا جمل، سوى أنَّ "فلانة بنت فلان" -وأجزم هنا بأنَّ معرفة اسمها لا يهمّ في شيء- كانت قد تزوّجت "فلانُ ابن فلان"، ويقال أنَّه ابن عمها، ولا أرى أيضاً أنّ ذلك يهمّ كثيراً، وبعدما أسنّ زوجها وأصبح عجوزًا، وكان أكثر قومه مالاً وأعظمهم شرفًا، وكان رجلاً كبيرًا وشهمًا كريمًا، يُغدِق عليها طعامًا وشرابًا ولبنًا سائغًا للشَّاربين، لكنّها كرهت شيخوخته، فأخذت تُؤذيه وتُسمعُه ما يكره وتَهجُرُه، حتَّى طلّقها. ثم تزوَّجها فتىً جميل الوجه، وحدث أن أجْدَبَتْ ديارها فبعثت إلى طليقها تطلب منه حَلُوبة، فَقَال: "في الصَّيف ضيعتِ اللَّبن". أيّ أن طلاقها الذي وقع في فصل الصَّيف ضيَّع عليها فرصة الحصول على اللَّبن!! وراحت تلك القصَّة السَّاذجة مثلاً أقحم فيه الصَّيف إقحاماً!!

تلك امرأة ضيَّعت شربة لبن لتفريطها بزوجها العجوز مقابل شابٍّ ملأ عليها حياتها، وجعلها العرب مضرب مثل في التَّفريط!! وقومنا ضيَّعوا المسجد الأقصى والأرض المباركة، وانتكبوا وانتكسوا وارتكسوا، فلا أجد أحداً أحقّ بهم بضرب المثل بالتَّفريط وتضييع الغالي والثَّمين، وإنَّني هنا أسجِّل ولادة مثلٍ جديدٍ من أمثال الصّيف يناسب واقعنا الحالي: "يا حيف على اللّي، لا للسِّيف ولا للضِّيف وضيّعوا الأقصى في الصّيف.

على نطاقي الشخصي فإنَّني أميل إلى استخدام الأمثال التي يترتّب عليها فعلٌ مفيد، ومن ذلك بعض النَّصائح الصحيَّة المرتبطة بالتقلُّبات الجويّة، كقولهم "الدَّفا عَفا ولو في عزّ الصِّيف"، أيّ أنَّ "الدِّفْء" يجلب العافية ويحافظ عليها، على عكس البرد الذي يعتبر أساسًا لكلّ علّة. إنَّه المثل الذي يطيب لي ضربه للآخرين كلَّما لسعني برد الشِّتاء المزعج، والذي حاولت عمري كلّه أن أقنع نفسي بإمكانيّة التَّأقلم معه دون جدوى! والأمر لا يقف عند ذلك، فقد قيل: "بَرْد الصَّيف أَحَدّ مْن السّيف"، وذلك لأنَّ البرد خلال فصل الصَّيف يؤدِّي إلى وقوع الأمراض، فإن كان المثل يقول: "اسأل مجرِّب ولا تسأل طبيب"، فقد عاينت بنفسي أنَّ الرَّشح والزّكام في الصَّيف أشدّ وطأةً على النَّفس، وأطولُ أمداً وأصعب شفاءً منه في الشِّتاء.

وكي لا يختلط الأمر على البعض بشأن البرد في فصل الصَّيف، فالتَّحذير من البرد عادةً ما يأتي أواخر الصَّيف، وفي اللّيل على وجه الخصوص، حيث يكون ضرره شـديد، وعاقبـته سـيِّئة، ويستوجب التَّحوّط والعناية بالأطفال منه بوجه خاصّ.

ولأنَّ الاعتدال محمودٌ في كلِّ الأمور، والوسطيّة مطلوبة دائماً، فلا يسَعُ أنصار الحرّ أن يدافعوا عنه وقت ذروته، وحتّى جماعة "الدَّفا عفا" -وأنا منهم- سيقولون لك وقتها: "شَمْس الصَّيف أَقسَى مِن بَرْدِ الشِّتَا"، ذلك أن النَّتائج السَّلبية للتَّعرض لها قاسية جدّاً، ما يجعلك تقول: "الصَّيف حَرِيقْ وِالشّتَا غَرِيقْ"، وهو مثلٌ يُضربُ للإعراب عن التَّذمر من فقدان التَّوازن، أو الاعتدال بين الحالة الجويّة صيفًا وشتاءً في بعض المناطق، إذ يكون الطقس متطرّفًا في حرّه وفي مطره. ويقال بلهجة أخرى: " بِالصَّيف مُحْرَاقَة وبالشِّتَا مُغْراقَة". ورغم قول بعضهم: حزيران وتمّوز وآب، ثلاثة أشهرٍ فيها العذاب، إلاَّ أنَّني وقفت على الكثير من التَّغريدات في وسائل التَّواصل الاجتماعي فيها من صوَر العنب والتِّين الشَّهي ما يأخذ بالألباب مع عبارة: "كرمال هالعِنَبَات والتِّينات غفرنا ما فعله حرّ الصَّيف فينا". فالثِّمار لا تنضج إلاَّ بحرارة الصَّيف، ولذلك قيل: "في تمُّوز أُقطُف الكوز"، و"آب اللّهَّابْ، بيجيب الخُضْرَة لَعِنْدِ الباب". ومثله أيضاً: "آب طَبَّاخ او صَبّاغِ العِنَبْ والتِّين"، فهو يطبخ هذه الثِّمار بحرارته المرتفعة وينضجها، فيقال:" في آب أُقْطُفِ العِنَبْ ولاَ تْهَابْ"، وقالوا: "أُدخُل الكَرْمْ ولَا تْهَاب"، ويُضرب لبيان أن العنب يتمّ نضجه في شهر آب بشكلٍ عام. وبما أنَّنا ذكرنا التِّين فإنَّ من الأمثال الصَّيفيّة: "متى صارت ورقة التِّين قد إجر (رِجْل) البطَّة نام ولا تتغطّى".

ولأنَّ نهار الصَّيف طويل مع شدَّة الحرارة فيه فقد قيل: "الصّوم بالصَّيف مثل الجهاد بالسّيف"، ذلك أنّ الصّوم في أيّام الصَّيف شديدة الحرارة، مع ما يتحمّله الصّائم من شدّة العطش وطول النَّهار، كلُّ ذلك من شأنه أن يضاعف أجر الصَّائم فيه ليصبح كأجر المجاهد في سبيل الله، على قاعدة أنَّ "الأجر على قدر المَشَقَّة".

وكي لا يظُننَّ ظانٌّ أنَّ أسهم الشِّتاء تتغلّب على أسهم الصَّيف، فمن الأمثال التي تُنْصف الصَّيف وترفع أسهمه عالياً قولهم: "الصَّيف أبو الفقير"، ففيه تكثر الخيرات من المحاصيل الزراعيّة والخضروات والفواكه والثِّمار بأنواعها العديدة، والتي عادةً ما تكون متوفِّرةً بأسعار زهيدةٍ ومناسبة، يستطيع الفقير شراءها وتناولها، كما أنَّ الفقير في الصَّيف لا يحتاج إلى الملابس الصُّوفيَّة السميكة التِّي يغلب عليها ارتفاع أثمانها وليس بمقدوره شـراؤها، وهو كذلك لا يحتاج أيضاً إلى وسائل ومستلزمات التَّدفئة المكلِفة مادِّياً في معظم الحالات. إضافةً إلى أنَّ طول نهار الصَّيف يساعد على إتاحة فرص عملٍ أكثر من الشِّتاء بنهاره القصير وأيَّامه الممطرة الباردة.

ولأنَّ الصَّيف هو شهر الإجازات، فالشُّعور الغالب لدى الكثيرين أنَّ عمره قصير قصير، وأنَّه ما أن تدخل أيَّامه، إلاَّ ويبدأ بعدها بلملمة ما تبقّى منها ثمّ يرحل، ولذلك قيل: "الصَّيف ضيف"، فإقامته لا تدوم طويلاً، تماماً كالضَّيف الذي يمكثُ قليلاً ثمَّ لا يلبث أن يغادر ويرحل، حتّى أنَّ البعض يُجزم بأنَّه أقصر فصول السَّنة، فيقولون: "الصَّيف عمرو قصير"، ويُعزى قصره إلى تداخله مع فصلي الرَّبيع والخريف، فكثيراً ما تدهمُهُ أمطارٌ متأخِّرة في شهر حزيران، ويسود البرد بعض أيَّامه خاصَّة الأيَّام الأولى منه. كما ويبدأ انخفاض درجات الحرارة -خاصَّة في اللّيل- مع أواخر شهر أيلول، والتي عادةً ما تتخلَّلها الأمطار، ولذلك يقال: " أيلول.. ديلوا بالشِتي مبلول"، أو "ذيله ودنبه" حسب اللّهجات، ومن تجربتي المتواضعة، فمذ سمعت بهذا المثل وأنا أراه واقعاً مع نهاية كلّ أيلول.

والصَّيف يحشر نفسه حشراً في لهجات معظم الدُّول الخليجيّة بقولهم: "صيَّفتَ"، بمعنى قد تأخَّرت، وفلانٌ صيَّف أيّ تأخَّر، والجماعة صيَّفوا أي تأخَّروا. وهو استخدامٌ يعرفه جيّداً طلاَّب المدارس الذين يُدمنون التَّأخّر عن "طابور الصَّباح".

ولعلّ من أكثر العبارات استخداماً وشهرةً على نطاقات واسعة، تشمل العلاقات الاجتماعيَّة بين الأفراد، وصولاً إلى العلاقات الثُّنائيَّة بين الدُّول، قولهم: "سحابة صيف" أو "غيمة صيف" أو "برق صيف"، ويقال أيضاً: "مطر صيف". وذلك للتَّقليل من خطورة حصول خلافٍ استثنائي، واعتباره حدثاً عرضياً لا يدوم ولا يتكرَّرُ كثيراً، وأنَّه لا يفسد للودِّ قضيّة. بالنِّسبة لي فالجيِّد في الأمر هنا أنَّهم عبَّروا عنها بسحب صيفٍ، وغيوم صيفٍ، وأمطار صيف، وليس "خواطر صيف"!!

والحقّ أنَّنا ونحن نشهد تهافتاً غير مسبوقٍ على التَّطبيع مع الكيان الصّهيوني ممَّن في قلوبهم مرض، بتنا نخشى أن تطلع علينا وسائل إعلامهم الخبيثة المضلِّلة بالقول إنَّ كلّ الذي كان بينهم وبين الكيان الصّهيونيّ، لا يعدو كونه مجرّد سحابة صيف!!