بيت المقدس وما حوله

العدد: 4

بيت المقدس وما حوله بسم الله الرحمن الرحيم محتويات الكتاب افتتاحية مقدمة المَبحَث الأول بركة أرض بيت المقدس وما حوله معنى البركة بركة أرض بيت المقدس الحسية البركة المعنوية لأرض بيت المقدس وما حوله أولاً/ منشأ البركة المعنوية لأرض بيت المقدس وما حوله 1- أرض بيت المقدس مبعث الأنبياء ومهبط الملائكة 2- أرض فلسطين معدن الأنبياء وعشهم الذي يرقدون فيه 3- أرض فلسطين أرض المحشر والمنشر ثانياًَ: آثار البركة المعنوية لأرض بيت المقدس وما حوله 1- أرض فلسطين عقر دار الإسلام يوم اشتداد المحن والفتن 2- المقيم المحتسب في أرض فلسطين كمجاهد في سبيل الله 3- أهل الشام هم الطائفة المنصورة التي ينتقم الله بها من أعدائه المبحث الثاني قدسيَّة أرض بيت المقدس وما حوله معنى القدسية ................................. أولاً: منشأ قدسية أرض بيت المقدس وما حوله 1- أرض فلسطين أرض المسجد الأقصى 2- حقيقة المسجد الأقصى ومعالم الرباط فيه 3- أرض فلسطين أرض الصخرة المشرفة ثانياً: أثر قدسية أرض بيت المقدس وما حوله 1- أرض بيت المقدس لا تقبل شركاً ولا ظلماً ولا عدواناً 2- إن الدجال لا يدخل بيت المقدس المبحث الثالث إسلاميّة أرض بيت المقدس وما حوله منشأ ارتباط أرض بيت المقدس بالإسلام 1- بيت المقدس قبلة الرسول  منذ البعثة 2- أرض بيت المقدس أرض الإسراج والمعراج 3- فتح بيت المقدس وما حوله حكم الأرض المفتوحة عنوة أو صلحاً عند فقهاء المسلمين استمرار صفة الإسلامية على أرض فلسطين بعد الاغتصاب آثار الفتح الإسلامي لفلسطين أولاً المكانة التي تمتع بها المسجد الأقصى في الإسلام أ- الأحكام الخاصة بالمسجد الأقصى 1- استحباب زيارته وشد الرحال إليه 2- فضل الصلاة في المسجد الأقصى حكم زيارة بيت المقدس وما حوله بتأشيرة إسرائيلية 3- استحباب الإحرام من المسجد الأقصى بالحج والعمرة 4- تضاعف فيه السيئات كما تضاعف الحسنات 5- فضل مجاورة المسجد الأقصى ب- عمارة بيت المقدس ومسجد الصخرة وعناية الخلفاء بهما ثانياً: استقرار الحياة العامة في بيت المقدس وما حوله في ظل الحكم الإسلامي المبحث الرابع: معالم التهويد لبيت المقدس وما حوله والاعتداءات الصهيونية المطلب الأول: وسائل الاحتلال وسياساته في مجال تهويد الأرض المطلب الثاني: وسائل الاحتلال وسياساته في مجال تهويد السكان المطلب الثالث: وسائل الاحتلال وسياساته في مجال المقدسات الإسلامية والمسجد الأقصى. المبحث الخامس: واجب الأمة تجاه بيت المقدس وما حوله المطلب الأول: واجب الحكام تجاه القدس. المطلب الثاني: واجب العلماء والدعاة والخطباء تجاه القدس. المطلب الثالث: واجب الشعوب العربية والإسلامية تجاه القدس. المطلب الرابع: واجب الإعلاميين تجاه القدس. الخاتمة المراجع والمصادر بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الخاصة بهيئة علماء فلسطين في الخارج الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين... أما بعد: فقد مضى على طباعة هذا الكتاب في طبعته الأولى في مكتبة الفلاح بالكويت حوالي أربع وعشرين سنة، حيث طَبعَ منه صاحب المكتبة عام (1987م) ثلاثة آلاف نسخة، ولم تمض على هذه الكمية عدة شهور حتى نفذت، وذلك لأن الكتب في القضية الفلسطينية من المنظور الإسلامي كانت قليلة، أو تكاد تكون معدومة، وأغلب ما هو موجود في هذا المجال كان مكتوباً بروح قومية بحتة؛ ولهذا كثر الطلب على هذا الكتاب فقد كانت المراكز الإسلامية في الغرب تطلب منه كميات كبيرة، فبعضها يطلب ألف نسخة دفعة واحدة، وبعضها يطلب خمسمائة. فعرض عليَّ صاحب المكتبة طباعة عشرة آلاف نسخة في الطبعة الثانية؛ فوافقت على ذلك، لحاجة الناس إليه في ذلك الوقت، وبفضل الله تعالى انتشر هذا الكتاب في الشرق والغرب، وكُتب له القبول بين الناس. وأذكر أن أحد القراء في الغرب بعث برسالة بريدية إلي يشكرني فيها على كتابة هذا الكتاب، ويذكر فيها: لقد تلقفت هذا الكتاب، وقرأته بكامله ، ثم عُدت إليه مرة ثانية فقرأته بكامله في الليلة نفسها. وبعد اتفاقية السلام التي عقدت في (أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين سنة: (1993م) خف الطلب على هذا الكتاب، وذلك لأن بعض الناس عاشوا في حلم السلام ووهمه، ولكن بعد سنوات قليلة من عملية السلام ظهرت الحقيقة، وصحا الناس من نومهم، وظهر للقاصي والداني أن عملية السلام مع الصهاينة هي حلم، وعبث، ومضيعة للوقت وازداد الطلب على هذا الكتاب، فطلبت دار النفائس بالأردن إعادة طباعة الكتاب للمرة الثالثة في سنة (2004م). وفي عهد المفاوضات غير المباشرة، وفي حالة الهوس الفلسطيني الرسمي بالمفاوضات، وتمثل هذا الهوس في ظهور كتاب بعنوان: "الحياة مفاوضات" لأحد المفاوضين الفلسطينيين، وتضمن هذا الكتاب حصر المعركة مع الصهاينة المحتلين في المفاوضات، وضرورة محاصرتهم بطاولة الحوار، وفي غمرة هذه المفاوضات قل اهتمام الفريق المفاوض بقضية القدس التي تتعرض لأشرس هجمة صهيونية صليبية من تهويد، وطمس للآثار الإسلامية فيها، وهدم لبيوت الفلسطينيين المقدسيين، وازدياد في بناء المغتصبات الصهيونية، وطرد للمقدسيين. لهذه الظروف التي تمر على بيت القدس والمسجد الأقصى وغيرها صارت الحاجة لهذا الكتاب شديدة؛ ومما يؤيد ذلك أن لجنة الدراسات والبحوث في هيئة علماء فلسطين في الخارج سنة (2010م) طلبت مني إعادة طباعة هذا الكتاب، مع إضافة ما استجد على قضية بيت المقدس، وبخاصة ما يتعلق بحدود المسجد الأقصى المبارك، وأن المصلى المرواني وحائط البراق جزءان لا يتجزءان من هذا المسجد. وبيان ما تتعرض له مدينة بيت القدس والمسجد الأقصى، والمقدسات الإسلامية فيها وبخاصة مقبرة "مأمن الله" التي تحوي رفات مئات الآلاف من الصحابة والعلماء والمجاهدين من مخاطر التهويد والهدم والإزالة. وبيان واجب الأمة تجاه مدينة القدس والمسجد الأقصى. ونزولاً عند هذا الطلب استجبت له، ودعوت الله تعالى أن يعينني على الوفاء بهذا الطلب. ولهذا جاءت هذه الطبعة بزيادات جوهرية على ما في الطبعات السابقة ومن ذلك: 1- بيان حدود المسجد الأقصى المبارك. 2- حكم زيارة بيت المقدس وما حوله بتأشيرة إسرائيلية. 3- بيان ما يتعرض له بيت المقدس وما حوله من تهويد واعتداءات صهيونية. 4- بيان واجب الأمة تجاه مدينة القدس والمسجد الأقصى. هذا بالإضافة إلى أن هذه الطبعة تضمنت بعض الصور التوضيحية للآثار الإسلامية الموجودة في القدس والمسجد الأقصى المبارك، كما تضمنت سرداً زمنياً لأبرز الاعتداءات والانتهاكات الصهيونية لبيت المقدس وما فيه من المعالم والآثار الإسلامية في الفترة ما بين (7/6/1967م–أخر شهر ديسمبر2010م). وقد استدعت هذه الإضافات الجوهرية تغييراً في عنوان الكتاب ليصبح: " بيت القدس وما حوله: خصائصه الشرعية، والأخطار التي تواجهه، وموقف الأمة منها". وبناء على ذلك سوف اقسمه إلى خمسة مباحث، وهي: المبحث الأول: بركة أرض بيت المقدس وما حوله المبحث الثاني: قدسية أرض بيت المقدس وما حوله. المبحث الثالث: إسلامية أرض بيت المقدس وما حوله. المبحث الرابع: معالم التهويد لبيت المقدس وما حوله والاعتداءات الصهيونية. المبحث: الخامس: واجب الأمة تجاه بيت المقدس وما حوله. الأستاذ الدكتور محمد عثمان شبير رئيس قسم الفقه والأصول السابق في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ونائب رئيس هيئة علماء فلسطين في الخارج بسم الله الرحمن الرحيم افتتاحية الطبعة الأولى الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد .. فإنّ الله فضّل بقاعاً اختصها بتشريفه وتعظيمه، وجعلها مواطن للعبادة والطاعة، تضاعف فيها الحسنات وتنمو بها الأجور، وأخبرنا بذلك على ألسن رسله وأنبيائه لطفاً بعباده، وتسهيلاً لطرق الخير والسعادة لهم، وأفضل هذه البقاع هي مكة المكرمة، والمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وبيت المقدس . فمكة المكرمة أرض بيت الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وجعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا، وقال  يوم فتح مكة فيها: (إن هذه البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإن لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يُختلى خلاه فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر ، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر))، أخرجه البخاري ومسلم ، وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه قال: (( رأيت رسول الله  واقفاً على الحزورة ويقول: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت.)) أخرجه الترمذي وأما المدينة المنورة فقد بناها يثرب بن مهلائل الذي ينتسب إلى العمالقة هاجر إليها رسول الله  لإقامة دين الإسلام بها، وبنى مسجده فيها، وكان ملحده الشريف في تربتها، وقال  فيها: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها –في رواية دعا لأهلها -، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة))، أخرجه البخاري ومسلم وأما مدينة بيت المقدس فقد بناها اليبوسيون في حدود سنة (3000 ق.م) وأطلقوا عليها اسم ((يبوس)) نسبة إلى جدهم الأول الذي ينتمي إلى الكنعانيين الذين هاجروا من الجزيرة العربية واستوطنوا فلسطين في حوالي سنة (4000 ق.م) وفيها المسجد الأقصى الذي هُيء للعباءة بعد المسجد الحرام بأربعين سنة كما ثبت في الحديث ، وهي مهبط الملائكة، ومبعث الأنبياء، ومزارهم ومدفنهم، وهي معراج الرسول  إلى السموات العلى. وتعتبر مدينة بيت المقدس أهم مدن فلسطين، فهي بمثابة القلب من الجسد، وهي أم المدن الفلسطينية وقراها. قال ابن الأثير في تحديد بقعة فلسطين: "كورة معروفة ما بين الأردن وديار مصر وأم بلادها بيت المقدس" ، أي أن مدن فلسطين كلها تبع لبيت المقدس وفرع عنها، وهي أصل البلاد وليس لها في المدن الفلسطينية عديل: كما يقال عن مكة أم القري، وعن سورة الفاتحة أم القرآن. وقد ثبتت لبيت المقدس وما حوله خصائص عامة وأحكام خاصة في القرآن والسنة: بعضها متناثر في كتب الفقه والأحكام وكتب التفسير، وشروح الأحاديث، وبعضها جمع في كتاب مستقل، لكن يعوزه التحقيق والتخريج لكثير من الأحاديث والآثار، كما يعوزه التحقيق العلمي للمسائل الفقهية التي وردت فيه، فقمت بهذا البحث قاصداً أمرين: الأول: إبراز خصائص بيت المقدس وما حوله بصورة واضحة وجلية معتمداً على ما صح من الأحاديث والآثار، لتكون باعثاً قوياً لنفوس المسلمين على التعلق القلبي ببيت المقدس وما حوله، ودافعاً حقيقياً للشعور بمسئولية التحرير الكامل لأرض فلسطين. والثاني: التحقيق العلمي في المسائل والأحكام الفقهية الخاصة ببيت المقدس ليكون المسلم على بصيرة من أمره حينما يسمع بحكم أو ينوي تطبيق حكم منها، ومن هذه الأحكام: 1- حكم الأرض المفتوحة عنوة أو صلحاً. 2- استمرار صفة الإسلامية على أرض فلسطين بعد الاغتصاب. 3- حكم زيارة المسجد الأقصى وشد الرحال إليه. 4- فضل الصلاة في المسجد الأقصى. 5- حكم الإحرام من المسجد الأقصى بالحج أو العمرة. 6- حكم اقتراف السيئات في الحرم القدسي. 7- فضل المجاورة للمسجد الأقصى. وقد تناولت بالشرح والتحليل ثلاث خصائص عامة لأرض بيت المقدس وما حوله وهي البركة، والقدسية، والإسلامية، وخصصت لكل منها مبحثاً. تكلمت في المبحث الأول عن معنى قدسية أرض بيت المقدس وما حوله، ومنشأ هذه القدسية وأثرها. وتكلمت في المبحث الثالث عن إسلامية أرض بيت المقدس وما حوله، ومنشأ هذه الإسلامية، وأثر الفتح الإسلامي على بيت المقدس وما حوله، والأحكام الفقهية الخاصة ببيت المقدس وما حوله. وختمت بحثي هذا بخاتمة لخصت فيها أهم نتائج البحث. والله أسأل أن يتقبل مني هذا الجهد المتواضع ويجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون. د. محمد عثمان شبير المَبحَث الأول بركة أرض بَيت المقدس وَمَا حَوله لقد نصَّ الله تعالى على بركة أرض بيت المقدس وما حوله في كتابه الكريم ومن ذلك: قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . وقوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) أي أن الله نجى إبراهيم ولوطاً عليهما السلام إلى الأرض المباركة: وهي أرض الشام ومنها فلسطين –كما قال المفسرون -بعد أن كانا في العراق. وقوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) أي لسليمان عليه السلام تسخير الريح تهب بشدة وتجري بسرعة إلى الأرض التي باركنا فيها: وهي أرض الشام . المطللب الأول: حقيقة بركة أرض المقدس أولاً: معنى البركة: والبركة في لغة العرب: النمو والزيادة في الخير، وأصل البَرْك صدر البعير، وسمى محبس الماء بركة. والبركة مشتقة من بارك الله في الشيء، وبارك عليه، وبارك له والبركة في الشرع: ((ثبوت الخير الإلهي في الشيء)) كثبوت الماء في البركة. والمبارك ما فيه ذلك الخير الإلهي. ثانياً: أنواع بركة أرض بيت المقدس حسية معنوية: 1- بركة أرض بيت المقدس الحسية: بركة أرض بيت المقدس الحسية بالخصب والثمار والأشجار والأنهار وعذوبة الماء، والسهول والجبال والمنخفضات، وبموقعها المتوسط، فهي قلب الوطن الإسلامي: حدودها من الشمال لبنان، ومن الشمال الشرقي سورية، ومن الشرق الأردن، ومن الجنوب خليج العقبة، ومن الجنوب الغربي شبه جزيرة سيناء، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط. وهي بوابة القادمين من آسيا في طريقهم إلى إفريقية، وبالعكس، وهي إحدى المنافذ المطلة على البحر المتوسط باتجاه أوربا، وهي الممر الذي لا بد من اجتيازه منذ قرون وقرون لمعظم القوافل المتحركة من الشمال إلى الجنوب، وبالعكس، وهي فضلاً عن ذلك ذات موقع وسط بين البلدان العالم القديم على المستوين الحصاري والعسكري، وربما كان هذا أحد الأسباب الرئيسية لاختيارها مبعثاً لعديد من الأنبياء، ومستقراً للرسالات السماوية، ومنطلقاً للجيوش الغازية لما حولها من البلاد، فقد مرَّ بها الاسكندر المقدوني عندما غزا مصر سنة (332ق.م) واتخذها عمرو بن العاص قاعدة لإنطلاق الجيوش الإسلامية لفتح مصر، وآثر المرور عبر السهل الساحلي ليسر المسير خلاله ومعرفة العرب دروبه، وقد كانت موانئ فلسطين قواعد لسفن المسلمين المتجهة لفتح جزر البحر الأبيض المتوسط. ومن مظاهر البركة الحسية لأرض فلسطين: النشاط الزراعي الكثيف الذي تمخض عن وفرة في البحار والعيون والأنهار. قال ابن كثير –في بيان معنى قوله تعالى (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) –بالزروع والثمار . وقال ابن الجوزي: "ومعنى (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) أن الله أجرى حوله الأنهار وأنبت الثمار، وقيل: لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة" . ولقد لفت هذا النشاط نظر الرحالة والجغرافيين الذين زاروا فلسطين فأشاروا إليه وقالوا عن فلسطين: إنها من أخصب بلاد الشام وأكثرها عمراناً على صغر رقعتها ، ثم أوقفوا عند أشهر مدنها، فحدثونا عما شهدوه فيها من زروع وثمار .. فالقدس تعد من أخصب بلدان فلسطين ، تحيط بها بساتين وكروم ومزارع وأشجار فاكهة وزيتون . وتنتشر حولها قرى كثيرة الزروع والأشجار، وقد ازدهرت فيها زراعة الأترج، واللوز، والجوز والتين والموز، فضلاً عن السماق . ومما لا شك فيه أن أكثر مزروعات القدس وفرة الزيتون الذي يستخرج منه الزيت ، وكانوا يحفظونه في الآبار والأحواض ليصدروه إلى أطراف العالم . ولا تقل نابلس عن القدس في كثرة أشجار الزيتون، فضلاً عن البطيخ الأصفر المنسوب إليها، والذي اشتهر بطعمه اللذيذ . ويصفها الدمشقي بأنها قصر في بستان وبلغ من ازدهارها الزراعي أن إقليمها اشتمل على ثلاثمائة قرية . واشتهرت أريحا بزراعة النخيل والموز والريحان وقصب السكر ، كما اشتهرت بيسان بكثرة بساتينها وبخاصة النخيل والرز . وعرفت الرملة بكثرة فواكهها وبخاصة التين والنخيل ، واشتهر تينها بأنه لا يوجد له مثيل في أي مكان آخر، وكانت تصدر منه كميات كبيرة إلى مختلف البلاد . وتقع مدينة الخليل في وهدة بين جبلين وهي ملتفة الأشجار كثيرة الثمار ، وبخاصة الأعناب والتفاح والزيتون والتين والخرنوب ، والتي اشتهرت بكثرتها وكانت تصدر منها كميات كبيرة إلى مصر. وازدهرت عكا بزراعة أشجار الفواكه والزيتون ، وانتشرت في حيفا أشجار الفواكه وبخاصة النخيل . وعلى سبعة فراسخ من عكا تقع قيسارية التي ازدهرت فيها زراعة الفواكه، وبخاصة النخيل والحمضيات، وقد وصفها المقدسي بأنه ليس على بحر الروم (البحر المتوسط) بلد أجمل ولا أكثر خيرات منها، وأنها تفور نعما. ولا تقل عنها خصباً عسقلان ذات البساتين والثمار، والتي يكثر فيها الزيتون والكروم واللوز والرمان فضلاً عن النخيل . وأما مدينة غزة التي كانت تعرف بغزة هاشم (جد الرسول ) فقد وصفت بأنها كثيرة الشجر كسماط –بساط –ممدود، وقد ازدهرت فيها بشكل خاص زراعة الكروم والحمضيات . وكثرت في منطقة صفد أشجار الكمثرى المسكي المعطر الرائحة، الطيب الطعم، والأترج الذي اشتهر بحجمه الكبير الذي يبلغ وزن الواحدة منه نحواً من ستة أرطال دمشقية على عهدة الدمشقي وهناك –أيضاً –الكروم والزيتون والبطم والخروب والسفرجل وأنواع كثيرة من الفواكه ، وبلغ من اتساع نشاطها الزراعي أن إقليمها كان يضم –حسبما ذكر الظاهري –ألفاً ومائتي قرية . وفي الجملة فإن سائر جبال فلسطين وسهولها ملأى بالزيتون والتين والجميز والعنب وسائر الفواكه ، فضلاً عن قصب السكر الذي ازدهرت زراعته في الغور، والقطن الذي كان يزرع في أطراف القدس ويصدر إلى عدد من البلاد . ويرجع سبب هذه الكثرة في الأشجار والثمار إلى وفرة في المياه، ففلسطين تقع على البحر المتوسط، وفيها البحر الميت وبحيرة طبرية، وهي بحيرة مشهورة وماؤها عذب، وعلى جانب شواطئها تتفجر ينابيع شديدة الحرارة، وبخاصة عينها الجنوبية التي "تتسلق البيض وتنضج اللحم" وماء هذه العيون ملحي كبريتي يتخذ علاجاً طبيعياً لترهل البدن والجرب وتزايد البلغم وغير ذلك ، وفيها العيون والجداول والأنهار: كعيون عسقلان، وعيون أريحا، وعيون وأنهار بيسان، وعيون الخليل، وعيون قيسارية، وعين سلوان في القدس وغير ذلك هذا بالإضافة إلى كمية الأمطار الكبيرة التي تسقط على أرض فلسطين في فصل الشتاء. هذا النشاط الزراعي الكثيف يدحض الشبهة اليهودية المطروحة منذ بداية الاحتلال الصهيوني لفلسطين وهي: أن اليهود أحيوا أرض فلسطين بالزراعة، فهم أحق بها من العرب والمسلمين الذين أهلموا الزراعة فيها على مدى التاريخ. 2- البركة المعنوية لأرض بيت المقدس وما حوله: وثمة جانب مهم من جوانب البركة التي اختص الله بها أرض بيت المقدس وما حوله وهي البركة المعنوية. وهي تنشأ من عدة أمور وهي: كون هذه الأرض مبعث الأنبياء ومهبط الملائكة، وكونها العش الذي يرقد فيه الأنبياء والأرض التي يبعثون منها، وكونها أرض المحشر والمنشر والحساب ووضع الموازين للناس وفيما يلي بيان ذلك: أ- أرض فلسطين مبعث الأنبياء ومهبط الملائكة: شهدت أرض فلسطين عامة وبيت المقدس خاصة نزول الوحي السماوي على كثير من الأنبياء: كداود وسليمان وعيسى ولوط وموسى عليهم السلام الذين هاجروا إلى تلك الأرض المباركة. قال تعالى –في هجرة إبراهيم عليهما السلام إلى أرض فلسطين –(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) قال قتادة: هاجروا جميعاً من (كوثي) وهي سواد الكوفة إلى الشام . وقال تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) أي نجى الله إبراهيم وابن أخيه لوطاً عليهما السلام إلى الأرض المباركة وهي أرض الشام –كما بينا سابقاً – وقال تعالى –في هجرة موسى عليه السلام إلى أرض فلسطين-: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) وطلب موسى عليه السلام من قومه الاستمرار في هجرتهم ودخول أرض فلسطين فقال: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) . ولم يقتصر نزول الملائكة إلى هذه الأرض المباركة على الإيحاء بالتعاليم السماوية للأنبياء الذين بعثوا في هذه الأرض أو هاجروا إليها، وإنما تخطى ذلك بنزول دائم للملائكة، فهي تبسط أجنحتها على أرض الشام، كما ورد في الحديث الذي رواه زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله  يقول: ((يا طوبى للشام يا طوبى للشام. قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: ((تلك ملائكة الله باسطة أجنحتها على الشام)) أي أن الملائكة تحفها وتحوطها بإنزال البركات ودفع المهالك والمؤذيات. بهذا وبغيره استحقت أرض الشام عامة وفلسطين خاصة أن توصف بالبركة. قال الزمخشري: ((وقد جعل الله أرض الشام بالبركات موسومة، وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء ومهبط الوحي ومكانهم أحياء وأمواتاً)) ، وقال أبو عبد الله المنهاجي: ((وجعل –أي الرب سبحانه –صفوته من الأرض كلها أرض بيت المقدس .. وقال تعالى لموسى: انطلق إلى بيت المقدس .. وتاب الله على داود وسليمان عليهما السلام في أرض بيت المقدس، وسخر الله لداود الجبال والطير ببيت المقدس، ورفعه الله تعالى إلى السماء من بيت المقدس ...)) ب- أرض فلسطين معدن الأنبياء وعشهم الذي يرقدون فيه. يرقد في أرض فلسطين كثير من الأنبياء منهم أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، وقبره معروف في مدينة الخليل ، وإسحق ويوسف ويعقوب عليهم السلام. وسيدنا موسى عليه السلام، قبره على رمية حجر من بيت المقدس. قال ابن الجوزي: ((وفي الأرض المقدسة إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف عليهم السلام)) روى مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. قال فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه. فقل له يضع يده على متن ثور –أي على ظهره –فله بما غطت يده بكل شعره سنة. قال : أي رب ثم مه؟ قال ثم الموت. قال: فالآن، فسأل الله أن يدينه الأرض المقدسة رمية بحجر. فقال رسول الله  ((فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر)) قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث، وأنكروا تصوره، فقالوا: كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت؟ والجواب عن ذلك: بأن معنى الحديث الصحيح، معناه أن موسى عليه السلام لم يبعث الله إليه ملك الموت وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه احتباراً وابتلاءً، ولو أراد أن يقبض روح موسى عليه السلام، إذا رأى آدمياً دخل عليه ولا يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الرسول  فقأ عين الموت ويفقأ عينه. وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم عليه السلام، فلم يعرفهم ابتداء، ولو علمهم لكان من المحال أن يقدم إليهم عجلا؛ لأنهم لا يطعمون. بعد دفع هذا الإشكال في معنى هذا الحديث نبين موطن الشاهد، وهو سؤال موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. والأرض المقدسة هنا بلاد الشام عامة وبيت المقدس خاصة لفضل من دفن فيها من الأنبياء، فاستحب مجاورتهم في الممات. فإن قيل: لم سأل الإذناء منها ولم يسأل الدفن فيها؟ أجيب: بأن موسى عليه السلام إنما طلبت ذلك عندما كان في أرض التيه مع جيل الهزيمة من اليهود الذين فسدت طبائعهم نتيجة ظلم الفراعنة لهم، حيث طبعت فطرهم بطابع المهانة والذل والجبن والعبودية للبشر. فتركهم الله تعالى في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت. والأصل أن النبي يدفن حيث يموت ولا ينقل . فلما كان موسى عليه السلام يعرف أن فتح بيت المقدس لا يمكت أن يتحقق على يد جيل الهزيمة الذي خرج من مصر؛ سأل الله أن يقربه من بيت المقدس ليدفن بالقرب من الأنبياء والصالحين. وقيل: لأنه خاف أن يكون قبره مشهوراً عند بني إسرائيل فيفتتنوا به . ومن الأدلة على أن أرض فلسطين معدن الأنبياء أن الله عز وجل جمعهم لنبينا محمد ، وصلى بهم إماماً في المسجد الأقصى، روى ابن عباس رضي الله عنه ((أن النبي  لما دخل المسجد الأقصى قام يصلي، فالتفت ثم التفت، فإذا النبيون أجمعون يصلون معه)) . وقال ابن كثير: ((بيت المقدس الذي بإيلياء معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا جمعوا له هناك كلهم، فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه الإمام الأعظم والرئيس المقدم)) . وقال أبو عبد الله المنهاجي: ((يسرّ الله الأنبياء كلهم لرسول الله ، فصلى بهم في بيت المقدس)) . مما سبق يتبين أن أرض فلسطين مباركة لكثرة ما دفن فيها من الأنبياء والصالحين، حتى إن بعضهم أوصى أن يدفن فيها، وبعضهم طلب من الله أن يدفن في أرض قريبة منها. قال النووي: ((وأما سؤاله –أي موسى عليه السلام –الإدناء من الأرض المقدسة فلشرفها وفضيلة من فيها من المدفنونين من الأنبياء وغيرهم )). جـ - أرض فلسطين أرض المحشر والمنشر. روى الإمام أحمد بن حنبل –بسنده –عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي  قالت: يا نبي الله في بيت المقدس فقال: ((أرض المحشر والمنشر )). فبعد أن يخرج الناس من قبورهم يوم القيامة يساقون إلى بيت المقدس أرض الموقف، لينتظروا فصل القضاء بينهم، وفي الموقف يصيب الخلائق كرب شديد، فقد روى المقداد بن الأسود عن رسول الله  أنه قال: ((تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم: كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار  بيده إلى فيه)) . وفي أثناء ذلك يكون أناس في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني خاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) . وبعد العرض على الموازين والحساب يتفرق الناس من بيت المقدس: إما إلى الجنة، وإما إلى النار. وذلك قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) . قال أبو عبد الله المنهاجي: ((وتوضع الموازين يوم القيامة ببيت المقدس وينفخ إسرافيل في الصور ببيت المقدس .. ويتفرق الناس من بيت المقدس إلى الجنة والنار)) وقال ابن الجوزي: ((قال كعب: العرض والحساب ببيت المقدس)) . المطلب الثاني: آثار بركة أرض بيت المقدس وما حوله: يترتب على كون أرض فلسطين أرض مباركة عدة آثار منها: أنها عقر دار الإسلام في وقت اشتداد المحن والفتن، والمقيم المحتسب في تلك الأرض كالمجاهد في سبيل الله والمرابط، وأهلها منصورون بإذن الله ما داموا على الحق المبين ينتقم الله بهم من أعداء الدين. وفيما يلي بيان ذلك: أولاً: أرض فلسطين عقر دار الإسلام وقت اشتداد المحن والفتن. تعتبر أرض فلسطين ملجأ للأنبياء والصالحين يهاجرون إليها، ويحتمون بحماها عند اشتداد المحن والشدائد، فقد هاجر إليها خليل الرحمن إبراهيم وابن أخيه لوط عليهما السلام، لعدم التمكن من إظهار الدين ونشره في أرض العراق. وخرج موسى عليه السلام تجاه بيت المقدس عندما اشتد به أذى فرعون وجنوده. ويظل هذا الأثر ملازماً لهذه الأرض ما دامت تتصف بالبركة الإلهية، وهي لا تنقطع ما دامت السماوات والأرض. وقد نبه النبي  المؤمنين على ذلك في عدة أحاديث صحيحة منها: 1- روى الطبراني عن سلمة بن نفيل قال: ((قال رسول الله : عقر دار الإسلام بالشام)) . فالشام وقت اشتداد الفتن هي المكان الآمن لأهل الإسلام. 2- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام، إلا أن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام)) . 3- وعن سالم بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ستخرج نار في آخر الزمان من حضرموت تحشر الناس. قلنا: فبماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال ((عليكم بالشام)). ثانياًَ: المقيم المحتسب في أرض فلسطين كمجاهد في سبيل الله والمرابط. من آثار بركة أرض فلسطين أن المقيم فيها يعتبر مجاهداً في سبيل الله ومرابطاً، لأن هذه الأرض عرضة للغزو في كل وقت لمكانتها وشرفها، فهي محل أطماع الغزاة والفاتحين، ولذلك فهي تحتاج إلى أن يرابط فيها المرابطون، فيكونوا على أهبة الاستعداد لأي طارئ. ولهذا كان قدر أهل الشام وفلسطين أنهم مرابطون إلى يوم القيامة، روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((أهل الشام وأزواجهم وذرياتهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة من المدائن فهو في رباط، ومن احتل منها ثغراً من الثغور فهو في جهاد)) . وعن عبد الله بن حولة قال: قال رسول الله : ((ستجندون أجناداً جنداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن، فقال الحوالي: يا رسول الله اختر لي؟ قال: عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم واسقوا من غدركم فإن الله عز وجل قد توكل لي بالشام وأهله)) . فقوله  ((عليك بالشام)) أي الزم الإقامة في أرض الشام، لكونها موسومة بالبركة، ولأن الله قد تكفل لأهل الشام بالأجر والمثوبة على صبرهم ورباطهم في سبيل الله. ضرورة وجود نية الرباط عند المقيم في أرض الشام ولا يعتبر كل مقيم في أرض الشام عامة وفلسطين خاصة مرابطاً في سبيل الله، إلا إذا كان محتسباً وناوياً للرباط أو الجهاد في سبيل الله تعالى، إذا كان من أهل النية والاختيار، لقوله : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) . وقال ابن قدامة: ((إن الرباط يقل ويكثر فكل مدة أقامها بينة الرباط فهو قل أو كثر، ولهذا قال النبي : ((رباط يوم)) و((رباط ليلة)) وقال أحمد: ((يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط)) . فضل الرباط في سبيل الله تعالى: بيَّن النبي  في عدة أحاديث صحيحة فضل الرباط في سبيل الله تعالى، فالذي يقيم في ثغر من ثغور الإسلام بنية حفظ ذلك الثغر ودفع العدو، له ثواب عظيم يفوق ثواب الصائم القائم، وإذا توفي أجير من فتنة القبر، ويرزق كما يرزق الشهداء الذين تكون أرواحهم في حواصل الطير تأكل من ثمر الجنة. ومن الأحاديث التي وردت في فضل الرباط: 1- عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها)) . 2- وعن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  يقول: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجرِيَ عليه عمله الذي كان يعمل، وأجرِيَ عليه رزقه، وأمن الفتان)) . 3- وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن فتنة القبر)) . فقوله  ((أجرى عليه عمله)) أو ((نمى له عمله)) يدل على أن العمل الذي مات عليه وهو الرباط في سبيل الله يقع أجره على الله، ولا ينقطع ثوابه إلى يوم القيامة وهذا لا يتعارض مع قوله  ((إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث))، لأنه لا مفهوم للعدد في الثلاث، أو لأن هذا العمل يرجع إلى إحدى الثلاث هنا وهو صدقة جارية . ثانياً: أهل الشام هم الطائفة المنصورة التي ينتقم الله بها من أعدائه. روى البخاري عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال –وهو يخطب: سمعت رسول الله  يقول: ((لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) . وفي رواية قال: قال رسول الله : ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على ما ناوأهم أي ناهضهم وعاداهم –إلى يوم القيامة)) اختلف العلماء في بيان المراد بالطائفة أو الأمة المنصورة فقال البخاري: هم أهل العلم، وقيل: هم أهل الحديث. وقال البيضاوي: هم المجتهدون في الأحكام الشرعية والعقائد الدينية أو المرابطون: في الثغور والمجاهدون لإعلاء الدين . وقال ابن يخامر: سمعت معاذاً يقول: هم أهل الشام أو بالشام . ويؤيد ما ذهب إليه معاذاً بن جبل رضي الله عنه عدة أحاديث منها: 1- ما روى الترمذي عن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي منسورين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)). وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: ها هنا ونحا بيده نحو الشام . 2- وما روى الإمام أحمد عن أبي أمامة مرفوعاً إلى رسول الله  قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قيل يا رسول الله أين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)) . 3- ما روى أبو يعلي عن أبي هريرة عن النبي  قال: ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب جمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة . 4- وروى الطبراني عن خريم بن فاتك الأسدي صاحب رسول الله  أنه سمع رسول الله  يقول: ((أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافيقهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يموتوا إلا هماً وغماً)) . 5- وروى الإمام مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله : (( لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)) . قال الأمام أحمد: هم أهل الشام . وقال ابن تيمية مؤيداً الإمام أحمد: وهو كما قال لوجهين: أحدهما: أن في سائر الحديث بيان أنهم أهل الشام. والثاني: أن لغة النبي  في أهل الغرب هم أهل الشام ومن يغرب عنهم، كما أن لغتهم في أهل المشرق هم أهل نجد والعراق، فإن المغرب والمشرق من الأمور النسبية، فكل بلد له غرب قد يكون شرقاً لغيره، وله شرق قد يكون غرباً لغيره، فالاعتبار في كلام النبي  لما كان غرباً وشرقاً له حيث تكلم بهذا الحديث وهي: المدينة. ومن علم حساب الأرض بطولها وعرضها علم أن حران والرقة وسميساط على سمت مك، وإن الفرات وما على جانبها من البيرة بينهما في الطول درجتين اثنتين فما كان غربي الفرات فهو غربي المدينة وما كان ثم شرقها فهو شرق المدينة. فأخبر أن أهل الغرب لا يزالون ظاهرين، وأما أهل الشرق فقد يظهرون تارة ويغلبون أخرى، وهكذا هو الواقع فإن الجيش الشامي ما زال منصوراً)) وقد ظهر مصداق هذه النصوص على أكمل الوجوه في جهاد أهل الشام للصليبيين والتتار، فأيد الله الملسمين ونصرهم على أعدائهم أعداء الدين عندما نصروا الله ونبذوا ما بينهم من خلافات والتزموا بهدي كتاب الله وسنة نبيه . المبحث الثاني قدسية أرض بيت المقدس وما حوله لقد نص الله تعالى على قدسية هذه الأرض في كتابه الكريم، فقال على لسان موسى عليه السلام: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) . المطلب الأول: حقيقة قدسية أرض بيت المقدس وما حوله. أولاً: معنى القدسية: القدسية في الآية بمعنى الطهرة، وقيل بمعنى المباركة، والمعنى الأول أصح، لأن أصل التقديس التطهير فالقُدس بمعنى الطهر، ويقال للسطل الذي يتطهر به قَدَس، وقال تعالى:( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) أي نطهر أنفسنا لك. ومن هذا بيت المقدس –كما قال الزجاج والجوهري . وقال الأصفهاني: ((التقديس: التطهير الإلهي المذكور في قوله تعالى: ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) دون التطهير الذي هو إزالة النجاسة المحسوسة، والبيت المقدس: هو المطهر من النجاسة أي من الشرك، وكذلك الأرض المقدسة)) . فالقدسية بمعنى الطهارة من الشرك والظلم والعدوان والعلو في الأرض. ثانياً: منشأ قدسيّة أرض بيت المقدس وما حوله: ترجع قدسية أرض فلسطين إلى كونها أرض المسجد الأقصى والصخرة المشرفة، وهما موجودان قبل بعثة سيدنا موسى وعيسى عليهما السلام أي قبل بناء هيكل يهود، وكنيسة المهد الموجودة في بيت لحم وكنيسة النصارى الموجودة في القدس والمعروفة بكنيسة القيامة، والتي كانت تعرف بكنيسة القمامة نسبة إلى المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب وجعلوا يلقون على قبره القمامة . 1- أرض فلسطين أرض المسجد الأقصى. أ- تأسيس المسجد الأقصى وأسماؤه. يعتبر بيت المقدس ثاني مساجد الدنيا وجوداً بعد المسجد الحرام، لما روى البخاري في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال أربعون سنة)) . فإن قيل: الثابت أن الذي بنى المسجد الأقصى هو سليمان عليه السلام وبينه وبين إبراهيم عليه السلام أكثر من ألف سنة، لما روى النسائي عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله : ((إن سليمان عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثا فأعطاه اثنتين وأرجو أن يكون أعطاه الثالثة. سأله ملكاً لا ينبغي لأحد بعده، فأعطاه إياه، وسأله حكما يواطيء حكمه، فأعطاه إياه. وسأله من أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج من الذنوب كيوم ولدته أمه فقال رسول الله : وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة)) . فكيف تكون المدة بين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى أربعين سنة؟ قد أجيب عن هذا الإشكال بأن بيت المقدس أسس قبل أن يبنيه سليمان عليه السلام، وما كان بناء سليمان للمسجد الأقصى إلا تجديداً له كما فعل إبراهيم عليه السلام في المسجد الحرام. قال القرطبي: ((إن الآية –أي قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) ، والحديث لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان عليهما السلام ابتدآ وضعهما بل كان تجديداً لما أسس غيرهما)) . واختلف في أول من أسس بيت المقدس، فروي أن أول من بنى البيت _يعني المسجد الحرام –آدم عليه السلام، فيجوز أن يكون له ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاماً . ويحتمل أن تكون الملائكة قد بنت بيت المقدس بعد بنائها البيت الحرام بإذن الله، ويؤيد ذلك ماروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ((أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض، وأن يطوفوا به، وكان هذا قبل خلق آدم، ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به، ثم الأنبياء بعده، ثم استتم بناءه إبراهيم عليه السلام)) . والاحتمالان واردان والله أعلم. أسماء بيت المقدس ويرجع سبب تسمية بيت المقدس إلى أنه المكان الذي يتطهر فيه أولياء الله من الذنوب والمعاصي. أو إلى أنه المكان الخالي من الشرك والأصنام، ولذلك كانت الملائكة تؤمه وتطوف به، وكان الأنبياء عليهم السلام يعبدون الله فيه، ويقربون القرابين فيه. ذكر ابن الأثير في الكامل: ((أنه أصاب الناس في زمان داود طاعون جارف، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس، وكان يرى الملائكة تعرج منه إلى السماء، فلهذا قصده ليدعو فيه، فلما وقف موضع الصخرة دعا الله تعالى في كشف الطاعون عنهم فاستجاب له ورفع الطاعون، فاتخذوا ذلك الموضع مسجداً، وكان الشروع في بنائه لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه، وتوفى قبل أن يستتم بناءه، وأوصى إلى سليمان بإتمامه)) وقد أطلق على بيت المقدس أكثر من عشرين اسماً، وكثرة الأسماء إن دلت على شيء فهي تدل على شرف هذا المكان وقداسته، ومن هذه الأسماء: المسجد الأقصى: وسمي بذلك لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، فهي تبلغ حوالي مسيرة شهر، أو لكونه لا مسجد وراءه. وبيت القدس، ومسجد إيلياء، وسلم، لكثرة سلام الملائكة فيه، وأورشليم: أي دار السلام، وأورشليم، وبيت إيل وصهيون، ومصروت، وبابوش، وصلمون، وكورسيلا والقرية . ب- حقيقة المسجد الأقصى ومعالم الرباط فيه: إن لدى الكثير من المسلمين اليوم فهماً خاطئاً بحقيقة المسجد الأقصى المبارك وحدوده، ومعالم الرباط فيه، فبعضهم يظن أن الصخرة المشرفة هي المسجد الأقصى. وبعضهم يظن أن المصلى المرواني ليس من المسجد الأقصى، وإنما هو مبنى آخر، لا يمت إلى المسجد الأقصى بصلة. ومنهم من كان يُشكل عليه الأمر عندما يسمع مصطلح: " الأقصى المبارك " ومصطلح " الأقصى القديم "، لذلك لا بدَّ في هذا المقام من بيان حقيقة المسجد الأقصى المبارك وحدوده، ومعالم الرباط فيه؛ وذلك لأن معرفة تلك الأمور تسهم إسهاماً كبيراً في المحافظة على الهوية الإسلامية لتلك الأرض المقدسة. كما تكرس في قلوب المسلمين اليقظة لما يُخطط ضد المسجد الأقصى المبارك، ولذا سوف اتكلم عن حقيقة المسجد الأقصى وحدوده، ومعالم الرباط فيه. أولاً: حقيقة المسجد الأقصى وحدوده: قال تعالى:" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". (الإسراء:1) فالأقصى هو الأبعد عن المسجد الحرام. قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: " سُمِّيَ الأقصَى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظَّم بالزيارة. " والمسجد الأقصى المبارك هو اسم لكل ما دار حوله السور الواقع في مدينة القدس القديمة المسورة. كما ذكر مجير الدين الحنبلي. قال مصطفى الدباغ: " يتألف الحرم القدسي الشريف من المسجدين، مسجد الصخرة، والمسجد الأقصى، وما بينهما وما حولهما من منشآت حتى الأسوار ". فالمسجد الأقصى هو اسم لكل ما دار حوله السور الواقع في أقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من مدينة القدس القديمة المسورة، والتي تسمى اليوم: "البلدة القديمة" وهو يقع فوق هضبة (موريا)، وهي إحدى الهضاب الأربع التي تقوم عليها مدينة القدس، وتبلغ مساحة المسجد الأقصى حوالي (144) دونماً وهي تعادل: (144000 متر مربع)، وتُشكل هذه المساحة نحو سدس (1/6) مساحة القدس المسورة، وهو على شكل مضلع غير منتظم الأطوال، فطول ضلعه الغربي (491م)، وطول ضلعه الشرقي (462م)، وطول ضلعه الشمالي (310م)، وطول ضلعه الجنوبي (281م) . ومن دخل الأقصى فأدى الصلاة في أي مكان منه، سواء تحت شجرة من أشجاره، أو قبة من قبابه، أو فوق مصطبة، أو عند رواق، أو في داخل قبة الصخرة، أو الجامع القبلي، أو المصلى المرواني؛ فصلاته مضاعفة الأجر، يصل أجرها إلى خمسمائة ضعف فيما سواه. كما في الأحكام الخاصة بالمسجد الأقصى، ومن الأحاديث التي تدل على مضاعفة الأجر ما جاء في الحديث الذي رواه أبو ذر قال: تذاكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما أفضل: مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو مسجد بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى، وليوشكن أن يكون للرجل مثل سية قوسه من الأرض حيث يرى بيت المقدس خيراً له من الدنيا وما فيها. » فالمسجد الأقصى ليس المبنى الثماني الشكل، ذا القبة الذهبية المسمى بقبة الصخرة فقط، كما أنه ليس المسجد ذا القبة الرصاصية الذي يسمى بالجامع القِبليّ، ويسميه البعض جامع المسجد الأقصى فقط. بل كلاهما جزء من المسجد الأقصى، ومن كامل مساحته المحاطة بالسور، والتي ما تغيّرت منذ عهد آدم عليه السلام - أول من بنى المسجد الأقصى على أرجح الأقوال، دون أن يكون قبله كنيس، ولا هيكل، ولا معبد. ثم تتابعت بعده عمليات الترميم وإعادة البناء. فقد عمره سيدنا إبراهيم عليه السلام حوالي العام (2000) قبل الميلاد، وعمره أبناؤه إسحاق ويعقوب عليهم السلام من بعده، كما جدد سيدنا سليمان عليه السلام بناءه، حوالي العام (1000) قبل الميلاد. وللمسجد الأقصى سور عظيم يحيط بالأماكن الإسلامية المقدسة، وفي هذا السور عشرة أبواب مفتوحة هي: باب الأسبا

تنزيل

بيت المقدس وما حوله

مضى على احتلال فلسطين