خبر : الحلقة (23): الوصف الشرعي لفلسطين (الأرض والسكان)

الأربعاء 08 ديسمبر 2010 01:16 م بتوقيت القدس المحتلة

عضو المكتب التنفيذي لهيئة علماء فلسطين في الخارج
المقدم: د. عمر الجيوسي
تاريخ الحلقة: 04/11/2011م
المقدم: السلام عليكم أحبتنا في الله أينما كنتم، عنوان حلقتنا اليوم: القبلة الأولى للمسلمين، ونود أن نقدم مواد علمية مكثفة في هذا الموضوع، فننطلق بإذن الله تعالى كالعادة من مجموعة أسئلة هامة تلخص هذه الحلقة، ومنها مثلاً: ما هو سبب تغير القبلة من الأقصى إلى الكعبة؟ وكيف استغل المستشرقون هذا الأمر للتشويه؟ ولماذا كانت أصلاً القبلة الأولى إلى المسجد الأقصى؟ وما هي قصة مسجد القبلتين المبني في المدينة المنورة؟ وكيف نتخيل ما حصل في هذا المسجد.. مسجد القبلتين عندما تغيرت القبلة إلى جهة الكعبة حيث الرجال في الأمام والنساء في الخلف والإمام أمامهم، ثم وهم ركوع اتجهوا إلى الكعبة المشرفة؟ مشاهدينا: من خلال تقرير مصور سنعرضه بعد قليل سنرى أموراً عجيبة اكتشفها العلماء ومنها تطابق العلاقة الهندسية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فمثلاً لا يتصور أحد أن يكون لدى الأقدمين زمن آدم عليه السلام تلك المعدات التي تمكنهم من مطابقة الزوايا الهندسية في البناء.. مشاهدينا الأحبة: هذه المحاور وغيرها سنناقشها مع ضيفنا الدكتور منذر زيتون عضو المكتب التنفيذي لهيئة علماء فلسطين في الخارج وأستاذ الشريعة، أما ما يتعلق بالتقرير المصور فسيكون معنا بعد قليل الدكتور خالد العويسي الأستاذ المساعد في جامعة مردين في تركيا وأستاذ دراسات بيت المقدس أيضاً، أهلاً بكم دكتور منذر زيتون في هذه الحلقة.
الضيف: حياكم الله، مرحباً.
المقدم: حياك الله، في البداية كالعادة نريد أن نحدد نصاً شرعياً ننطلق منه لنناقش هذه الحلقة، اليوم اخترنا حديث البراء بن عازب، وهو المعروض على الشاشة ثم ننطلق منه.. يقول الحديث: عن البراء بن عازب (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار، وأنه صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجلٌ ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل المسجد المقدس أو قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك)، هذا الحديث دكتور منذر رواه البخاري، في البداية هذه الصلاة، أي صلاة كان الناس يصلونها عندما استداروا واستدار فيها الإمام باتجاه الكعبة؟
الضيف: باسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، غالباً هذه الصلاة التي يتحدث عنها هذا الحديث تماماً هي صلاة العصر، مع أن بعض العلماء قال إنها صلاة الظهر، ولكن يبدو والله أعلم أنها صلاة العصر لأن النص واضح في أن أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم هي صلاة العصر، ولكن البعض قال إن أول صلاة صلاها بالكامل نحو الكعبة المشرفة هي صلاة والعصر، وكأنهم يشيرون إلى أن الصلاة التي قبلها وهي صلاة الظهر صلى النبي صلى الله عليه وسلم نصفها نحو بيت المقدس ونصفها نحو الكعبة، ولكن هذا كما قلت هو رأي من الآراء ولكن الراجح هي صلاة العصر.
المقدم: دكتور أين كان النبي صلى الله عليه وسلم.. أين كان يصلي؟
الضيف: هذا الحديث يتحدث عن مسلمين صلوا في مسجد لم يكن فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هذه الصلاة صلاها في مسجده عليه الصلاة والسلام وصلى معه أحد الصحابه..
المقدم: أي مسجد تقصد مسجده؟
الضيف: المسجد النبوي في المدينة المنورة، ولكن احد المصلين كان قد خرج هذه من الصلاة ثم خرج إلى نحو هذا المسجد وهو مسجد بني سلمة.. ذهب إليه فوجد الناس مازالوا يصلون، فأخبرهم أنه شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد تحول إلى الكعبة المشرفة فتحولوا هم أيضا استجابة لخبره.
المقدم: هل الرجل الذي أخبرهم بالانتقال معروف اسمه؟
الضيف: الحقيقة في الروايات لم يذكر اسمه مع ما أن الحادثة لها وقع كبير ولها قيمه تاريخية لكن الرواة لم يذكروا من هو هذا الرجل، بعض الروايات تقول أتى آت، بعضهم قال قام رجل، وبعضهم قال: قال رجل، ولم يطلعونا على من هو القائل.
المقدم: لكن بعد أن حصل هذا الشيء وانتقلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، لكن أكيد كانت هناك ردات فعل من الصحابة أو من اليهود أو من المشركين، لو سألتك ما هي ردات فعل وكيف استقبل الصحابة هذا التحول؟
الضيف: الواقع في نص الحديث الذي ذكرته قبل قليل تبين أنه كانت الاستجابة تامة من المسلمين لأمر النبي صلى الله عليه وسلم المبني أصلاً على أمر الله سبحانه وتعالى، فهم بمجرد إخبارهم بشهادة هذا الرجل أنه صلى مع النبي وأنه صلى الله عليه وسلم استقبل الكعبة في صلاته تحول الناس وهم ركوع، ولاحظ في الرواية وهم ركوع بحيث إنهم استجابوا فورا لهذا التوجيه النبوي الإلهي قبل ذلك.. فقبلوا ما جاء به هذا الإنسان، ولعلي اذكر أن استجابتهم الفورية تدل على أمرين: أولاً أنهم كانوا فعلا يتسابقون في الاستجابة إلى الله وإلى النبي صلى الله عليه وسلم، القضية الثانية أنهم قد يكون عندهم بعض علم بالأمر من قبل، يعني وكان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أخبرهم أن القبلة سوف تتحول في لحظة، لكن هو نفسه صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما هي هذه اللحظة، وإنما كان ينتظر من الله تعالى.. 
المقدم: يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يحس أنه ستتغير القبلة؟
الضيف: نعم، الاعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن هناك تحولاً، لكن الله سبحانه وتعالى هو الذي اختار اللحظة التي أمر بها بهذا التحول، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر كما في الآية القرآنية {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.
المقدم: طيب بالرجوع إلى نص الحديث، يقول (اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك)، يعني كانوا مسرورين أنه كانن يصلي قبل بيت المقدس، وكذلك أهل الكتاب، فثم أنكروا ذلك، كيف تصرفوا مع أنه ذكر أنهم أنكروا ذلك؟
الضيف: هم تصرفوا على نحو ما هم عليه، وقد وصف الله تعالى ردة الفعل هذه بالسفاهة، فقال الله تعالى {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}، هم كانوا يعجبهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس، وكأنه فيه تقليد لهم أو فيه مشابهة ومحاكاة لما يفعلون مع أنهم كانوا يعلمون أن التوراة نفسها كانت قد ذكرت لهم أنه سيأتي رجل صاحب قبلتين، فهم يعلمون أن هذا التحول سيكون في يوم من الأيام، إلا أنهم لما صار هذا التحول أنكروه ولم يعجبهم، لأنهم أرادوا أية ذريعة ليقولوا بها أمام الناس إن هذا النبي يأتي بأمور من عنده وأنه يختلف عمن جاء قبله من الأنبياء، لأنهم كانوا يعتقدون أن موسى عليه السلام كان يستقبل بيت المقدس في صلاته.
المقدم: جميل، أنا أتخيل عدة مشاهد، النبي صلى الله عليه وسلم في غار الثور يتعبد وأمامه في نفس الاتجاه الكعبة وأيضاً بيت المقدس ربما، وأيضاً وهو في الكعبة أو في البيت الحرام، يعني في نفس الاتجاه يختار زاوية منها يكون الأقصى في نفس الاتجاه، لكن طالما الحديث هو أصلاً كله عن الصلاة، بداية هل الصلاة في خمس أوقات بدأت أو فرضت في الإسراء والمعراج كما يظن البعض في المعراج تحديدا؟
الضيف: هناك تاريخ لفرضية الصلاة، إذا سمحت نأخذه في عجالة..
المقدم: تفضل..
الضيف: النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يصلي قيام الليل الله تبارك وتعالى أمره {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ {1} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّ اقَلِيلًا} فكان النبي صلى الله عليه وسلم كأي نبي قبله يتصل مع الله سبحانه وتعالى في الصلاة، كان يصلي لربه قيام الليل، ثم فرضت عليه وعلى المسلمين صلاتان في اليوم والليلة، صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وبقي هذا الحال حتى ليلة الإسراء، في ليلة الإسراء حينما صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وقابل ربه سبحانه وتعالى وكلفه بالصلاة صارت الصلاة على هيئة الخمس صلوات التي نعلم، وإن كان في البداية كما يعلم الجميع والسادة المشاهدين أنها فرضت خمسين، صلاة ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى التخفيف، في كل مرة أن يخفف عن أمته حتى صارت خمس صلوات، لكن الله تعالى ناداه أنه لا يبدل الأمر لدي ولك بالخمس خمسين صلاة، ثم أخي عمر بعد ذلك لما فرضت في ليلة الإسراء، قال بعض العلماء إنها فرضت ركعتين ركعتين يعني مش أربع ركعات، ثم المغرب ثلاث ركعات، ثم بعد ذلك لما هاجر كما قالت عائشة رضي الله عنها أصبحت الصلاة من ركعتين إلى أربع ركعات ولكنها بقيت في السفر ركعتين وبقي المغرب كما هو ثلاث ركعات.
المقدم: إذن أنت ذكرت أن في البداية الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي كما جاء في سورة غافر الآية 55 {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} إذن لو رجعنا إلى الحديث: صلى قبل بيت المقدس 16 شهراً أو 17 شهراً، هل هذا فيه اتفاق بين العلماء أم فيه اختلاف؟
الضيف: لا هذا محل اختلاف بين العلماء، قيل من أربعة عشر شهراً إلى خمسة عشر إلى سبعة عشر حتى إن البعض قال ثماني عشر شهراً، ولكن هي في حدود السنة وقليل من الأشهر.. ثلاثة أو أربعة أشهر أو هكذا.
المقدم: طيب هناك بعض أقول للمفسرين ومنهم سيد قطب، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في البداية إلى الكعبة ثم انتقل إلى بيت المقدس ثم رجع مرة أخرى إلى الكعبة، هل هذا الكلام دقيق؟
الضيف: هذا الاجتهاد تحله الرواية التي قيل فيها إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل بيت المقدس عبر الكعبة، بمعنى أنه لم يخالف القبلة ثلاث مرات في أنه توجه إلى الكعبة ثم إلى بيت المقدس ثم إلى الكعبة، الله تبارك وتعالى أمره أن يستقبل بيت المقدس، لكن كان يستقبل بيت المقدس عبر الكعبة، فكان يستقبل الكعبة بحيث يكون بيت المقدس أمامها مباشرة، وكأنه كما تفضلت أخي الكريم أنه كان يصلي خلف الركن اليماني بحيث تكون الكعبة أمامه والمسجد الأقصى أمام الكعبة.
المقدم: الآية التي تقول {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْها} توضح هذه المسألة..
الضيف: تمام..هذا أمر من الله وليس من النبي صلى الله عليه وسلم، التي كنت عليها..
المقدم: أنا من خلال الآية أريد أن أسألك دكتور ما الحكمة من تحول المسلمين أصلاً من القبلة الأولى التي هي في بيت المقدس في القدس إلى الكعبة؟
الضيف: قيل الكثير أخي، لكن جهر القرآن بأنه امتحان..
المقدم: امتحان؟
الضيف: ابتلاء أخي.
المقدم: للسمع والطاعة؟
الضيف: بالضبط، السمع والطاعة وامتحان هؤلاء الذين في قلوبهم ضعف، وكذلك اليهود لأن اليهود كان موقفهم واضحاً في أنهم لم يتقبلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما المؤمنين فتقبلوا أمر الله تبارك وتعالى، لأن الله قال {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}، فهذا كان امتحان ابتلاء ليعلم الله تعالى من يستجب لأمره ومن يصدق برسالة نبيه صلى الله عليه وسلم ومن يتجاهل ذلك ومن يكذب، وقد كان هذا فعلا فتنة بين بعض من كان في قلبه ضعف فافتتن بذلك، واليهود معروف موقفهم.
المقدم: طيب في الحديث الذي رواه ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مكة نحو بيت المقدس، هذا الذي قبل شوي أشرت له، أن النبي عليه الصلاة والسلام هو في البيت الحرام والكبعة أمامه، في أي اتجاه كان يصلي، كان يصلي باتجاه بيت المقدس، الاتجاه الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم، هذا حديث لا أدري هل هذا الحديث صحيح أم لا، ولكن كيف نوضح هذا للسادة المشاهدين؟
الضيف: هو القضية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم بوحي من الله تعالى أن القبلة ستتحول إلى الكعبة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع في القبلة بين الكعبة وبيت المقدس، ولعله بعض العلماء قالوا إن هذا الأمر قام به قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم سيدنا موسى عليه السلام، قالوا إن سيدنا موسى كان يستقبل بيت المقدس لكن عبر الكعبة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يبتدع أمراً من عنده بل كان هذا سلوك موسى عليه السلام، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليفعل ما فعله سيدنا موسى عليه السلام باستقبال البيت المقدس عبر الكعبة المشرفة.
المقدم: طيب، بالتالي لماذا لم يصلي المسلمون للمسجد النبوي الذي في المدينة طالما أن أجر الصلاة فيه ضعف أجر الصلاة في المسجد الأقصى؟
الضيف: لأن هذا لم يكن اجتهاد من عندهم، بل أمر من الله تعالى بأن يصلوا إلى الكعبة، والله سبحانه قال {لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}، فالله هو صاحب الاتجاهات صاحب الخلق، الله تعالى يشرع لخلقه ما شاء، وليس لنا ولا للصحابة من قبل أن يسألوا الله لماذا نفعل ذلك أو لماذا لا نفعل ذلك؟
المقدم: هناك تقرير سنعرضه، فيه قصة مسجد القبلتين وتفصيلات كثيرة، لكن بشكل مختصر: ما هي القصة من خلال الحديث، يعني أنت كيف تتخيل المشهد وهم راكعين، نريد أن نصف القصة ونلخص الحديث على هيئة قصة.
الضيف: جميل..
المقدم: يعني رجال ونساء راكعين ويأتي رجل كما ذكرت لم تذكر الروايات اسمه ويتحولوا في الصلاة وهم راكعين!
الضيف: فعلاًهي قصة جميلة، هذا الرجل كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهد تحول القبلة، ولما خرج من المسجد باتجاه المسجد الآخر وهو مسجد القبلتين كما سمي فيما بعد، رأى المسلمين وهم أثناء الصلاة يتوجهون إلى القبلة السابقة.. إلى بيت المقدس، فما كان منه إلا أن بلغهم بما شهد، والحقيقة هذه القصة بين لنا ما أهمية أن تصحح للناس ما يقعون فيه من أخطاء مباشرة.
المقدم: جميل..
الضيف: ولذلك هو ماتوانى..من رأى منكم منكرا، ولا نقول إن هذا منكر بل إنه أمر قد نسخ، وربما بعد قليل دكتور عمر نتحدث عن أن هذا من أوائل الأوامر التي نسخت أحكاماً سابقة، جاءت آية تنسخ حكما سابقاً وهو تحول القبلة، فهو مباشرة أخبر الناس أن القبلة قد تحولت، وأرفق بكلامه بشاهدة حتى لا أحد يقول إنه غير صادق، فقال شهدت أو أشهد، ومباشرة استجاب المصلون لله وللرسول وتحولوا إلى القبلة الجديدة، ولاحظ كما تفضلت استجابوا وهم راكعين، بمعنى أنهم لم ينتظروا حتى يقفوا ويقوموا من الركوع، بل استجابوا وهم ركوع، فكانوا قد مشوا بشكل دائري من جهة بيت المقدس إلى الكعبة، وهذه إذا تخيلناها هي عبارة عن استدارة كاملة، لأن الذي يصلي في المدينة تجاه بيت المقدس يكون في المنتصف ويكون ظهره إلى الكعبة أو تكاد ظهورهم إلى الكعبة ووجوههم إلى بيت المقدس، فهم فعليا داروا دورة كاملة، فالإمام تحرك فعلياً، وتبعه الرجال والنساء، فبدلت النساء أماكنهن للرجال، وبدل الرجال أماكنهم للنساء.
المقدم: طيب، بهذه القصة وقبل أن ننتقل إلى التقرير نريد أن نتوقف معك في فاصل.. مشاهدينا إن شاء الله نلتقيكم بعد هذا الفاصل..
المقدم: أهلا بكم من جديد مشاهدينا في هذه الحلقة مع الدكتور منذر زيتون عضو المكتب التنفيذي لهيئة علماء فلسطين في الخارج.. دكتور نحن سننطلق الآن من خلال هذا التقرير الذي سنعرضه، ثم ندرس هذا التقرير وسيكون معنا مشاهدينا ضيف على الهاتف متخصص في هذا المجال، في البداية نشاهد هذا التقرير معاً..
تقرير مصور..
المقدم: إذن كما شاهدنا في التقرير المصور عن مسجد القبلتين، الآن للتعليق على هذا الموضوع الأساسي في الحلقة معنا الدكتور خالد العويسي أستاذ دراسات بيت المقدس وهو متخصص وأكاديمي وله مؤلفات وهو باحث في هذا الموضوع، وهو معنا من مردين في تركيا.. دكتور خالد العويسي أهلا بك.
الدكتور خالد: أهلاً بكم حياكم الله.
المقدم: دكتور نريد أن نسأل في البداية: ما هي العلاقة الهندسية بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام في مكة المكرمة من حيث الزوايا والأضلاع؟
الدكتور خالد: بسم الله الرحمن الرحيم، العلاقة بين المسجد الأقصى والكعبة المشرفة تعود إلى أصل بنائهما، فالعلاقة الهندسية فيها تشابه تام في شكل المسجد الأقصى وفي قياساته مقارنة مع بناء الكعبة المشرفة..
المقدم: طيبدكتور خالد، نحن نريد أن نعرض الآن صوراً تشرح ما تقول وأنت الآن أمامك الصور، حتى يكون المشاهد في صورة تقريبية لما تقول، تفضل..
الدكتور خالد: جزاك الله خيراً، كما نشاهد عندنا في اليمين شكل الكعبة المشرفة كما بنيت في عهد إبراهيم عليه السلام، وعلى الجهة المقابلة شكل المسجد الأقصى بقواعده الأساسية الموجودة إلى هذا اليوم، وكما نرى في الصورتين تطابقاً تاماً بين شكل الكعبة المشرفة وشكل المسجد الأقصى، التشابه هذا ليس في الأبعاد، بل..
المقدم: ولكن هناك تساؤل من الدكتور منذر على أن الشكل متشابه فعلا أم لا؟
الدكتور خالد: نعم، تفضل..
الضيف: السلام عليكم.
الدكتور خالد: وعليكم السلام.
الضيف: في الواقعأنا رايت هذه الصورة وفعلاً هناك تطابق كما هو معروض على التلفزيون، ولكن يبقى في شكل الكعبة، أليس المنطقة التي تسمى حجر إسماعيل هي منطقة شبه دائرية أو هي فعلياً تمثل وكأنها أعلى الباب بشكل مقوس أو شبه دائري، هل هذا كان قبل ذلك كان عبارة عن خط مستقيم كما تفضلت أو هو فعلاً بهذا الشكل الدائري؟
الدكتور خالد: الشكل الأساسي للكعبة المشرفة هو الموجود أمامنا اليوم الكعبة أصغر من ذلك من جهة الحطيم التي ذكرت..
المقدم: الجهة الشمالية دكتور؟
الدكتور خالد: نعم من الجهة الشمالية التي تسمى اليوم بحجر إسماعيل أو الحطيم، وهذا عندما أعادت قريش بناء الكعبة، ونحن نعرف قصة بناء الكعبة قبل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم اختصرت من تلك المنطقة فسميت الحطيم، لكنها في الأصل كانت جزء من الكعبة، وسيدنا عبد الله بن الزبير عندما أعاد بناء الكعبة أعاد بناءها على الأساسات التي بناها إبراهيم عليه السلام.
المقدم: دكتور لكي نتصور ما تقول، نريد أن نري المشاهد الشكل رقم واحد، مخطط تقريبي للكعبة المشرفة وأنا بدوري أسأل عن هذا الموضوع يقول الله تعالى {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} يرفع القواعد أي أنه كان هناك باني أساسي للكعبة وسنتناقش في هذا الموضوع، لكن هنا أريد أن أسأل: هل الكعبة الآن على الشكل الذي بناه إبراهيم عليه السلام؟
الدكتور خالد: نعم الصورة التي تراها الآن ويراها المشاهدون.. هذا هو البناء الذي بناه سيدنا إبراهيم عليه السلام، كان لها بابان يدخل الناس من باب ويخرجوا من الباب الآخر ولم تكن بسقف، هذه الرواية كما ذكرها الأزرقي في كتابه أخبار مكة، ويذكر بالتفصيل كل طلع من أضلاع البيت، حتى اليوم شكل الكعبة شكل مربع تقريبا وكل جدار للكعبة لا يطابق الآخر.
المقدم: ما القيمة العلمية للرواية التي استندت إليها وهي رواية الأزرقي؟
الدكتور خالد: الأزرقي بنى روايته على البناء الذي قام به عبد الله بن الزبير، عبد الله بن الزبير لما أعاد بناء الكعبة، وهذا الحديث مذكور عند البخاري، أتى بأمنا عائشة رضي الله عنها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر لها عندما فتح مكة وقال لها (يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم)، فلما أتى عبد الله بن الزبير يكمل حديث البخاري رضي الله عنه، هدم الكعبة، وقال راوي الحديث: شهدت ابن الزبير حين هدم الكعبة وبناه، وأدخل فيه من الحجر، ورأيت أساس إبراهيم.. حجارة كأنسمة الإبل، فأصل البناء موجود في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إن عائشة ارادت أن تصلي في الكعبة، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: صلي في الحطيئة أو في الحجر فإنه كان جزء من الكعبة، فرواية الأزرقي تعطي تفاصيل القياس لقربه من الزمن الذي أعاد فيه عبد الله بن الزبير بناء الكعبة.
المقدم: دكتور هذا من حيث الرواية وما ذكرت فيه من أثر، ولكن من حيث تخصصك.. دراسة الأضلاع والأطوال والزوايا، هل بناء إبراهيم بناء على ذلك بالفعل هو البناء الأصلي؟
الدكتور خالد: البناء الأصلي للكعبة، هناك آية أخرى جميلة في القرآن، يقول سبحانه وتعالى..
المقدم: كل القرآن جميل..
الدكتور خالد: كله جميل، لكن آية في هذا الموضع، يقول الله تعالى على لسان إبراهيم عندما ترك امنا هاجر واسماعيل عليهما السلام {رَّبَّنا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} هذا قبل بناء إبراهيم للبيت الحرام، فترك إبراهيم عليه السلام أمنا هاجر وابنها إسماعيل عليهم السلام عند البيت الحرام وهو يعلم أنه البيت الحرام، ثم عندما كبر إسماعيل عليه السلام عاد معه وبنى الكعبة، والآية في القرآن تقول {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}.. سيدنا إبراهيم لم يضع القواعد بل رفعها، وكانت كما يقول أكثر العلماء: بناء الكعبة كان من عهد آدم عليه السلام، فيقول الله سبحانه وتعالى في آية أخرى.. {إن أول بيت وضع للناس...}.
المقدم: طيب دكتور في هذا الموضوع سنسأل الضيف عنه الآن، لكن نريد أن نعرض معك الشكل رقم ثلاثة الآن من أجل أن تصل الفكرة إلى المشاهد، وتبين أن الأضلاع تختلف في طولها لكن الزوايا واحدة..
الدكتور خالد: نعم في الشكل الذي أمامنا الآن يثبت تطابق شكل الكعبة القديمة بالمسجد الأقصى القديم والحالي، تطابق تام، وهذا عمل من صنع الدكتور هيثم الرطروط في جامعة النجاح في نابلس، وهو رئيس قسم العمارة هناك، وهو أول من بحث في هذا الموضوع، وبحثه يثبت الكثير من الأمور في موضوع المسجد الأقصى، ويضيف أن الباني للمسجد الأقصى..
المقدم: دكتور خالد سأرجعلك، لكن دعني أسال الدكتور منذر زيتون.. رغم أن مساحة الكعبة أقل بكثير من مساحة المسجد الأقصى، لكن إذا طابقنا الشكلين فنلاحظ كما رأينا الزوايا متطابقة تماما الزوايا لكن الأطوال تختلف، فهل الذي بنى الشكلين هو نفس الشخص؟
الضيف: هو قد يكون الباني واحد وقد لا يكون، ولكن أكثر الروايات أن الذي بنى أو أمر أن يبني هو آدم عليه السلام، وسواء بنى هو أو كما تقول بعض الروايات أنه كلف بعض أبنائه أن يبني المسجد الأقصى كما هو بنى الكعبة..
المقدم: أنت تعطف دكتور على حديث البخاري (أي مسجد وضع في الأرض أولاً) بينهما أربعون عاماً، إذن أربعين عام فقط..
الضيف: وهي مدة بالمناسبة قليلة جدا، بالنسبة لناس يعيشون سنوات طوال.. فأربعين عاماً ليست بشيء، ولكن أقصد أن الذي أوحى لآدم عليه السلام بهذا الأمر هو الله سبحانه وتعالى، هذه هي النقطة أن البناء تم بأمر ووحي من الله تعالى ولم يكن شأناً لآدم أو لأبنائه، لكنه إن صحت الرواية فهو كلف بعض أبنائه ليقوموا ببناء المسجد الأقصى.
المقدم: طيب دكتور اليهود الآن يعتقدون أن المسجد الأقصى بني من زمن سيدنا سليمان، وبالتالي هم يدعمون نظرية إعادة بناء الهيكل المزعوم، وهذا الكلام يضرب في أساسات فكرتهم بأنه بنى آدم بأمر إلهي؟
الضيف: هم لا يريدون أن يسمعوا الحقيقة، يريدون الباطل كما يتصورون، هذا غيظ لهم، في الحقيقة في البداية كان البناء بمعنى تحديد المكان ثم إقامة بناء على هذا المكان، كان بالنسبة للكعبة مهمة إبراهيم عليه السلام، وكانت مهمة إقامة البناء على المسجد الأقصى هي مهمة سليمان عليه السلام، فسليمان عليه السلام لم يحدد المكان وإنما هو أعلى البناء ليكون مسجداً يتعبد به البشر الله سبحانه وتعالى في ذلك الوقت.
المقدم: طيب دكتور خالد العويسي، معقول أن يكون في زمن سيدنا آدم عليه السلام معدات تحدد هذه الزوايا؟
الدكتور خالد: جميل جداً، كما ذكر الأستاذ منذر، ربما كان بوحي من الله سبحانه وتعالى.. كما ذكرت بناء المسجد الأقصى مطابق جداً لبناء الكعبة هذا شيء غريب..
المقدم: لنرى الشكل رقم أربعة لنوضح ما تتفضل به
الدكتور خالد: تمام، يعني حتى شكل المسجد الأقصى غريب جداً، يعني كل جدار له قياسات مختلفة، ونفس الشيء في الكعبة، وهذا الشيء غريب جداً في الهندسة، عادة إذا أردت أن تبني بيتاً أو تبني بناء عادة تكون الزوايا محددة والجدران متساوية ومتوازية، لكن هذا البناء غريب جداً، ويذكر الأزرقي أن الكعبة موجودة تحت البيت المعمور في السماء وعلى نفس القياس..
المقدم: الله أعلم، يدخلها سبعون ألف ملك كل يوم يخرجون لا يرجعون..
الدكتور خالد: نعم، فإذا كان شكل الكعبة يطابق البيت المعمور في السماء، والأقصى مطابق للكعبة، إذن فهذه القياسات ليست بشرية..
المقدم: لكن دكتور، ربما هناك انحراف حوالي 13 درجة في الرسم..
الدكتور خالد: نعم، هذا شيء آخر، اتجاه المسجد الأقصى في أساساته وفي قواعده متجه باتجاه الكعبة تماماً، يعني عندما أتى سيدنا عمر بن الخطاب وأعاد بناء المسجد الأقصى أعادها على قواعدها الأولى، لم يبني قواعد جديدة ولم يحدد حدوداً جديدة بل أعادها على نفس القواعد التي كانت عليها، والقواعد هذه أثرياً تعود إلى الفترة الرومانية، الآن السؤال لماذا الرومان يبنون بناء تجاه الكعبة، وعادة كانوا يبنوا بناءهم على المحور الشمالي الجنوبي، هذا البناء الوحيد في الفترة الرومانية الذي يعود بنائه إلى اتجاه مختلف كما ذكرت.
المقدم: دعني أختم معك دكتور لو تكرمت، هل هناك دليل هندسي يدل على أن المسجد الأقصى يتجه إلى الكعبة المشرفة وهو موضوع مهم باتجاه القبلة الأولى؟
الدكتور خالد: هذا شيء مهم جداً لأنه يدحض الكثير من الادعاءات، فحتى لو كان هناك مصلى لسليمان على المسجد الأقصى فلماذا يكون متجهاً باتجاه الكعبة، لكن الإثبات أن اليوم المصلين الذين يصلون في المسجد الأقصى يصلون باتجاه الكعبة المشرفة على نفس الأساسات القديمة الموجودة..
المقدم: جميل.
الدكتور خالد: تجاه المسجد الأقصى باتجاه الجنوب الشرقي باتجاه الكعبة المشرفة.
المقدم: أستاذ دراسات بيت المقدس الأستاذ خالد العويسي، نشكرك شكرا جزيلاً، كنت معنا من تركيا من مردين.. مشاهدينا نلتقي بعد فاصل قصير..
المقدم: أهلا بكم من جديد مشاهدينا في هذه الحلقة من برنامج فلسطين في الكتاب والسنة، وضيفنا اليوم هو الدكتور منذر زيتون، دكتور منذر أنا أريد أن أحول سؤال يسأله المستشرقون الذين يتعاطفون مع اليهود حسبما قيل في بعض الأبحاث.. أصلاً لماذا كانت القبلة إلى بيت المقدس من البداية؟
الضيف: أصلا.. هي حكمة الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون القبلة لبيت المقدس، وهذا في رأيي يشير إلى الربط الصارم والقوي بين الكعبة أو البيت الحرام وبين المسجد الأقصى، ويؤكد هذا الرابط القوي ما ذكره الله تعالى في القرآن {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}، هذا رابط حقيقي، وكان الإسراء أيضا ربطاً آخر، والقبلة الأولى كانت تأكيداً على هذا الرابط، والقضية الثانية لتأكيد اهمية المسجد الأقصى عند المسلمين كما هي أهمية الكعبة المشرفة، القضية الثالثة هي ابتلاء وفتنة لهؤلاء كما قلنا، وعلى أي حال هؤلاء المستشرقون لن يقتنعوا.. الله سبحانه وتعالى فصل بذلك عندما قال تعالى {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} القضية أنهم لن يتبعوا، أخي عمر، لاحظ أن القضية هنا ليست قضية القبلة بالمعنى المادي والحسي وإنما أيضاً بمعنى السلوك والتوجه، يعني هؤلاء الذين أوتوا الكتاب اليهود وغيرهم لن يتبعوا ولن يستسلموا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهم لن يؤمنوا به إطلاقاً، ولذلك في الآية الله سبحانه وتعالى ذكر {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ}، وفي الآية {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}.. هم يعرفوا الإجابة، نحن لسنا بحاجة لأن نعرفهم الإجابة، لأنهم يعرفونها تماماً ولكنهم يخفون الحقيقة، وهنا كشف زيف ادعائهم، ولعل هذا يا دكتور عمر يعتبر دليلاً قاطعاً على أنهم كاذبون لأنهم يعلمون الحقيقة ويكذبون، ونحن نعلم أنهم كاذبون.
المقدم: إذن ما سبب تحويل القبلة.. بشكل موجز؟
الضيف: تحويل القبلة لأن القبلة الأساسية التي صلى إليها الأنبياء كلهم هي الكعبة المشرفة، ولكن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي إلى بيت المقدس في البداية كان لتوجيه أنظار المسلمين والعالم لأهمية هذا البيت، وقد أخذ بيت المقدس حظه في ذلك سنوات طويلة، نحن ذكرنا أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى إلى بيت المقدس سنوات طويلة تقدر بأكثر من 14 سنة، وهذه الفترة كافية ليعلم الناس فيها أهمية هذا المكان.
المقدم: والربط جاء من خلال أهم شعيرة في الإسلام وهي الصلاة.
الضيف: أحسنت، الصلاة، وأهم شيء في الصلاة ما يسميه الفقهاء شروط صحة الصلاة، فإن من شروط صحة الصلاة شرط استقبال القبلة، فلا تجوز الصلاة ولا تقبل إلا بشروط صحتها، ومن شروط صحتها استقبال القبلة.
المقدم: طيب، القبلة الحالية هي الكعبة، لكن هناك آية تقول {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}، هذا التقلب هل له علاقة بوجهة معينة؟
الضيف: نعم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى وينتظر أمر الله تبارك وتعالى أن يصلي إلى الكعبة، لماذا، لأنه هو لا يريد أن يتشابه مع اليهود في شيء، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو المسلمين أن يخالفوا اليهود والنصارى، لا نريد أن تكون مسلكياتنا وأعمالنا وفق هؤلاء، لأن هؤلاء خرجوا وضلوا عن السبيل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كره أن يقلدهم حتى في توجهه إلى القبلة، فكان يدعو الله تعالى وينظر إلى السماء يا رب يا رب، بمعنى احكم وأصدر أمرك بتحويل القبلة، لأنه كان يعلم بوحي من السماء أن القبلة سوف تحول، وكان ينتظر الفرج متى ستحول، وكان أمر الله سبحانه وتعالى في وقت شاءه هو، وبالتالي خالف هو بهذا التحول اليهود، وهذا الذي كان ينتظره.. لم يكن يريد أن يكون هو واليهود على نفس الوجهة.
المقدم: دكتور هل من الممكن أن نقول إن هذا له دلالة أخرى من حيث ترتيب الأولويات بين القدس ومكة؟
الضيف: نعم ممكن جداً، لأن البيت الحرام هو المسجد الأول في الإسلام.. المسجد الأول من حيث الحرمة والقداسة، والمسجد الأقصى هو تابع في ذلك، لكن خلينا نقول إن المسجد الأقصى اكتسب أهمية أخرى وهي البركة التي تحدث الله تعالى عنها، المسجد الأقصى هو مركز للبركة كما أن الكعبة مركز للقداسة، وكما هناك تطابق في الشكل الهندسي كما تفضل أخونا الدكتور خالد، فهنا تطابق آخر من حيث الأهمية، فهناك مركز القداسة وهنا مركز البركة، وكما تعلم أن البعض قال إن الكعبة هي مركز الأرض، فأيضا المسجد الأقصى هو مركز السماء.
المقدم: جميل.
الضيف: وبالتالي حدث المعراج..
المقدم: العروج نعم..
الضيف: العروج كان من هناك، وبالتالي هذا مركز وهذا مركز، وبالتالي أنا أعتقد أن أهم قطبين في الأرض هما الكعبة أو المسجد الحرام والمسجد الأقصى.. هما قطبان، فعلياً في الأرض، وللمسلمين في التوجه.
المقدم: أحسنت دكتور، وما لمثلي أن يثني عليك، إذن البيت الحرام أو الكعبة يقيس حالة الإسلام، وبيت المقدس أو الأقصى يقيس حالة المسلمين؟
الضيف: نعم تماماً.
المقدم: طيب لو أخذنا جزئية وهي تفرض نفسها في هذا الحوار، تكلمنا عن الاتجاهات، اتجاه بيت المقدس واتجاه القبلة، وتحدثنا عن المسجد النبوي وسنتحدث عنه أيضاً، ولكن ماذا عن ركن الكعبة أو الركن اليماني في الكعبة، فنحن نتوجه إلى الحجر الأسود، وكذلك إلى الركن اليماني أيضاً، لماذا نستقبل فقط الركن اليماني؟
الضيف: لعله تذكير بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقبله فعل موسى عليه السلام إن صحت الروايات، حيث كانت تستقبل القبلة الأولى منه، فعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى بيت المقدس كان يجعل الكعبة بين يديه، بمعنى يستقبل الكعبة ثم المسجد الأقصى من نفس الاتجاه، من الركن اليماني، وهذا حقيقة فيه إشارة تقودنا إلى فضيلة أهل اليمن، فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا لأهل اليمن بالبركة، فأنت لما تستقبل الركن اليماني تتذكر فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وتتذكر من خلاله أن اليمن أهل الخير وأهل البركة، وقد دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هناك وجهتان لهما ميزة: أهل اليمن وأهل الشام، الشام الأرض التي فيها المسجد الأقصى المبارك.
المقدم: طيب الصحابة الذين استقبلوا خبر تغير القبلة واستداروا إليها بطاعة مطلقة، كيف فهموا هذا التطابق بين المسجدين من زاوية حضارية أيضاً؟
الضيف: هم فهموا أن عليهم السمع والطاعة، وفهموا مكانة المسجدين في الإسلام، ولكنهم فهموا فيما بعد أهمية المسجد الأقصى، فلما تولى عمر رضي الله عنه الخلافة كان أول هدف من أهدافه تحرير القبلة الأولى، لأنها تعني له ما تعني كمسلم وكقائد، ولم يُترك الأمر قبل عمر هكذا على حاله، بل على العكس أرسل فيما سبق أبو بكر جيش أسامة أولاً لينشر الإسلام في الشام، ثم جاء عمر، إذن فالصحابة أنفسهم كانوا يعلمون القيمة الحضارية للمسجد الأقصى كما علموا القيمة الحضارية للبيت الحرام، وكما تفضلت قبل قليل، إذا كانت الكعبة تعكس حالة الإسلام فإن المسجد الأقصى يعكس حالة المسلمين، شوف يا أخي هذه قاعدة، المسجد الأقصى يعكس فعلياً حالنا، فإن كان المسجد الأقصى في حالة طيبة فالمسلمون في حالة طيبة، أما إذا كان المسجد الأقصى في حالة ضعيفة مستضعفة فالأمة كلها تكون مستضعفة، ولن تقوى الأمة ولن تعود قوتها إلا إذا عاد المجد أولاً للمسجد الأقصى.. على الناس جميعاً أن يفهموا هذا الكلام.. حضارتهم عزتهم قوتهم شرفهم مرتبط بالمسجد الأقصى، الدين حي ولا يموت، والكعبة تعبير عن ذلك، لكن أين أنت أيها المسلم من شرفك، تسترد شرفك على شرط أن تحرر المسجد الأول لعزتك وشرفك.. المسجد الأقصى..
المقدم: طيب لو ربطنا مرة أخرى النهضة التاريخية بالنهضة العمرانية كما شاهدنا في التقرير وهذه الرسوم، هل يمكن الربط بين ما تفضلت به بين ما هو حضاري وما هو عمراني؟
الضيف: لا شك أن الهندسة المعمارية التي بني بها المسجدان لافتة، رأينا كيف أساسات المسجد الأقصى وأساسات الكعبة أساسات غير منتظمة في التعبير الهندسي، بمعنى أن أضلاعها ليست متساوية، أضلاعها غير متوازية، ولكن حقيقة هناك شبه في الزوايا في البنائين، هذا يقول لك إن المعمار شبيه ببعضه، يقول لك إن الآمر واحد، يقول لك إن الحالين واحد، نعم هناك ربط بين الحالة الحضارية كما أسميتها وبين الحالة المعمارية، وفي الحقيقة هذا الذي أخذ وقتاً طويلاً من الباحثين جزاهم الله خير للكشف عن هذه السر المكنون، نحن نشأنا ونحن نرى أن الكعبة مكعبة، والناس لا تدري أن هذا ليس هو الشكل الحقيقي، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرغب أن يكون الشكل الحقيقي لكنه امتنع وأخبر عائشة رضي الله عنها أن قومك حديثو عهد بالإسلام وخاف أن يفتنهم، وبالتالي أبقى الأمر على ما هو عليه.
المقدم: يعني تفهم الأمة الآن وعدم تفهمها وتنازلها عن هذا الطرح الذي طرحته، ما هي مخاطر التنازل عن هذا الفهم على أرض الواقع الآن، وخاصة أن اليهود يروجون على أن المسجد الأقصى بني على يد سيدنا سليمان؟
الضيف: هذا كذب، سيدنا سليمان ما كان منه إلا أن رفع البناء، أما البناء نفسه فموجود من قبله عليه السلام، طبعا هذا كذب وافتراء، والله تعالى قال إنهم يعرفون هذا معرفة تامة، لكنهم يأبون دائماً أن يقولوا الحقيقة.. سيدنا سليمان لم يبني لكنه رفع البناء، مخاطر ذلك أخي العزيز، وليت كل المسلمين يسمعون هذا الأمر، مخاطر ذلك أن تخلي المسلمين أو حتى مجرد تفكيرهم بالتنازل عن الأقصى، أو القدس وفيها الأقصى قطعاً هو تنازل عن شرفهم وعن كبريائهم، وسوف يجدون هذا وتبعاته إذا لا سمح الله استمر هذا الموقف الضعيف تجاه الأقصى، وأنا أشك أن يبقى، لا يمكن لأن الله سبحانه وتعالى سيورث الأرض عباده الصالحين بإذن الله تعالى.
المقدم: جميل، من خلال ما تقدم هناك علاقة وطيدة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى من حيث فترة البناء، من حيث نفس الشخص الذي بناه، من حيث بناءه بوحي من إلهي، أيضا من حيث الاتجاه.. اتجاه المسجد الأقصى.. 
الضيف: دكتور عمر فقط شيء، هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من هل بعمرة أو حجة من المسجد الأقصى إلى بيت الله الحرام غفر له ذنبه ووجبت له الجنة)، بالله أنظر إلى الربط النبوي العظيم..
المقدم: غفر له ذنبه.
الضيف: ودخل الجنة، أو وجبت له الجنة، هذا أيضاً يعطيك العلاقة والترابط الوثيق جدا، أن يذهب المسلم إلى البيت الحرام من المسجد الأقصى، معنى ذلك ماذا، احرص على أن تكون في المسجد الأقصى، احرص على أن تفك قيد المسجد الأقصى من المحتلين الغاصبين حتى تتمكن الأمة من الحصول على هذه الهبة وهذه العطية النبوية، أن يكون ذنبك مغفوراً، وأن تجب لك الجنة..
المقدم: طيب أعيد السؤال..
الضيف: أنا آسف أني قاطعتك..
المقدم: أنهما لهما نفس التاريخ تقريباً، بينهما أربعون عاماً فقط، وبناهما نفس الشخص تقريبا، هناك روايات تقول إنه آدم عليه السلام، وأنهما باتجاه بعضهما، هذه العلاقة الوثيقة ماذا تفيدنا الآن، ما الرسائل التي يمكن أن نبعثها الآن للذين يقفون مع هذا التحليل العلمي ويريدون أن يتبنوا أن القبلة واحدة رغم أن هناك قبلة أولى وقبلة ثانية؟
الضيف: أن المسجد الأقصى يستقبل القبلة أيضا، وأن المسجد الأقصى تابع للكعبة، وأن الناس يجب أن يعلموا أن التوجه واحد، المسجد الأقصى والكعبة توجههما واحد، وبالتالي يجب أن يكون توجه المسلمين تجاه المسجدين واحد، كما يتوجه المسجد الأقصى إلى الكعبة يجب أن نتوجه نحن إليهما توجهاً واحداً.
المقدم: نريد توضيح لكلمة التوجه نظريا وعبادات فقط يعني؟
الضيف: حقيقة ومعنى، عبادة و تاريخ، أولاً العبادة أن أن الأمة لن تسلم ولن تسلم عباداتها من تآمر المتآمرين واعتداء المعتدين إلا إذا كان المسجدان حرين، أولا ثم أنت كمسلم نريد أن يكون توجهك وحبك كما للكعبة المشرفة كما لبيت الله الحرام يجب أن يكون لك حب مثله للمسجد الأقصى، وبالتالي قضية دائما نتكلم عنها، العنصرية والتفرقة الإقليمية التي زرعها المستعمرون والمحتلون كسايكس بيكو وغيره من العيب أن تبقى، لا يجوز..
المقدم: حرام..
الضيف: بالضبط لا يجوز، لا يجوز أن يبقى الناس يقولون هذه حدود وهذه حدود، لا حدود، أي حدود، المسجدان مرتبطان ويكسران كل الحدود ويكسران كل القيود.
المقدم: على كل، ما تفضلت به، والرسوم والتقرير، والنصوص والأدلة الشرعية لن تبقي لأحد أن يفرق بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
الضيف: نحن نحتاج إلى تغيير أذهانعند أخواننا العرب..
المقدم: هذا البرنامج من أجل تغيير الأذهان، ونتمنى أن يكون برنامج متخصص في هذا المجال نتناقش فيه عن كل جزئية في المسجد الأقصى، وعن كل متر على ثرى هذه الأرض المقدسة.. جزاك الله خيراً الدكتور منذر زيتون عضو المكتب التنفيذي لهيئة علماء فلسطين في الخارج شكراً، كما نشكركم مشاهدينا ونشكر ضيفنا الذي كان معنا من مردين في تركيا الدكتور خالد العويسي أستاذ دراسات بيت المقدس، وأخيرا أنقل لكم تحيات مخرج هذه الحلقة السيد عماد الهبش ومنتجها الأستاذ نزار رمضان، هذه تحيات الفريق العامل في برنامج فلسطين في الكتاب والسنة، وهذه تحياتي وتحيات ضيفي، والسلام عليكم.