خبر : ثورة البراق ونتائجها

السبت 11 ديسمبر 2010 12:08 م بتوقيت القدس المحتلة

 

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج

د.إبراهيم أبو شقرا

ثورة البراق ونتائجها

* الفصل الأول: المطامع اليهودية في البراق.

* الفصل الثاني: الخلاف الإسلامي ـ اليهودي على البراق.

* الفصل الثالث: المؤتمر الإسلامي في تشرين ثاني سنة 1928م.

* الفصل الرابع: من المؤتمر الإسلامي حتى ثورة البراق.

* الفصل الخامس: ثورة البراق.

* الفصل السادس: نتائج الثورة.

* الفصل السابع: لجنة شو للتحقيق.

* الفصل الثامن: لجنة البراق الدولية.

الفصل الأول

المطامع اليهودية في البراق 

ما أن انتهت الحرب العالمية الأولى وأعلن بلفور تصريحه حتى انكشف النقاب عن المطامع الصهيونية وبدأ الزعماء اليهود يتحدثون بقرب الرجوع إلى البلاد التي طالما حلموا بها وكشفوا أهدافهم ومقاصدهم من خلال خطبهم على المنابر وعلى صفحات الجرائد. وإن الهدف الذي تسعى إليه الصهيونية هو إقامة الدولة اليهودية على أنقاض الشعب الفلسطيني وجعل فلسطين يهودية كما أن إنكلترا إنكليزية. فكانت الجمعيات والفرق والأحزاب وحتى المستعمرات التي أسسوها البرهان القاطع على ما تضمره الصهيونية([1]). ولعلنا نعرف المطامع اليهودية من خلال التعاريف والتصريحات. فتعريفنا للصهيونية أنها «حركة يهودية سياسية اشتق اسمها من صهيون وهو جبل في جنوب القدس جاء ذكره في مواضع متعددة من التوراة منها قوله «رنّموا للرب الساكن في صهيون لأنه مطالب بالدماء» وتهدف الحركة الصهيونية إلى إعادة مجد إسرائيل بإقامة دولة يهودية في فلسطين. فإذا تم لها الاستيلاء على القدس أقامت في موضع المسجد الأقصى هيكل سليمان»([2])

أما تعريفها في دائرة المعارف البريطانية «أن اليهود يتطلعون إلى افتداء إسرائيل واجتماع الشعب في فلسطين واستعادة الدولة اليهودية وإقامة بناء الهيكل وإقامة عرش داود في القدس ثانية وعليه أمير من نسل داود»([3]). أما في دائرة المعارف اليهودية «أن اليهود يبغون أن يجمعوا أمرهم وأن يقدموا إلى القدس ويتغلبوا على قوة الأعداء وأن يعيدوا العبادة إلى الهيكل (أي سكان المسجد الأقصى) ويقيموا ملكهم هناك»([4]) وأعلن وايزمن في سنة 1918م بأن اليهود يذهبون إلى الحائط ويبكون خراب الهيكل ويصلون لإعادة بنائه([5]). وأعلن في سنة 1920م «سنبقى في فلسطين سواء أردتم (أيها البريطانيون) أم أبيتم. يمكنكم أن تعجلوا أو تؤخروا يوم قدومنا. والأفضل لكم أن تساعدونا وإلا فإن مقدرتنا التعميرية تنقلب إلى مقدرة تدميرية تضطرب لها الدنيا بأجمعها»([6]). وأعلن الزعيم اليهودي «كلوزنر» رئيس جمعية الدفاع عن المبكى في جريدة بالستاينويكلي اليهودية في 6 آب سنة 1929م قوله «المسجد الأقصى القائم على قدس الأقداس في الهيكل إنما هو لليهود»([7]). وكتب نورمان بنتويش يقول «لا حاجة لأن فلسطين المستقبلية محدودة بحدودنا التاريخية ففي إمكان المدنية اليهودية الامتداد على جميع البلاد التي وعدوا بها في التوراة»([8]) وقال أيضاً: «لا تحتاج فلسطين المستقبل إلى أن تقتصر على حدودها التاريخية، فالمدنية اليهودية يمكن أن تمتد إلى جميع المحصور في الولايات المتحدة من البحر الأبيض المتوسط إلى الفرات ومن لبنان إلى النيل، فإن هذا الإقليم هو المعطى للشعب المختار»([9]) وصرح أيضاً ولهيم ريل قائد حركة السير إلى فلسطين ورمزها فلسطين اليهودية «إننا لا نعين الآن حدود إسرائيل وهذه الحدود تكون تلك التي نقدر على الوصول إليها»([10]). وفي مؤتمر باريس سنة 1919م أوضح اليهود بأن تعرف دول الحلفاء بما لليهود من حق تاريخي في فلسطين وفي تأسيس وطنهم القومي([11]). وصرح الدكتور أيدر رئيس اللجنة الصهيونية «بأنه ليس من المعقول والممكن أن يكون في فلسطين وطنان وإنما يجب أن يكون هناك وطن واحد لا غير وهو الوطن اليهودي»([12]) وقد قال ليونارد شتاين: «إن جميع اليهود قد فهموا وعد بلفور بأنه عبارة عن تحرير فلسطين والاعتراف بأنها وطن إسرائيلي» وصرح هاري ساكر رئيس اللجنة الصهيونية التنفيذية «إني أقول إن الأمر الذي يهمنا هو إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي»([13]) وقد قال وايزمن: «إنه لا يجوز أن يفهم أن وعد بلفور يعني أن هجرة اليهود إلى فلسطين يجب أن تتقيد بعدد العرب ولا تزيد عليه. فالقصد من إنشاء وطن قومي لليهود هوتمكن كل يهودي من العودة إلى فلسطين»([14]). وقد صرح المستر كزنيك «إننا في حاجة إلى خمسة ملايين دونم من الأراضي على الأقل كيما نؤمن على إنشاء الوطن القومي»([15]). وقد أعلن ديفيد بن غوريون «أنه لا معنى لفلسطين بدون القدس.. ولا معنى للقدس بدون الهيكل»([16]). وكذلك أعلن السير الفرد موند الزعيم اليهودي والوزير البريطاني السابق الذي أصبح فيما بعد «لورد ملتشت» «إن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أصبح قريباً جداً وإنني سأكرس ما بقي من أيام حياتي لبناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى»([17]) وفي مؤتمر بال في سويسرا سنة 1897م قال أعضاء المؤتمر: «إن اليهود لا يجتمعون إلا حول الهيكل اليهودي في القدس. لذلك صمم هرتزل على مقابلة السلطان عبد الحميد الثاني([18]) وتلقى الحاج أمين كتاباً من حاخام اليهود في رومانيا «إبراهيم روزنباخ» بتاريخ 20 تشرين ثاني سنة 1930م يلح فيه بضرورة إباحة المسجد الأقصى لليهود ليقيموا فيه الشعائر الدينية اليهودية. وقد كتب الحاخام المذكور بمثل ذلك إلى السكرتير العام البريطاني لحكومة فلسطين تحت رقم 26-487»([19]) وفي حفل تنصيب الأدونهرتزوغ رئيساً لحاخامي اليهود في فلسطين وقف حاخام رومانيا قائلاً: «ومنذ بناء الهيكل ثم هدمه كنا نأمل دائماً في إعادة بنائه وفي إمكان العودة إلى تقديم قرباننا على الدوام في ساحة الهيكل»([20]) وقد أكد المطران غريغوريوس حجار في شهادته أمام اللجنة الملكية في فلسطين الأهمية البالغة للحائط عند اليهود فقال: إن اليهود يطمحون إلى الهيكل السليماني طموحاً لا يمكن إغفاله ولا جدال فيه وهو غايتهم الأخيرة لأنهم بدونه وخارجه لا يستطيعون أن يقدموا ذبائح وضحايا ولا تكون لهم كهنة ولا يمكن أن يكونوا أمة»([21]).

وقد صرح الحاخام كوك رئيس حاخامات جمعية الاشكناز بوجوب إعادة بناء الهيكل على حقيقته القديمة([22]). وقد قال زينوفييف«ستكون أورشليم في يوم من الأيام عاصمة للسلام العالمي»([23]) وصرح رئيس حاخامي اليهود في فلسطين سنة 1948م «بأن العاصمة اليهودية لن تكون تل أبيب إنما ستكون القدس لأن فيها هيكل سليمان ولأن الصهيونية حركة سياسية ودينية معاً وإن شبان اليهود سيضحون بحياتهم لاسترداد مكانهم المقدس الهيكل (المسجد الأقصى)»([24]). وقال فلاديمير جابوتنسكي «قبل كل شيء.. أكثرية يهودية في فلسطين، كيما يتسنى للنظرية اليهودية أن تسود على الدوام تحت حكم ديمقراطي([25])يجب على العرب أن يقوضوا خيامهم ويعودوا إلى الصحراء التي منها جاؤوا»([26]) وقالت جريدة كوونيكل: «إن الحل الوحيد لمسألة فلسطين هي إعطاء اليهود كيهود تلك الحقوق والامتيازات في فلسطين التي تمكنهم من جعلها يهودية كما أن إنكلترا إنكليزية وكندا كندية»([27]).

وقال أشير كزنبرج: «إذا قدر للشعب اليهودي أن يحكم فلسطين ويدير شؤونها كلها وفقاً لطريقته الخاصة، غير مبال بموافقة سكانها الحاليين أو عدمها ينبغي أن يفهم أن هذا التجدد إنما هو تجديد لحقوق اليهود القديمة التي تفوق حقوق السكان الحاليين الذين أسسوا وطنهم القومي على أرض ليست لهم»([28]). وقال ايرلن: «لا يستولي الشعب اليهودي على فلسطين إلا بعد انحلال الإمبراطورية البريطانية. وما غايتنا إلا القضاء على السياسة البريطانية الاستعمارية»([29]).

وقال مندل زلبرل: «تسألونني عن رغبتي، فأجيبكم أن رغبتي هي أورشليم. تسألونني عن رغبتي فأجيبكم أن رغبتي هي الهيكل، هي كل ما فقدناه، هي كل ما صبونا إليه، هي كل ما صار بنا من أجله. هي بلادنا الجميلة. هي معتقدنا المقدس، هي عاداتنا الساذجة وأخلاقنا القديمة»([30]).

وقال الدكتور شوار تبرود: «هذا خطر عظيم علينا، لن نقبل بالتساوي في الحقوق بيننا وبين العرب. فنحن ما جئنا إلى فلسطين إلا لننشئ فيها عرش داوود وسليمان. أما التساوي فلا نقره ولا نقبل به»([31]).

وقال عميئيل رئيس حاخامي تل أبيب:

«إن فلسطين لا يمكن أن يسكنها شعبان، واليهود لا يقبلون أن يشاركهم أحد في ملكيتها، والحكومة البريطانية إذا كانت قد ذكرت في صك الانتداب أمر المحافظة على حقوق العرب الدينية والمدنية فقد كان ذلك مجاملة منها»([32]).

أما محاولة اليهود للاستيلاء على الحائط والمنطقة المجاورة له حيث اعتقد وايزمان بأن الاستيلاء على الحائط سوف يحرك الشعور الديني عند الصهاينة. وبعد أشهر من دخول القوات البريطانية القدس حاول اليهود الاستيلاء على الحائط والمنطقة المجاورة عن طريق رونالد ستورز حاكم القدس وعرض مبلغ 70000 جنيه([33]) وقد ذكر وندهامديدس"Wyndham Deads" برسالة إلى السكرتير العام بأن اليهود حاولوا فعلاً شراء الحائط ولكن لقي الأمر الاستياء والمعارضة من المسلمين([34]) وتكررت المحاولة من الكولونيل كيش بمساعدة القاضي فرمكن Frumkin حيث دفعوا مبلغاً قدره 100000 جنيه للاستيلاء على جزء من الوقف المقابل على الحائط كما كتب لوايزمن «بأن هذا سوف يخلع عن الأملاك الإسلامية المتولدة من كونها وقفاً ومن شأن ذلك أن يوجد سابقه ويقطع الطريق على المجلس الإسلامي الأعلى لأنه سيجد نفسه أمام حقيقة قانونية». وكانت الخطة بالنسبة للبيوت أن يجلي عنها سكانها المغاربة ثم يهدمها أو يحولها إلى وقف يهودي وإذا تم ذلك في ثلاث سنوات «سيكون التأثير السياسي لذلك عظيم»([35]). وقد عرض اليهود كذلك بواسطة صديق عربي لهم على المفتي مبلغ 50000 جنيه له شخصياً و 400000 جنيه ثمناً للوقف. وكذلك عرض عليه كيش الرشوة للموافقة على البيع ولكنه رفض وبذلك أصبح شاكاً في أهداف اليهود وخاصة أنه عندما عرض ستورز فكرة الشراء وحاول إقناع المسلمين للبيع ذكر لهم بأن يوافقوا لأنهم لن يحصلوا على شيء بعد ذلك لأن هذا الوقف سوف يكون ملكاً للحكومة في مشروع تجميل المدينة. وفي سنة 1925م طالب اليهود الحكومة مباشرة بوضع يدها على المكان وتسليمه إلى اليهود.([36]) وفي صيف سنة 1929م دعا فلاديمير جابوتنسكي زعيم الحزب الصهيوني الإصلاحي «اليهود إلى التسلح والاعتماد على العنف والقوة لتحقيق أهدافهم وطالبهم صراحة بوجوب الاستيلاء على حائط المبكى تمهيداً للاستيلاء على المسجد الأقصى»([37]).

«أخذت الصحف والأحزاب اليهودية تحض اليهود على مبادرة العمل الجدي لاستعادة ساحة المسجد الأقصى ابتداء بمكان البراق الشريف»([38]) وقد نشرت صحيفة عبرية تصدر في مدينة نيويورك صوراً رسمت على بعض منها قبة الصخرة أو بناء يشبهها مع نقوش وكتابة عبرية على جدران البناء (هذه الصور أبرزها الشهود العرب أمام لجنة شو تأييداً لهذا الاعتقاد)([39]) وقد كان الحاج أمين الحسيني يعي هذه المسألة وعرف بأن اليهود لا يريدون فلسطين فقط لأطماع مادية ولكن لأمور دينية حيث رغبوا في الاستيلاء على منطقة الهيكل وخاصة بعد نشر بروتوكولات حكماء صهيون حيث قال المفتي بأنه هو وكثير من الأشخاص تأثروا بعد اطلاعهم عليه وقال: «أنا أفهم من هذا الكتاب أن اليهود يريدون السيطرة على فلسطين، شرق الأردن وغيرها من البلاد ومن ثم يريدون الاستيلاء على البراق ليصلوا فيه والاستيلاء على منطقة الحرم لإعادة بناء الهيكل»([40]). لذلك كان واضحاً منذ البداية أهداف اليهود وقد تصدى لها المفتي بقوة وعنف ولم يتهاون في ذلك.


 


الفصل الثاني

الخلاف الإسلامي ـ اليهودي على البراق

 

 

 

البر اق جزء من الحائط الشرقي للحرم الشريف الذي يعتبره المسلمون مكاناً مقدساً عندهم لأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين* . وتوجد غرفة في داخل الحائط من جهة ساحة الحرم حيث يعتقد المسلمون أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ربط البراق هناك وعرج منه إلى السماء في ليلة الإسراء لذلك يدعون هذا الحائط «حائط البراق»([41]) وقد سمح المسلمون لليهود في الماضي كرماً منهم ومنّة بزيارة الحائط المذكور (الحائط الخارجي الغربي لهيكل هيرودوس الكبير)، «فكانوا يقومون بتلك الزيارة بين آونة وأخرى ولا سيما في الصيام 9 آب ذاكرين هيكلهم ناحبين خرابه باكين دولتهم». ومن هذا البكاء والنحيب عرف الحائط باسم «حائط المبكى» أو «حائط النحيب»([42]). ويعرف البراق عند اليهود بالحائط الغربي (كوتل مارافي) وعند المسيحيين الغربيين (بحائط المبكى).([43])

وقد ورد في تقرير لحكومة فلسطين أن حائط المبكى (يطلق عليه اسم «البراق» باللغة العربية واسم «كوتل معرافي» باللغة العبرية) جزء لا يتجزأ من الحائط الغربي للحرم الشريف القائم في موقع الهيكل اليهودي القديم حيث يقوم الآن مسجدان: المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة أو كما يطلق عليه عادة «مسجد عمر» ويبلغ طوله ما يزيد على المائة متر وعلوه نحو عشرين متراً([44]).

أما ذلك القسم من الحائط الذي يقوم حوله الخلاف بين اليهود والمسلمين فهو عبارة عن ثلاثين متراً من الحائط الخارجي. ويمتد أمام ذلك القسم من الحائط رصيف ضيق لا يستطاع السلوك إليه من الطرف الشمالي إلا بواسطة زقاق ضيق يبتدئ من شارع الملك داوود (باب السلسلة) ويمتد هذا الرصيف جنوباً إلى حائط آخر. ويفصل هذا الحائط بخط مستقيم رصيف حائط المبكى عن بضعة بيوت خصوصية وعن موقع مسجد البراق في الجهة الجنوبية([45]). ويبلغ عرض الرصيف الكائن أمام الحائط نحو أربعة أمتار([46]). وهو وقف إسلامي مؤيدة وقفيته بصكوك محفوظة لدى دائرة الأوقاف([47]). ويعرف باسم وقف «أبو مدين الغوث» التي أوقفها سنة 1320م للحجاج المغاربة، وما زالت هذه المحلة تعرف باسمهم حتى الآن([48]). وهذا الممر ليس طريقاً عاماً ولكن أنشئ فقط لمرور سكان محلة المغاربة وغيرهم من المسلمين في ذهابهم إلى مسجد البراق ومن ثم إلى الحرم الشريف([49]). وما زال اليهود ينظرون إلى حائط البراق الذي يطلق عليه عادة اسم حائط المبكى (آخر آثار الهيكل اليهودي الذي بناه هيرودوس وهدمه الرومان) نظرة احترام وتقديس لأنه في نظرهم آخر مكان مقدس لهم. واعتاد اليهود، بعد سماح المسلمين لهم، زيارة هذا المكان دلالة على احترامهم واحتفالهم بذكرى خراب آخر هيكل لهم وخاصة في يوم الصيام المعروف في يوم تسعة آب ويبدؤون بالبكاء والعويل أمامه([50]).

ويعود النزاع على حائط البراق بين العرب واليهود لأسباب تاريخية حيث يعتقد اليهود أن لهم حقاً تاريخياً في حائط البراق لأنه منذ الزمن القديم قامت في هذا المكان ثلاثة هياكل يهودية متعاقبة. وأن المداميك السفلية الثلاثة في الحائط الغربي ما زالت منذ أيام الهيكل الأخير الذي بناه هيرودوس([51]). كما قلنا نتيجة التسامح العربي مع اليهود منذ عهد صلاح الدين الأيوبي الذي سمح لهم بالعودة إلى القدس ولكن المسلمين منعوهم من إحضار المقاعد أو الكراسي أو الستائر أو أية أداة تستعمل للجلوس أو للعبادة ولكن سمحوا لهم بالوصول إلى المكان والزيارة والبكاء والصلاة فقط.([52]) ومع أن حائط البراق ملكية إسلامية منذ 13 قرناً «وقد لقي من المسلمين في مختلف الأزمان عناية خاصة، فقد حبسوا كل ما يحيط ويتصل به أوقافاً على المسلمين، وأنشئت لذلك منازل متراصة بحيث أحاط المسلمون بمكان البراق إحاطة مؤدية إلى حراسته»([53]) ولم تسجل التقارير أية حوادث بين المسلمين واليهود ما قبل القرن التاسع عشر.([54]) ولكن في عهد محمد علي باشا صدر أمر بالسماح لليهود بزيارة حائط البراق والصلاة عنده ولكن لم يسمح لهم بتبليط الرصيف في وقف «أبو مدين» ورفع الأصوات وإظهار المقالات.([55]) وفي سنة 1911م أصدرت السلطات العثمانية أمراً بمنع اليهود من إحضار الكراسي والمقاعد إلى الحائط.([56]) وعندما دخل اللنبي مدينة القدس في أوائل كانون أول  من سنة 1917م أصدر المنشور الآتي:

«وطالما أن أتباع الأديان الثلاثة الكبرى في العالم ينظرون إلى مدينتكم بعين العطف والاحترام. وبما أن أرضها قد تقدست من الصلوات والزيارات التي قامت بها جماعات كبيرة من الورعين والأتقياء من الأديان الثلاثة لأجيال عديدة. لذلك أعلن لكم بأن جميع المباني والأماكن والمواقع والمقامات المقدسة والأوقاف على اختلاف أنواعها وأماكن العبادة المعتادة للأديان الثلاثة سيحافظ عليها وتصان وفقاً للعادات المرعية واعتقادات أولئك الذين ينظرون إليها بعين التقديس».([57])

وفي سنة 1919م صرح الصهاينة بأنهم سوف يحصلون على المسجد الأقصى ويعيدون بناء الهيكل. وهذه المحاولات ذكرت في عدة وثائق فمثلاً أرسل السير وندهامديدس مساعد المندوب السامي رسالة في 8 حزيران سنة 1922م ذكر فيها أن الصهاينة سنة 1918م تفاوضوا على شراء الأقصى، وهذا أثار استياء وقلق المسلمين حيث أبدوا اعتراضهم إلى المندوب السامي.

ولذلك فشل الصهاينة بشراء الأرض، لأن بريطانيا تعرف أن الوقف لا يباع في الشرع الإسلامي. وقد نصح رونالد ستورز وايزمن بصرف النظر عن محاولة شراء هذه الأراضي، واستمر المسلمون بالسماح لليهود بالصلاة عند حائط البراق. ولكن عندما أصبح المصلون اليهود يحضرون معهم الكراسي والطاولات والأضواء، خاف المسلمون من مطامع اليهود ورفضوا السماح لهم بالصلاة هناك إذا ما أحضروا هذه الأشياء.([58]) وأخذ اليهود منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى يفكرون بالحصول على حقوق لهم في هذا المكان ومحاولتهم تغيير الحالة ما قبل الاحتلال وبدؤوا خطوتهم الأولى سنة 1919م بتقديم العرائض الرسمية ونشر المقالات الخطيرة حتى وصل بهم الأمر إلى نشر صور لهيكل يهودي جديد مكان مسجد الصخرة ونشر صور لهذا المسجد يعلوها العلم الصهيوني والكتابات العبرانية مما أثار مخاوف المسلمين. ولم يكتف اليهود بذلك بل استمروا في استفزازهم للمسلمين عندما حاولوا شراء المنطقة الوقفية الواسعة المحيطة بالحائط بأموال باهظة للإغراء.([59]).

وفي سنة 1921م أرسلت اللجنة الصهيونية إلى حاكم القدس ستورز رسالة تحتج فيها على إصلاحات المفتي في الحائط بدون إذن من اليهود وأن يكون الإصلاح بواسطتهم، وقد احتجت الرسالة أيضاً على العمل يوم السبت لأنهم يذهبون للصلاة. أما تقرير المهندس الذي عينه ستورز للكشف على الحائط فذكر بأن إصلاحات السقف «مع ثلاثة أمتار إلى الأسفل» ضرورية لصيانة البناء، عندها استمر المفتي  في الإصلاحات الضرورية إلا أن رسالة اللجنة الصهيونية لستورز كشفت حقيقة النوايا الصهيونية العدوانية([60]).

وبعد أن أعلن الصهاينة عن خطتهم للاستيلاء على الأماكن المقدسة الإسلامية حَثَّ الحاج أمين الحسيني ورجال دين مسلمون آخرون في فلسطين العالم لحماية الأماكن المقدسة من الخطر المحدق بها. واعتقد هؤلاء برسالة نشروها في 15 تموز سنة1922م بأن الوقت المناسب لإثارة الشعور الديني يكون خلال موسم الحج في مكة. وقد أرسل الوفد الإسلامي الفلسطيني برسائل إلى مسلمي العالم للاهتمام بالأماكن المقدسة من الأخطار التي تحدق بها([61]). وكذلك أرسل الوفد ببرقية إلى صاحب الجلالة السلطان محمد السادس وإلى جلالة ملك مصر وإلى أصحاب الجلالة والعظمة شاه إيران وأمير الأفغان وملك الحجاز وملك العراق. وتقول البرقية: «الفلسطينيون يستصرخون جلالتكم للاحتجاج لدى الحكومة البريطانية وعصبة الأمم على صك انتداب فلسطين الذي يمنح اليهود وطناً قومياً في تنفيذه خطر على الأمة العربية والأماكن المقدسة. والمسجد الأقصى سيصير بذلك معبداً لليهود. باسم الإسلام نسترحم المبادرة بالاحتجاج»([62]) وعندما عهد مجلس عصبة الأمم في 24 تموز 1922م إلى الحكومة البريطانية بالانتداب على فلسطين. نصت المادة الثالثة عشرة من صك الانتداب على ما يلي: «تتقلد الدولة المنتدبة كل التبعية المختصة بالأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية في فلسطين وهذا يشمل المحافظة على الحقوق الموجودة وضمان الوصول إلى الأماكن المقدسة والمواقع الدينية وحرية العبادة مع المحافظة على مقتضيات الأمن العام والآداب وتكون الدولة المنتدبة مسؤولة أمام جمعية الأمم دون سواها عن كل ما يتعلق بذلك بشرط أن لا تحول نصوص هذه المادة دون اتفاق الدولة المنتدبة مع حكومة البلاد على ما تراه هذه الدولة لازماً لتنفيذ نصوص هذه المادة وبشرط أن لا يفسر شيء في هذا الانتداب تفسيراً يخول الدولة المنتدبة سلطة التعرض للأملاك الإسلامية أو التدخل في إدارة الأماكن المقدسة الإسلامية ذات الامتيازات القائمة»([63]). وتنص المادة الرابعة عشرة «تؤلف الدولة المنتدبة لجنة خاصة لدرس وتعيين الحقوق والدعاوى المتعلقة بالأماكن المقدسة والحقوق والدعاوى التي تختص بالطوائف الدينية المختلفة في فلسطين. ويعرض الأسلوب الذي يتبع في تعيين هذه اللجنة وتأليفها ووظائفها على مجلس جمعية الأمم ليوافق عليه ولا تعين اللجنة ولا تقوم بوظائفها من غير موافقة المجلس»([64]). وفي سنة 1922 أعدت الحكومة مشروعاً لتأليف لجنة الأماكن المقدسة التي نصت عليها المادة الرابعة عشرة من صك الانتداب ورفعته إلى مجلس جمعية الأمم للموافقة عليه. إلا أنها ما لبثت أن سحبت المشروع بعد أن تبينت لها استحالة الوصول إلى اتفاق بشأنه وأعلنت عن استعدادها للنظر في أي مشروع يتم الاتفاق عليه بين الدول الممثلة في المجلس.

أصدرت الحكومة قراراً في سنة 1924م سحبت بموجبه من محاكم فلسطين صلاحية النظر في أية دعوى أو قضية تتعلق بالأماكن المقدسة أو المباني أو المواقع الدينية في فلسطين وكان طبيعياً نتيجة لذلك أن تنشأ من حين لآخر خلافات بشأن حقوق المصلين اليهود عند الحائط([65]). غير أن اليهود كانوا قد عقدوا النية على ألا يحترموا من شروط الانتداب إلا ما يوافقهم فظهرت مقالات عديدة في صحفهم ومجلاتهم تطالب بإعادة الهيكل فتنبّه المسلمون إلى هذا الخطر وأصبحوا يتخوفون وينظرون بعين الحذر إلى كل محاولة يهودية من شأنها تبديل الحالة الراهنة لحائط البراق([66]). ونتيجة لاستمرار اليهود بتحريك الوضع فقد استمر الحاج أمين بالاحتجاج إلى المندوب السامي والسكرتير العام وحاكم القدس فأرسل رسائل الاحتجاج في 19 شباط 1922م([67]). حيث تلقى وكيل حاكم القدس كتاباً من المجلس الأعلى الإسلامي يطلب فيه رفع المقاعد والكراسي عند الحائط وفقاً للتعليمات السابقة التي أصدرتها حكومة فلسطين بهذا الشأن. وأرسل المجلس كتاباً آخر إلى الحاكم (مؤرخ في 26 نيسان 1922م) طالباً  إليه منع اليهود من جلب المقاعد والكراسي إلى ذلك المكان لأنهم عادوا وأحضروا معهم المقاعد. ثم عاد المجلس بناء على طلب سكان البيوت الكائنة بالقرب من الرصيف وأرسل كتاباً آخر (مؤرخ في 8 كانون ثاني 1923م) يشتكي فيه من تكرار تعدي اليهود، عندها أجاب وكيل الحاكم المجلس الإسلامي في 3 شباط 1923م بأن الأوامر قد صدرت بمراعاة التعاليم السابقة كل مراعاة([68]).

وفي رسالته إلى حاكم القدس في 28 أيلول 1925م ذكر للحاكم بأنه بدون شك مرتاب من تصرف اليهود بعدم احترام القوانين في زيارتهم لحائط المبكى وذلك بإحضارهم المقاعد والكراسي الخشبية وأن المجلس الإسلامي قلق جداً من ذلك وقد طلب من المندوب السامي إرسال الاحتجاج إلى عصبة الأمم واقترح إرسال لجنة دولية لدرس الحالة. وقد استلم وزير المستعمرات احتجاج الحاج أمين عن طريق المندوب السامي بلومر يذكر فيها أن حائط المبكى هو جزء من الحرم الشريف الذي يعتبر شرعاً وقفاً للمسلمين وذكرهم بعدم السماح بإحضار الكراسي والمقاعد خلال الحكم التركي ونصحهم بإطاعة القوانين والاستمرار في الوضع الحالي([69]). وقد وقعت عدة أحداث منذ بداية الانتداب وأهمها حادثة 1925م في شهر أيلول وصدر بعدها قرار حظر على اليهود أن يجلبوا إلى الحائط الكراسي والمقاعد حتى لو كانت الغاية منها جلوس الطاعنين في السن والعجزة عليها([70]). واستمرت الاستفزازات اليهودية على مسمع ومرأى القوات الإنكليزية، ولم يسكت العرب على ذلك، فقد أرسل الحاج أمين رسائل احتجاج إلى حاكم القدس في 7 حزيران 1926م([71]). وقد أرسل المفتي كتاباً إلى الحاكم يطلب فيه الجواب على كتابه السابق ويرجو منع اليهود «من تكرار هذا العمل والمحافظة على الحالة الراهنة» وأرفق بكتابه صورة استدعاء من أن اليهود أخذوا يضعون مقاعد وحصراً وموائد وكراسي ومصابيح مع أنه لم يسمح لهم بذلك قط فيما مضى. ثم قال متولي الوقف «إن ذلك مما يزعج المارين إذ إن هذا الممر يؤدي إلى بيوت الوقف وهم بعملهم هذا قد اعتدوا على جزء من أرض الوقف لأن عرض الممر لا يتجاوز المترين ونصف ونحن في شجار دائم معهم إذ إنهم يصرون على وضع هذه الأشياء»([72]). تلقى المجلس جواباً من دائرة الحاكم في 28 حزيران 1926م قيل فيه: «بأن المسألة هي موضع تحقيق» وبعدها أرسل المفتي كتاباً في 20 تموز 1926م كرر فيه ما جاء في كتابه المؤرخ في 7 تموز أن يحدد أية أدوات. وبما أن التحقيق الموعود به لم يسفر عن نتيجة ما، أرسل رئيس المجلس المفتي إلى حاكم مقاطعة القدس كتاباً مؤرخاً في 4 آب 1926م ذكر فيه أن اليهود أخذوا يحاولون ثانية وضع مقاعد أمام الحائط على ما ذكر له متولي وقف المغاربة([73]). وختم كتابه قائلاً: «إن الغاية من كتابي المؤرخ في 20 تموز 1926م هي اتخاذ التدابير لمنع اليهود من وضع أي شيء في البراق الشريف وعلى الأخص في أيام السبت والأعياد اليهودية»([74]) وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر آب 1926م أرسل القائمقام إلى رئيس المجلس الجواب التالي: «إن التدابير التي أشرتم إليها في الفقرة الأخيرة من كتابكم قد اتخذت ولن يجرى أي تغيير في الحالة الراهنة»(4).

وفعلاً لم يقع بعد ذلك أي حادث يذكر حتى أول تشرين ثاني 1926م وذلك بعد أن استمعت لجنة الانتداب الدائمة إلى طلب المسيو«يماناكا» في دورتها التاسعة سنة 1926م إلى الكولونيل «سايمسي» ممثل حكومة الانتداب البريطاني عن بعض تفاصيل الحادث، وقال الكولونيل عندها إن اليهود اعتادوا الذهاب إلى الحائط العائد للوقف الإسلامي والبكاء هناك على تاريخهم القديم([75]).

عندما اشتكى سكان محلة المغاربة من جلب كراسي صغيرة نقالة إلى الحائط وتذرع اليهود بحجة أن مدير البوليس وعد بالسماح لهم باستعمال هذه الكراسي مما أسفر عن مشاجرات بين المغاربة واليهود وطلب متولي الوقف منع اليهود من وضع أي شيء مهما كان مما حدا بالمجلس إلى إرسال كتاب إلى حاكم مقاطعة القدس في 7 كانون أول 1926م يخبره فيه بالمشاجرة التي وقعت بسبب جلب الكراسي الصغيرة خلافاً للعادة القديمة وختم كتابه قائلاً: «ونحن لا نعتقد بأن الحكومة تود تغيير الحالة الراهنة التي جرى تنفيذها لغاية الآن»([76]).

وفي 2 كانون أول 1927م أعلم حاكم مقاطعة القدس رئيس المجلس الإسلامي الأعلى أنه رغبة في حفظ الأمن العام فإنه لن يسمح للسياح بالذهاب إلى الحائط أثناء ساعات محددة من النهار لأن اليهود اعتادوا أن يجتمعوا فيها لأجل الصلاة وأنه ينوي إصدار الأوامر إلى البوليس الكائن بالقرب من حائط المبكى بعدم السماح للسياح بزيارة الحائط في تلك الساعات المعينة فرد عليه رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في الخامس عشر من كانون ثاني 1928م بكتاب مفصل معترضاً فيه على منع السياح من الزيارة في ساعات محددة لأن مثل هذا المنع هو بمثابة منح اليهود حقوقاً جديدة في المكان نفسه فضلاً عن أنه يثير عواطف المسلمين. وعدد في كتابه الحوادث والمشاكل التي أثارها اليهود بشأن مسألة البراق الشريف وكلها تدل صراحة على أنهم يتبعون خطة مرسومة لوضع يدهم على البراق تدريجياً([77]).

وعاد الحاكم وأرسل كتاباً حول نفس الموضوع إلى الحاج أمين في 30 آذار 1928م يعلمه فيه أنه سيعلق إعلاناً للسياح بالقرب من الحائط الغربي يذكر فيه الساعات المعينة التي تقام فيها الصلوات ويرجو الجمهور احترام خلوة المصلين في تلك الساعات. إلا أن الحاج أمين رد على هذا الكتاب في 3 نيسان برفضه الموافقة على تعليق الإعلان وأكد ثانية بأن كل محاولة أو ادعاء من جانب اليهود في البراق يتلقاه المسلمون بقلق كبير ويرفضونه رفضاً قاطعاً([78]). وكذلك أرسل رسائل إلى الحكومة في 10 نيسان و10 حزيران 1928م([79]).

وفي 24 أيلول 1928م «في يوم الغفران عندهم» توافد اليهود إلى القدس لزيارة حائط المبكى وقد رفعوا ستاراً ليفصل بين الرجال والنساء خارقين بذلك عهدهم مع المسلمين منذ عدة قرون([80]) «ونفخ آلاف المحتفلين اليهود بالصور وأحاطوا المبكى بالمقاعد والستائر وتعالت صيحاتهم مطالبين بامتلاك الحائط مما سبب استياءً شديداً لدى عرب فلسطين»([81]) وتدخل بعض المسلمين محاولين منع اليهود من إقامة الحواجز وحاول هؤلاء المقاومة وكادت أن تقع اشتباكات بين الطرفين. لولا تدخل البوليس ورفع الحواجز بالقوة.([82]) وفي نفس هذا اليوم أرسل الحاج أمين رسالة للحكومة يحتج فيها احتجاجاً مباشراً على جلب اليهود أدوات العبادة إلى الحائط، ومما ذكره في هذه الرسالة أنه «ليس من الجائز وضع خزانة خشبية مغطاة بقماش وستائر وحصر ومائدة كبيرة في الوسط والوصايا العشر موضوعة على الكرسي»([83]). وقد لفت نظر المجلس إلى هذه المسألة وطلب من حاكم المقاطعة اتخاذ التدابير اللازمة لإزالة هذه الأشياء الممنوعة والتي لا يمكن القبول بها([84]). وقد احتج متولي وقف أبو مدين إلى كيت روتش مساعد الحاكم العسكري في القدس على هذا العمل لأن اليهود وضعوا المقاعد في الرصيف وثبتوا الستار هناك. وفعلاً زار روتش المكان ورأى بعينيه الستارة التي تفصل الرجال اليهود عن نسائهم لذلك أمر البوليس في اليوم التالي بنزع الستارة([85]) وقد ضربت إحدى السيدات اليهوديات أحد رجال البوليس بالمظلة ووقع عدد من الجرحى واحتج اليهود على هذا العمل الذي تم في يوم الغفران([86]) واعتبروا أن نزع الستارة نتيجة موقف الحاج أمين العدو الرئيسي لليهود لأنه أثار الشعور الإسلامي في فلسطين وخارجها([87]) وقد ضخم رجال الصحافة وزعماء اليهود الحادث منذ أواخر أيلول واتهموا البوليس البريطاني بضرب المسنين والعجزة مما سبب وقوع إصابات خطيرة واحتجت المنظمة الصهيونية والحاخامان مائير وكوك لدى الحكومة الإنكليزية وعصبة الأمم([88]). «ابتدأ النزاع يتخذ طابع الحدة والمجابهة. فقد قام اليهود بمظاهرة كبرى عدائية احتجاجاً على إقدام الحكومة على رفع الحاجز الخشبي الذي سبق لليهود أن وضعوه كفاصل بين النساء والرجال وقد هجموا فيها على دائرة البوليس. وقد كان باستطاعة قوة البوليس أن تفرق المظاهرة ولكنها لم تفعل. ونتيجة لتلك المظاهرة قرر اليهود أن يطلبوا من الحكومة رسمياً أن تعمل على تسليمهم حائط المبكى وتعترف لهم بملكيته»([89]). واستخلص هاري لوك المسؤول الإداري لفلسطين أن الرأي العام اليهودي بفلسطين قام بالتأكيد بإخراج المسألة من الدائرة الدينية البحتة وجعل منها قضية سياسية وعنصرية([90]) ودارت مشادة كلامية وسياسية بين العرب واليهود عندما كتبت جرائدهم الشكاوى والتظلمات وأصدرت منظماتهم غير الرسمية البيانات العنيفة في شأن الحادثة إلا أن المنظمة اليهودية المسؤولة في فلسطين أعلنت أن اليهود لا يفكرون في الاعتداء على حقوق المسلمين في أماكنهم المقدسة([91]) ولم يسكت المسلمون كذلك فأبرقوا إلى الحكومة البريطانية وإلى الإدارة المنتدبة مذكرة موقعة من الحاج أمين([92]) جاء فيها «ويعتقد المسلمون الذين عرفوا بالتجارب المرة ما تنطوي عليه صدور اليهود من المطامع التي لا حد لها في هذا الموضوع أن غايتهم هي امتلاك المسجد الأقصى تدريجياً بزعم أنه (الهيكل) مبتدئين بالجدار الغربي وهي قطعة لا تنفصل من المسجد الأقصى» وحذرت المذكرة في اختتامها الحكومة بأن «المسلمين سيقفون سداً منيعاً حائلاً دون كل طامع في مسجدهم وأنهم لن يتقهقروا خطوة واحدة أمام أي عدوان أو إحداث أي شيء جديد فيه»([93]) وقد شجع الحاج أمين المسلمين على حماية أماكنهم المقدسة([94]) وحذر الحكومة من نشاطات الصهاينة وأنذرها بعواقب وخيمة واتفق مع بعض زعماء المسلمين على تأليف «جمعية حراسة المسجد الأقصى» التي أخذت على عاتقها تنبيه المسلمين إلى الخطر المهدد لأماكنهم المقدسة وبث الدعوة إلى الدفاع عنها في فلسطين  وسائر البلاد الإسلامية، وتأسست فروع لها في جميع مدن فلسطين([95]). وقد أرسل المفتي رسائل سرية إلى مسلمي الهند حول موضوع حائط البراق وتشكيل الجمعية لحماية الأماكن المقدسة ومنها رسالة إلى مولانا شوكت علي رئيس لجنة الخلافة المركزية في بومباي([96]).وكذلك كانت ردة الفعل الإسلامية (على مظاهرة اليهود في أواخر أيلول) عقد اجتماع عام في المسجد الأقصى بعد صلاة العصر في 30 أيلول ولم يتكلم الحاج أمين في الاجتماع فقد آثر منذ البداية أن يقود المواجهة السافرة من خلال أعوانه ورجاله. وقد تكلم عدد منهم في الاجتماع الكبير وهم الشيخ عبد الغني كاملة وعزة دروزة  والشيخ حسن أبو السعود، بعد ذلك الاجتماع الشرارة طلبت «لجنة الدفاع عن البراق الشريف» بواسطة أربع رسائل رسمية بإمضاء عبد الرحمن العلمي من كيت وروتش«روش» حاكم القدس حق التظاهر وفي كل مرة كان الجواب هو الرفض، فأخذت المدن في الهياج واشتد نشاط جمعيات الشبان المسلمين وكان من أبرز الفروع فيها الشيخ طالب مرقة في الخليل وحلمي المباشر في غزة وعبد الرحمن النحوي في صفد وعلي الدباغ في يافا. وكذلك قامت جمعية الشبان المسلمين الرئيسية في مصر تؤازر قضية البراق وتوالت الرسائل الرسمية من المجلس الإسلامي الأعلى على الحكومة كما توالت المطالب الشعبية بعقد مؤتمر إسلامي عام وقد تولت مهام عقده رسمياً لجنة الدفاع عن البراق الشريف([97]).)

وفي 4 تشرين أول أرسل الحاج أمين مذكرتين إلى هاري لوك شديدتي اللهجة حيث أكد في إحدى الرسالتين على موقف المسلمين الثابت بالتصدي لمحاولات اليهود لامتلاك الحائط والحرم كما يدعون وحذر من دعاية اليهود في الخارج للضغط على الحكومة البريطانية لتحويل الحائط إلى اليهود([98]) وقد رأى لوك أن الحل الوحيد للمشكلة هو تعيين لجنة كما نصت عليها المادة الرابعة عشرة من صك الانتداب وقد تم لقاء بين لوك وسكرتيره من جهة والحاج أمين وروحي عبد الهادي من جهة أخرى حيث سلم المفتي مذكرة إلى لوك ورد فيها أن الدعاية القوية والواسعة التي يقوم بها اليهود للتأثير على الحكومة البريطانية وعصبة الأمم لامتلاك الحائط الغربي للمسجد الأقصى «البراق» تؤكد على المطامع غير المحدودة لليهود في هذا المجال، ويعتقد المسلمون  أن هدف اليهود هو الاستيلاء على المسجد الأقصى تدريجياً بعد الاستيلاء على الحائط الغربي الذي هو جزء لا يتجزأ من المسجد بحجة أنه مكان المعبد، وقد أعلن المفتي بأن الحائط الغربي للحرم هو مكان مقدس للمسلمين في جميع أنحاء العالم حيث حمى المسلمون هذا المكان منذ القدم وذلك بتأسيس المدارس الدينية والزوايا وأوقفوا الأماكن المحيطة به، وأضاف بأن عدم حل المشكلة سيدفع الأوضاع إلى نتائج وخيمة. وقد طلب المندوب السامي من الحاج أمين تهدئة خواطر المسلمين في الجرائد العربية([99]) «فأبدى استعداده للامتثال لطلب الحكومة بضبط الصحف العربية الفلسطينية على الرغم من اعتقاده بأن الفزع الذي تستشعره جميع فئات المسلمين من العدوان اليهودي والدعاية بشأن حائط المبكى هو فزع حقيقي»([100]) وطلب من المندوب السامي تهدئة المعارضة في الصحف اليهودية. وافق المندوب السامي بدوره على ذلك. وفي الاجتماع ذكر بأن الحكومة تؤكد أن وقف «أبو مدين» يخص المسلمين. وتكلم الحاج أمين أنه إذا استمر اليهود بنشاطاتهم للاستيلاء على البراق والأوقاف الإسلامية سوف يتوجه للعالم الإسلامي لقتال اليهود والحكومة الإنكليزية على السواء وأخبره كذلك بأنه تلقى الدعم الكامل من حسين باشا الطراونة وكذلك من مشايخ بني صخر في الأردن ومن سورية أيضاً([101]).

وقد أرسل برقيات في 10 تشرين أول إلى ملك بريطانيا وإلى وزير المستعمرات يذكرهم أنه عند ذلك لا يستطيع أن يهدئ من مشاعر المسلمين. واستمر اليهود في إحضار الكراسي والمقاعد إلى الحائط. لذلك قرر الحاج أمين أن يحرك المسلمين أخيراً فدعا عبر لجنة الدفاع عن البراق إلى المؤتمر الإسلامي في 1 تشرين ثاني 1928م([102]).


 


الفصل الثالث

المؤتمر الإسلامي في تشرين ثاني سنة 1928

 

 

 

دعت لجن ة الدفاع عن البراق مسلمي فلسطين ولبنان وسورية وشرق الأردن لعقد مؤتمر إسلامي عام للتصدي للخطر الصهيوني المتزايد والدفاع عن الأماكن المقدسة، فعقد المؤتمر في القدس في أول تشرين ثاني (نوفمبر)1928م([103]). وأطلق عليه اسم المؤتمر الإسلامي الكبير([104]) وقد بلغ عدد الحضور سبعمائة من جميع أنحاء فلسطين والدول العربية المذكورة وقد انتخب المؤتمر الحاج أمين الحسيني رئيساً له، وكذلك انتخب وفداً من اثني عشر عضواً لمقابلة المندوب السامي بالوكالة مستر لوك لطلب تصريح رسمي من الحكومة عن موقفها وتعهداتها بحفظ حقوق المسلمين بالبراق. وقد ضم الوفد ثلاثة من أعضاء الوفد اللبناني للمؤتمر هم عبد الكريم أبو النصر، عبد القادر مصطفى الغندور ومصطفى الغلاييني والهدف من ذلك إظهار التضامن في الدفاع عن البراق الشريف. ومنعت الحكومة الزعيم الهندي مولانا محمد علي من دخول فلسطين لحضور المؤتمر إلا بعد ثلاثة أسابيع وبعد مراجعة المفتي لأنها كانت تعرف أهمية التضامن الإسلامي([105]) وكان من جملة قراراته:

1 - أن يحتج بكل قوة على أي عمل أو محاولة ترمي إلى إحداث أي حق لليهود في مكان البراق الشريف المقدس ويستنكرون هذا كله أشد الاستنكار ويحتج على كل تساهل أو تغاضٍ أو تأجيل يمكن أن يبدو من الحكومة في هذا العمل.

2 - أن يطلب من الحكومة منع اليهود حالاً منعاً باتاً مستمراً من وضع أية أداة من أدوات الجلوس والإنارة والعبادة والقراءة وضعاً مؤقتاً أو دائماً في ذلك المكان في أي حال من الأحوال وأي ظرف من الظروف وأن تمنعهم أيضاً من رفع الأصوات وإظهار المقالات حيث يكون المنع في كل هذا متكفلاً لأن لا يضطر المسلمون إلى أن يباشروا منعه ودفعه بأنفسهم مهما كلفهم الأمر دفاعاً عن هذا المكان الإسلامي المحض المقدس، وعن حقوقهم الثابتة فيه مدة ثلاثة عشر قرناً.

3 - أن تلقى تبعة ما قد ينتج من إقدام المسلمين على الدفاع عن البراق الشريف بأنفسهم على الحكومة إذا توانت هي في منع أي اعتداء يصدر من اليهود لأنها متكلفة بحفظ الأمن ومطالبة بالمحافظة على الأماكن الدينية الإسلامية من كل اعتداء وقد قرر المؤتمر أيضاً تشكيل جمعية تعرف بـ «جمعية حراسة الأماكن المقدسة»([106]).

وكرر المؤتمر مطالبه السابقة: حق تقرير المصير والحصول على الاستقلال والطلب من الحكومة وقف الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي لليهود([107]). «ومساندة الشركات الوطنية لشراء الأراضي وفي هذا القرار تتضح أهمية تحويل قضية البراق من قضية دينية إلى قضية وطنية هامة»([108]).

وكذلك طالب المؤتمر بإقصاء النائب العام المستر بنتويش الزعيم الصهيوني والوقح بآرائه وأعماله ومؤلفاته([109]).

والجدير ذكره أن القرارات التي اتخذها المؤتمر هي نفس النقاط التي وردت في كتاب المفتي في 8 تشرين أول سنة 1928م إلى الحكومة البريطانية وهذه تمثل المواقف التي اتخذها المفتي خلال النزاع([110]).

أما على الصعيد الخارجي فقد تقرر إنشاء فروع لجمعية حراسة المسجد الأقصى في جميع أنحاء العالم الإسلامي  وفي المهاجر حيث توجد الجاليات الإسلامية([111]) وأبرق الحاج أمين إلى عصبة الأمم يطلب منها أن يطيع اليهود الحالة الحاضرة التي أقرتها العصبة([112]). وأبرق الحاج أمين إلى الأمير شكيب أرسلان وحسان الجابري ورياض الصلح في جنيف يوكلهم نيابة عن المؤتمر بالدفاع عن قضية البراق لدى عصبة الأمم والرأي العام الأوروبي. وفعلاً سارع أرسلان بتقديم مذكرة إلى المركيزتيودلي رئيس لجنة الانتداب في عصبة الأمم يقول فيها بأن المسلمين بالنسبة إلى قضية البراق يريدون أن يبقى الحال على قدمه وإذا ما حصل أي تغيير في الأماكن المقدسة فسيكون لذلك عواقب وآثا