خبر : الشهيد الشيخ أمين العوري

الأحد 16 مايو 2010 03:23 م بتوقيت القدس المحتلة

 

ولد رحمه الله  في بلدة بيت عور شرق شمالي فلسطين، ثم رحل مع أبيه إلى بيت المقدس في العاشرة من عمره، ولما بلغ العشرين من عمره أرسله أبوه إلى أقدم جامعة في الدنيا وأعرقها جامعة الأزهر الشريف لينهل من علوم الشريعة الإسلامية الغراء، ويتربى على أيدي خلاصة العلماء، وبقي في الأزهر يدرس ويتفقه اثني عشر عاماً، نال بعدها شهادة العالمية المؤقتة.

وكان أبوه من العلماء الأجلاء والفقهاء الفضلاء، تولى منصباً رفيعاً في دائرة الإفتاء بالمجلس الإسلامي الأعلى بالقدس.

ولقد تأثر الشيخ أمين رحمه الله بالأحداث التي كانت تجري على أرض الكنانة، حيث جثم الاحتلال البريطاني على أرض مصر، يمتص خيراتها، ويظلم سكانها، ويوجه الحملات الإعلامية الظالمة ضد دينها وعقيدتها، ورأى كيف يقف العلماء وخاصة علماء الأزهر في وجه التبشير والتغريب والاحتلال، فكانت هذه المواقف زاداً له يتزود به حين يعود إلى فلسطين الأرض المقدسة التي يدنسها الصليبيون الإنجليز.

كان رحمه الله من الأتقياء الأخفياء، لا يطلب سمعة أو شهرة، بعيداً عن الرياء وأهله، يعمل بصمت في سبيل الله، لا يحب أن تسلط عليه الأضواء، لأن الذي يعمل في سبيله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

وكان رحمه الله ذكياً، ذا قريحة متوقدة، وفكر نير، باحثاً مدققاً، ومحققاً واعياً، ذا جلد على البحث والتنقيب والمطالعة، يعيش قضايا عصره العلمية والسياسية والاجتماعية، ولما عاد رحمه الله من الأزهر الشريف يحمل أرقى الشهادات تولى منصب قيم الصخرة المشرفة بالقدس، فأخلص في عمله، فرقي إلى منصب أجل وأخطر، فأَسند إليه المجلسُ الإسلامي الأعلى منصب أمين عام سر الإفتاء، ثم أضيفت إليه وظيفة مدرس التفسير بمسجد الصخرة، فدرس تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، وعمل عضواً لمحكمة الاستئناف الشرعية بالقدس.

كان الشيخ أمين العوري رحمه اله، عالماً جمع الله له جهاد اللسان وجهاد السنان، يعلم الناس العلم الشرعي، ويفقههم فقه الجهاد ويحضهم عليه، وكان رحمه الله موضع ثقة المجاهدين وكاتماً لأسرارهم، بل كان مستودعاً لأسرار المجاهدين في القدس ونابلس والخليل طيلة ثورة 1936م وكان صلة الوصل بين قادة الجهاد في جنوب فلسطين وشمالها.

وكان حريصاً على معرفة حاجات المجاهدين وتلبيتها رحمه الله تعالى.

وكان رحمه الله جريئاً شجاعاً يفضح الجرائم التي يرتكبها جنود الاحتلال ضد أبناء الشعب المسلم في فلسطين، يندد بمرتكبي هذه الجرائم، ويصرخ في وجه الظلمة الغاشمين، يشارك في الوفود ويكتب المذكرات.

ففي 30/5/1936م قام جنود الاحتلال البريطاني وقوة من البوليس بقيادة الضابط البريطاني سيكرست - وهو صليبي حاقد، يضم بين ضلوعه قلباً قاسياً لا خير فيه، يتهود لليهود ويعمل لصالحهم، ويبطش بكل مسلم يقف في وجه وعد بلفور والوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين- فداهموا ببنادقهم بيوت الناس بالقدس وهم نيام، فأفزعوهم وأوجعوهم ضرباً لا يميزون بين رجل وامرأة وطفل وشيخ وشاب، وكانوا يركزون ضرباتهم على الرؤوس، ويخربون البيوت ويدوسون على المصاحف الشريفة.

فبادر العلماء ورجال القضاء الشرعي إلى تشكيل وفد وإرساله إلى المندوب لينكر هذه الأعمال الإجرامية الوحشية المجردة من أدنى الصفات الإنسانية، وكان الشيخ أمين العوري رحمه الله في مقدمة الوفد، وقدموا مذكرة بهذا الشأن، فوعد المندوب أن يقوم بتحقيق بعد توقف الإضراب والاضطرابات.

لقد أيقن الشيخ أمين رحمه الله أن هذه الوسائل من الاحتجاجات والإضرابات والتظاهرات والوفود وحدها لا تجدي، بل لا بد من سلوك سبيل الجهاد، قتال هؤلاء المحتلين وإخراجهم من البلاد بالقوة، هؤلاء اليهود الذين جاؤوا إلى فلسطين لإقامة دولة يهودية لهم على أرض فلسطين الأرض المباركة المقدسة.

لقد قرر رحمه الله أن يثأر للقرآن الكريم وللشيوخ الركع والأطفال الرضع، وذلك بشن حملات وعمليات عسكرية على هؤلاء الطواغيت، وأخذ يضع الخطط لمهاجمة المستعمرات اليهودية والقوات البريطانية، وقاد المعارك التي دارت رحاها بين العيزرية وأبو ديس على الطريق بين أريحا والقدس، وفي جهة الطور وسلوان وقريتي شعفاط وقلندية، قرر المجاهدون أن ينسفوا القطار المحمل بالبضائع اليهودية من يافا إلى القدس، وتقرر أن يقوم الشيخ رحمه الله مع نفر من المجاهدين بتنفيذ هذه المهمة، فنفذها بسرية وانضباط دقيق.

ففي 21 تشرين الثاني 1936م خرج الشيخ أمين من داره في حارة السعدية بالقدس القديمة ميمماً شطر المسجد الأقصى لأداء صلاة العصر، وبعد الصلاة أظهر الشيخ إمام المصلين اعتزامه القيام بجولة تفتيشية حول مساجد قرى بني حسن الواقعة في جنوب غرب بيت المقدس، كقرية عين كارم، وقرية الروحة، ومحلة تتر  بناءً على أمر صادر إليه من المجلس الإسلامي الأعلى زيادة في التمويه والتكتم.

خرج الشيخ أمين من باب السلسلة متجهاً نحو باب الخليل، وهو أحد أبواب القدس المشهورة، ثم تابع سيره مشياً على قدميه حتى بركة السلطان، حيث كان ينتظره أحد التكارنة وبين يديه حقيبة كالحقيبة التي يحملها الواعظ المتنقل بين مختلف القرى في فلسطين في ذلك الحين، فتابع معه السير حتى بلغا حي اليونان بالقدس الجديدة عند أول طريق بيت صفافة، فقابلهما رجل يقود سيارة متوسطة الحجم وأشار إلى الشيخ بإشارة معروفة لهما أن اركب معي، فأخذ رحمه الله الحقيبة من ذلك الرجل الذي كان يحملها، وأمره أن يعود من حيث أتى، ولا يحدث أحداً بما رأى زيادة في التخفي والتستر والتكتم، وحتى تتم العملية بنجاح، ثم اتجه رحمه الله بصحبة قائد السيارة إلى بيت صفافة جنوب القدس الجديدة فبلغها قريباً من وقت المغرب، فصلى صلاة المغرب فيها، ثم تابع سيره إلى بتير فوصل إليها وقت العشاء تقريباً، فالتقى ببعض المجاهدين الذين سيشاركونه في هذه العملية الجهادية، فأعطاهم الشيء أمين الحقيبة، وكانت مملوءة بالمتفجرات والديناميت.

وفي تمام الساعة الحادية عشرة من مساء ذلك اليوم 21/11/1936م تم نسف القطار تحت إشراف الشيخ أمين ومراقبته، وقد شاء الله تبارك وتعالى أن يصاب الشيخ بشظية من الشظايا المتناثرة من الانفجار في رأسه فشجته واستقرت في مخه، فاستشهد على الفور رحمه الله تعالى.

رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن العلم والعلماء خير الجزاء

 

المصدر: من كتاب شهداء فلسطين للدكتور محمد عبد القادر أبو فارس