خبر : الشهيد الشيخ يوسف سعيد أبو درة

الأحد 16 مايو 2010 03:38 م بتوقيت القدس المحتلة

ولد الشهيد يوسف سعيد أبو درة في سنة 1900م ببلدة سيلة الحارثية، وتعلم فيها التعليم الابتدائي، ثم عمل في بداية حياته بالزراعة، ثم هاجر من بلدته إلى حيفا طلباً للرزق، فاشتغل بمحطة سكة الحديد فيها.

yosuefabudorra

الشهيد يوسف سعيد أبو درة يتوسط رفاقه

كان الشيخ عز الدين القسام رحمه الله منارة علم وجهاد في حيفا، قل فيها من الناس من لا يعرفه، وقل من الناس من يأتي إلى حيفا ولا يتعرف عليه، ويتأثر به، وشهيدنا البطل قد تعرف على القسام رحمه الله، وسمع خطبه المنبرية الجهادية على منبر مسجد الاستقلال، وسمع دروسه المسجدية، فصار من تلامذته في العلم والجهاد، فانضم إلى حركة القسام الجهادية، وشارك معه في ثورة 1935م في أحراش يعبد التي استشهد فيها القسام وثلاثة من أصحابه، أما شهيدنا البطل فقد استطاع أن يفلت من حصار الإنجليز المضروب على المجاهدين ويختفي بعض الوقت ليستأنف الجهاد من جديد.

 

وبعد استشهاد القسام بسنة أي في عام 1936م اندلعت ثورة فلسطين الكبرى التي كان للشيخ فرحان السعدي شرف إطلاق رصاصتها الأولى، وكان لشهيدنا نشاط فعال في هذه الثورة، لقد قاموا رحمهم الله جميعاً يهاجمون المستعمرات اليهودية، وينسفون الجسور، وينصبون الكمائن لقوات الاحتلال البريطاني، وللقوافل اليهودية.

ولما استشهد القائد الشيخ عطية استلم راية الجهاد وقيادة المجاهدين من بعده الشيخ يوسف سعيد أبو درة، واستمر يقود المعركة التي استشهد فيها قائده الشيخ عطية، حتى حقق الله على يديه نصراً عظيماً للمجاهدين على قوات الاحتلال البريطاني على الرغم من كثرة أعدادها وعددها.

ولقد لمع اسم المجاهد الشهيد يوسف سعيد أبودرة في فلسطين بشكل عام، وفي منطقة جنين بشكل خاص، إذ استطاع سنة 1937م أن يسيطر على قضاء جنين وما جاوره من قضاء الناصرة وعلى قرى جبل الكرمل.

ومن أهم المعارك التي خاضها معركة أم الزينات في منطقة الكرمل بتاريخ 28/11/1938م، وقد كان عدد المجاهدين الذين كانوا معه بضع عشرات، وعدد الجنود البريطانيين يتجاوز الألف، تؤازرهم ثلاث عشرة طائرة حربية، وأسفرت المعركة عن استشهاد خمسة من الثوار، ومقتل عشرات الجنود البريطانيين. وأشيع على أثر ذلك أن القائد المجاهد (أبو درة) قد استشهد في هذه المعركة، فأصدر بياناً نفى هذه الشائعة وتحدث فيه عن المعركة جاء فيه:

وإني أعلن أن لا صحة مطلقاً للإشاعة القائلة بأني أنا يوسف سعيد أبو درة قد أصبت بضرر ما، فأنا لا زلت بحمد الله أتمتع بالصحة والعافية، وأعاهد الله والرسول على مواصلة الجهاد إلى النهاية حتى تصل الأمة إلى ما تصبو إليه، أو يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

هاجم مع رجاله سجن عتليت المحصن، فاقتحمه وحرر سجناءه.

وقد طوقه الإنجليز أكثر من مرة فكان يتمكن من الإفلات منهم.

وهو الذي أرسل أحد المجاهدين الذين تحت إمرته، ليغتال حاكم جنين ومساعد حاكم لواء نابلس وهو في مكتبه، واسمه موفات، فأفلح في مهمته.

ومما يجدر ذكره أن حاكم جنين المستر موفات كان شديداً على أهل فلسطين متحمساً لتهويدها، شرساً في معاملة الأسرى والمساجين من المجاهدين، واستمر في سياسته الحاقدة ومعاملته السيئة على الرغم من الإنذار الذي وجه إليه، والتهديد الذي حذر به، وعلى الرغم مما حدث لعميلهم حليم بسطا الذي كان مساعداً لمدير الشرطة من قتله رمياً بالرصاص، وعلى الرغم مما حدث لحاكم لواء الجليل المسمى أندروز إذ قتله المجاهدون وحارسه الإنجليزي على مسافة أربعة أمتار فقط فخرا صريعين.

وبينما كان المدعو موفات حاكم جنين قد أحاط نفسه بمجموعات من البوليس والجنود يحرسونه، ويحمون مقره بعد أن تلقى إنذاراً من المجاهدين كان هذا نصه:

من القائد الصغير يوسف أبو درة إلى مستر موفات.. إذا لم تحسن سلوكك مع الأهالي خلال ثمانية أيام فسأقتلك.

ولكن المستر موفات ركب رأسه واستمر في سوئه، بل ازداد شراسة على أهل فلسطين، لأنه صليبي حاقد، اجتمع مع اليهود في كره المسلمين وعداوتهم، ولكنه نقل سكنه إلى معسكر الجيش البريطاني خارج جنين، واشتدت حراسته بالمصفحات، ولم يبق أي احتمال للاعتداء عليه.

ولكن القائد المجاهد الكبير الذي أطلق على نفسه القائد الصغير الشهيد يوسف أبو درة كان صادقاً في وعيده، فبعد ثمانية أيام تماماً أرسل إليه اثنين من المجاهدين تسلق أحدهما أنابيب المياه حتى وصل الدور الذي به مكتب المستر موفات، فوجه إنذاراً إلى سكرتيره العربي رأفت الدرهلى، واجتاز غرفته إلى غرفة الحاكم البريطاني وأفرغ فيه رصاص مسدسين كانا معه، واستمر يطلق الرصاص دون أن يجفل أو يخاف، وعاد تاركاً المكان، بينما أخذ رفيقه يطلق الرصاص خارج البناء لتغطية الانسحاب، والحرس في ذهول وارتباك شديدين.

جن جنون المندوب السامي، كيف يصرع المجاهدون أركان إدارته التهويدية في فلسطين، فأصدر أمره باعتقال عديد من العلماء والقضاة والأطباء والمحامين والمثقفين ونكلت السلطة بالشعب وزعمائه المجاهدين، فاعتقلت أعضاء اللجان، وعزلت رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وأبعدت إلى جريرة سيشل نفراً من المجاهدين.

لقد كان الإنجليز واليهود يصابون بالرعب الشديد، ويذعرون أشد الذعر إذا ذكر اسم هذا المجاهد القائد؛ لأنه إذا قال فعل، وإذا هدد وأوعد نفذ كلامه مهما كانت الظروف، وهو مجاهد في سبيل الله، لا يهاب الردى ولا يخشى الموت، وكان يتوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب، بل كان يوقع بيانات الثورة المجاهدة الصادرة عن قيادته تحت اسم: المتوكل على الله يوسف سعيد أبو درة. وأحياناً يوقع باسم: خادم دينه ووطنه المعتز بالله يوسف سعيد أبو درة، ويختم بعض بياناته بقوله تعالى:  إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وكان بالإضافة إلى قيادته المعارك ضد الإنجليز واليهود يشارك في المؤتمرات السياسية ويشارك أيضاً في الرد على بيانات وزير المستعمرات البريطاني المتعلقة بشأن القضية الفلسطينية.

ومن هذه الردود الرد المؤرخ في 3/12/1938م فقد جاء مختوماً بالنص التالي:

"هذا وسيظل المجاهدون يكافحون قوى السلطة الغاشمة مستميتين غير متراجعين إلى أن تنال الأمة العربية في فلسطين حقوقها كاملة غير منقوصة".

وقد كان رحمه الله ينكر على من يستغل شخصيته الثورية ليسطو على أموال الناس، ويبتزها ويرى وجوب محاكمته ومعاقبته عقوبة صارمة، لأنه أخطر عامل على حركة الجهاد، لما يؤدي إليه من تنافر وتدابر وتشاحن، ومن ثم فقدان الثقة بين حركة الجهاد وأنصارها.

فقد شارك رحمه الله في بيان مؤرخ في 6/12/1938م جاء فيه: إن الثورة ستضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه إلقاء الرعب والقلق في نفوس الناس، أو سلبهم أموالهم، أو محاولة الانتقام والكيد الشخصي للإيقاع بهم، وستعاقب الوشاة والدساسين بأشد أنواع العقاب.

ولما توقفت الثورة في أيلول سنة 1939م سافر إلى دمشق، ثم إلى الأردن، فاعتقلته وهو في الطريق دورية من الجيش الأردني، واحتجز لفترة في الكرك، ثم سلمه الجنرال كلوب القائد يومها للجيش الأردني، إلى سلطة الانتداب البريطاني التي حكمت عليه بالإعدام.

وقد نفذ فيه الحكم في القدس بتاريخ 30/9/1939م. رحمه الله رحمة واسعة ورزقنا الله الشهادة كما رزقه الشهادة إنه سميع مجيب الدعاء.

 

المصدر: من كتاب شهداء فلسطين للدكتور محمد عبد القادر أبو فارس