خبر : الشهيد سعيد العاص

الأحد 16 مايو 2010 03:44 م بتوقيت القدس المحتلة

ولد المجاهد سعيد العاص في مدينة حماة المجاهدة بسوريا سنة 1889م، ودرس فيها دراسته الابتدائية، ثم أكمل دراسته في دمشق، ثم درس في الكلية الحربية بالأستانة، وتخرج منها سنة 1907م، وتم تعيينه ضابطاً في دمشق، وتنقل بعد ذلك في مراكز عسكرية متعددة، وكان يثبت كفاءته وجدارته في كل مركز يتولاه، ثم التحق بمدرسة الأركان الحربية، ثم أخرج منها لأسباب سياسية.

خدم في الجيش التركي وسافر مع فرقته إلى المقاطعات الأوروبية من دولة الخلافة العثمانية، وقاتل هناك المتمردين في البلقان، وأسره اليونانيون سنة 1911م ولكنه لم يلبث في سجنهم إلا قليلاً حيث فر وعاد إلى الأستانة.

 

saaedalas

 

على أثر الحرب العالمية الأولى وتنفيذ المؤامرة على الخلافة العثمانية واقتسام الدول العربية بين الدول الحليفة  سقطت سوريا تحت الاحتلال الفرنسي وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، فلم يطق هذا المجاهد أن يرى جيوش الأعداء من الصليبيين الفرنسيين يدنسون أرضه ومقدساته، فدعا إلى ضرورة الثورة على المحتلين وجهادهم بالقوة والسلاح، واستجاب لدعوته كثير من المجاهدين، فكانت ثورة سنة 1925م الذي كان سعيد رحمه الله من أبطالها المشهورين حيث شارك في أكثر من معركة، بل قاد الثوار في مختلف المناطق كحمص وحماة والكرمل وعكار، ثم عاد إلى الغوطة بدمشق وقد جرح رحمه الله تعالى خلال هذه المعارك مرتين.

لجأ بعد فشل الثورة في سوريا إلى شرق الأردن مع نفر من المجاهدين رفقة السلاح، ولما نشبت ثورة فلسطين الكبرى سنة 1936م توجه مسرعاً إلى فلسطين فانضم إلى صفوف المجاهدين، وكان صاحب خبرة عسكرية عالية، وكفاءة قتالية باهرة، فاستفاد منه المجاهدون، فولوه القيادة في مناطق الخليل وبيت لحم.

اشتبك مع قوات الاحتلال البريطاني والصهيوني في معارك كثيرة، كان النصر حليفه فيها، وأهم هذه المعارك حدثت في 24/9/1936م عند جبال قرية حلحول على طريق بيت لحم - الخليل وقد اختار القائد سعيد العاص القرية مركزاً لتهيئة الهجوم ضد القوات الإنجليزية المحتلة، وتعمد توقيت الهجوم أن يكون في رابعة النهار حتى يتسنى للمجاهدين أن يوقعوا أكبر خسارة في القوات الباغية ويسفكوا دماء أكبر عدد ممكن من جنود الاحتلال، فقرر أن يغلق الطريق العام بالحجارة الكبيرة والصخور، ثم وزع المجاهدين إلى ثلاثة أقسام، فجعل القسم الأكبر منها يرابط في الجبال، ووزع القسمين الآخرين على جنوب الطريق العام وشماله حتى يحول هؤلاء المجاهدون بين القوات المهاجمة وبين نجدتها بقوى جديدة والتصدي لها وتحطيمها.

وقد انتهت المعركة بانتصار المجاهدين انتصاراً مؤزراً بعد قتال شديد استمر خمس عشرة ساعة، صرعوا فيه أكثر من أربعين جندياً من جنود بريطانيا، وغنموا كمية كبيرة من الأسلحة، واستشهد من المجاهدين ثلاثة من الأبطال الأشاوس.

لقد أدركت سلطات الاحتلال البريطاني خطورة هذا القائد، فأخذت ترصده، وترصد تحركاته، وأهدرت دمه.

لقد أخبرت دوائر الرصد لسلطات الاحتلال أن القائد المجاهد سعيد العاص يكمن في الجبال الغربية من قرية الخضر بالقرب من بلدة بيت جالا ويرابط معه مائة وعشرون مجاهداً، فحركت سلطات الجيش في 4/10/1936م قوة من الجنود البريطانيين بلغت ثلاثة آلاف جندي مجهزين بأحدث الأسلحة من مدافع ودبابات وعتاد كثير، أما قوة المجاهدين فلم يكن معهم إلا البنادق وعدد قليل جداً من الرشاشات وقليل من العتاد.

لقد وصل الجنود بمدافعهم ودباباتهم وأخذوا يحيطون بالثوار، فشعر بهم القائد المجاهد، فلم يستسلم ولم يخضع، وإنما صمم على القتال حتى آخر قطرة من دمه، ووضع خطته العسكرية، فوزع جنوده القليلين على أماكن مختلفة، وأمرهم بالتصدي لهذا الجيش الضخم وبقي معه ما يقرب من خمسة عشر مجاهداً أصروا على مرافقته.

ظل رجاله ساهرين طوال الليل خشية أن يفاجؤوا بهجوم على حين غرة، وفي 6/10/1936م هاجم الجنود المجاهدين، فتصدوا لهم ببسالة، وكان قائدهم سعيد واقفاً يطلق الرصاص ويصدر الأوامر، وأصيب بثلاث رصاصات ولكنه ظل واقفاً رابط الجأش مستمراً في جهاده إلى أن أصابته الرصاصة الرابعة في رأسه فسقط شهيداً، وجرح معه مساعده في قيادة المجاهدين في هذه المعركة، وهو البطل المقدام عبد القادر الحسيني، فسارع المجاهدون إلى إخفاء جثة قائدهم هذا، وقد ذكر راديو لندن نبأ استشهاد القائد المجاهد سعيد العاص ولقبه بعدو فلسطين رقم 2 ، ولا ريب أنهم يعنون بعدو فلسطين رقم 1 فوزي القاوقجي! إنه منطق الطواغيت في كل زمان ومكان، ذلك المنطق المعكوس تماماً، ففي منطقهم المعكوس يكون مقبولاً أن يسموا الذي جاء أمثالهم فاحتل البلاد وسفك الدماء ودنس المقدسات وزج الآلاف من أهل البلاد في غياهب السجون والمعتقلات حاكم البلاد، وسيد العباد في بلادهم، وبنفس هذا المنطق المعكوس يقبلون أن يشوهوا الصورة المضيئة للمجاهدين فيقولوا عن الذين جاؤوا يحملون أرواحهم على أكفهم، ويبذلون دماءهم رخيصة في سبيل الله، ومن أجل تحرير الأوطان والمقدسات: أعداء فلسطين.

ومن هذا المنطق المعكوس، والظلم الصارخ، والاستبداد الغاشم وقفت سلطات الاحتلال تمنع الصحف من أن تنشر مقالاً أو قصيدة تشير إلى استشهاد المجاهد القائد سعيد العاص، خشية أن يتعاطف معه أهل البلاد، فتثور ثائرتهم على الجند المحتلين واليهود المهاجرين.

إلا أن شعب فلسطين المسلم، قد خيب كل تدابيرهم من طمس جهاد هذا المجاهد، حيث أقيم احتفال ضخم في قرية الخضر عند دفن الشهيد أبي معاذ شارك في هذا الاحتفال جميع أهالي القرية ووفود من المدن والقرى المجاورة، وقد منعت سلطات الاحتلال البريطاني أحداً من سكان القدس من الذهاب إلى قرية الخضر للمشاركة في حضور التشييع والدفن.

هذا وقد أبن الشهيد عدد من الخطباء، وصلى الناس عليه صلاة الغائب في مساجدهم في جميع أنحاء البلاد.

لقد استشهد رحمه الله وهو ابن سبعة وأربعين عاماً، وكان شجاعاً، مقداماً ذا قدرة، وحنكة، وصلابة في الموقف، وثبات في الشدائد.

رحمه الله وجزاه عن فلسطين والمسلمين خير الجزاء

 

المصدر: من كتاب شهداء فلسطين للدكتور محمد عبد القادر أبو فارس