خبر : الشهيد الشيخ عز الدين القسام

الأحد 16 مايو 2010 03:51 م بتوقيت القدس المحتلة

ولد الشيخ عز الدين القسام سنة 1871م في بلدة جبلة جنوب اللاذقية بسورية، وكان أبوه رحمه الله تعالى من أصحاب الكتاتيب يعلم الأطفال اللغة العربية والقرآن الكريم.

ezaldeenalkasam

درس على أبيه في بداية حياته، ثم أرسله إلى الجامع الأزهر سنة 1885م وكان عمره أربعة عشر عاماً لينهل من علوم الشريعة الإسلامية من أعرق جامعة في العالم على أيدي علماء أكفاء وفقهاء أكارم، فنبغ في دراسته، وتأثر بالبيئة السياسية والجهادية والثورية التي كان يعيشها الشعب المصري آنذاك، إذ كان أبناء مصر يصارعون الاستعمار البريطاني البغيض الجاثم بجيوشه على أرضهم، والمسيطر الفعلي على مقدراتهم، والمدبر الحقيقي لشؤونهم.

 

لقد سرى إلى نفسه منذ الصغر حب الجهاد والثورة ضد الظالمين من شعب حكم بالحديد والنار، ثم عاد إلى بلدته جبلة سنة 1903م بعد أن قضى بعض الوقت في تركيا، عمل مكان أبيه يعلم القرآن الكريم والفقه بروح المجاهد المربي.

كان مولعاً بالجهاد، كارهاً للاستعمار بشتى أصنافه، ولما اعتدى الإيطاليون على ليبيا ثارت ثائرته فخطب في الناس وحرضهم ضد ايطاليا، وقاد تظاهرة تشجب الاعتداء الإيطالي، ويطالب فيها المتظاهرين بالتطوع من أجل القتال ضد الاستعمار الإيطالي، وبلغ عدد المتطوعين مائتين وخمسين متطوعاً، وكانت فرنسا تحكم سورية آنذاك فرفضت طلب هؤلاء المجاهدين لأن الكفر ملة واحدة.

أما عن جهاده في سوريا ضد الفرنسيين فيحدثنا المؤرخون أنه رحمه الله قد ثار ضد الحكم الفرنسي الغاشم المستبد عام 1919- 1920م مع الثائر عمر البيطار، وكان خطيباً مفوهاً يلهب حماس الجماهير ويؤثر فيها، لأنه عالم عامل مجاهد، وكان لخطبه المحرضة على قتال الفرنسيين تأثير ملموس في نفوس الناس، مما جعل الفرنسيين الحاكمين لسوريا يحسبون له ألف حساب، ويقررون التخلص منه، فحكموا عليه بالإعدام.

بعد ذلك سافر إلى فلسطين بعد مراسلة بينه وبين العالم الجليل الشيخ كامل القصاب، ووصل إلى حيفا وهي مدينة ساحلية تقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

إن الشيخ عز الدين القسام لم يرحل إلى فلسطين طلباً للراحة، أو جمعاً للمال، وإنما كان زاهداً تقياً صالحاً متواضعاً مجاهداً، حب الجهاد متغلغل في أعماق قلبه، وقتال الأعداء يسري في دمائه.

لم يلبث القسام رحمه الله وقتاً يسيراً في حيفا حتى رأى ظلم الإنجليز وتآمرهم على فلسطين، الأرض المقدسة، الأرض المباركة، أرض الإسراء والمعراج، فقرر أن يختط خط الجهاد المنظم المنضبط ضد هؤلاء الغادرين الماكرين المراوغين الشياطين، كانت لعز الدين القسام رحمه الله قنوات متعددة للاتصال بالناس على اختلاف قطاعاتهم وثقافاتهم ومستوياتهم التعليمية.

فقد كان رحمه الله إمام مسجد الاستقلال وخطيبه في حيفا، وهذا العمل يسر له الاتصال برواد المسجد الذين رضوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، ومنهم الغني والفقير والموظف والشرطي والمعلم والتاجر وسائر فئات المجتمع، يوجههم بدروسه وخطبه، ويعبئهم جهادياً ويربيهم التربية الإسلامية المتكاملة، فهم تلاميذ يتتلمذون على إمامهم الزاهد المتواضع المجاهد العالم العامل.

ولقد أنشأ رحمه الله مدرسة ليلية لمكافحة الأمية، يقوم بتعليم الأميين، وهذه المدرسة مكنته ليتصل بقطاع آخر من الناس، وصنف تغلب عليه البساطة وسرعة الاستجابة، وكان في دروسه رحمه الله يمزج بين العلوم والجهاد، فخرجوا وقد مهروا الكتابة والقراءة وتعلقت أنفسهم بالجهاد.

وكان رحمه الله يعقد عقود الزواج للمسلمين، فهو يتصل بأهل المدينة، وبأهالي القرى المجاورة لها، يحضر أفراحهم، واجتماعاتهم، يسمع منهم آلامهم وآمالهم، ويسمعون منه توجيهاته وإرشاداته.

وفطن إلى جهة أخرى، هي طبقة الشباب المسلم المثقف الذين يجتمعون في جمعية الشبان المسلمين، فقدم طلباً لهذه الجمعية يبدي رغبته بالانتساب إليها والمشاركة في أنشطتها، كان ذلك سنة 1926م، فوافقت الهيئة ذلك.

لقد كان رحمه الله اجتماعياً، محبوباً لكل من يجتمع به، وكان تواضعه وعلمه يزيد الناس تأثراً به أو تعلقاً بما يدعو الناس إليه.

والحق أن الشيخ عز الدين القسام رحمه الله كان زعيماً إسلامياً شعبياً لكافة الناس على اختلاف مستوياتهم في المدينة والقرية.

كل هذه العوامل ساعدت بشكل فاعل في استجابة الناس لدعوة القسام الجهادية، فالتف الناس حوله، وأدركوا مراميه وأهدافه، ووثقوا بقيادته وأمانته وإخلاصه وهو يدعو الناس ويجمعهم على رابطة هذا الدين وأخلاق سيد المرسلين، والتواضع والكرم والشجاعة والجهاد، يؤلف بين القلوب وينبذ من النفوس التدابر والتشاحن والاختلاف.

كان رحمه الله يحز في نفسه تقاعس بعض العلماء عن قول كلمة الحق وإنكار الباطل، ويأخذ على بعض الذين عاصروه انشغالهم بالدنيا والوظائف.

وكان رحمه الله أيضاً ينكر على المسؤولين عن الأوقاف تبذير الأموال وإنفاقها فيما لا طائل تحته.

إن الظروف كانت مواتية ليبدأ الشيخ عز الدين القسام رحمه الله حركته الجهادية التي تبدأ بالإعداد والتدريب والتربية والتنظيم الدقيق حتى لا يكشف الأمر قبل اشتداد سوقه.

وكان رحمه الله ذا قدرة عجيبة على التنظيم والانضباط، وكان ذا نفس طويل لا يستعجل الأمر قبل أوانه، فقرر تكوين تنظيم جهادي مسلح، وكون مجموعات أو لجاناً لهذا العمل الخطير.

مجموعة التدريب: وهذه المجموعة تقوم بتدريب المجاهدين على استخدام السلاح وصيانته، ويشرف على هذه اللجنة ضابط تركي اسمه جلادت.

مجموعة التمويل: وتختص بجمع المال اللازم للحركة الجهادية كشراء السلاح والعتاد، وكذلك تقوم بتوفير السلاح للمجاهدين ومن قادتها الشيخ حسن الباير، والشيخ نمر السعدي.

مجموعة الوعظ والدعاية: تقوم ببث روح الجهاد في سبيل الله، وحب الاستشهاد، كما تقوم بتعليم الناس أمور دينهم وواجباتهم، وفي مقدمتها مقاومة المحتلين والطامعين من إنجليز ويهود.

ومجموعة لجمع المعلومات عن العدو وتحركاته ومواقفه وقواته حتى توجه له الضربة المناسبة.

والمجموعة السياسية: تقوم بالاتصال بالشخصيات السياسية لتوحيد الصفوف وجمع الكلمة.

ولقد استطاعت هذه المجموعات أن تقوم بنشاطات واسعة وأن تحقق أموراً في غاية الأهمية بالنسبة للحركة الجهادية وهي:

  1.  هيأت الشعب المسلم لمعرفة خطورة المؤامرة البريطانية والدولية واليهودية التي تستهدف القضاء على كيانهم كمسلمين بالاستيلاء على بلادهم وتدمير ديارهم وتدنيس مقدساتهم.
  2.  جمعت حوالي 200 مجاهد و800 مؤيد ومؤازر كان لهم دور في ثورة القسام وثورة 1936م وكذلك في معارك سنة 1948م
  3.  أقامت جهازاً سرياً من الموظفين والعمال المسلمين الذين كانوا يعملون مع الحكومة أو الشركات اليهودية، فقد حصلت الحركة الجهادية على معلومات دقيقة تتعلق بالمخططات البريطانية واليهودية.
  4.  لقد تمكنت من القيام بأخطر عمل في الثورة وهو شراء السلاح، فقد استطاعت الاتصال مع قنصل ايطاليا في القدس، وكذلك مع قنصل تركيا لشراء أسلحة من حكومتيهما.

ومن الجدير بالذكر أن الأستاذ الفاضل الشيخ كامل القصاب كان موجهاً لهؤلاء المجاهدين ولهذه المجموعات.

ولقد استطاع القسام رحمه الله أن يطبع أتباعه بأخلاقه، ويجعل قلوبهم ونفوسهم متعلقة بالله تبارك وتعالى وكتابه الكريم، فقد كان كل مجاهد منهم يحمل مصحفاً في جيبه ولا يفارقه في ليل أو نهار، وكانت قمة السعادة عندهم الفوز بالشهادة، وكانوا يكرهون الإنجليز كرهاً شديداً لكثرة الدروس التوجيهية بهذا الخصوص.

قال أبو إبراهيم الكبير: اشترينا بندقية، وأحضرنا مدرباً كان اسمه: محمد أبو العيون، وكانت تبدأ الجلسة بأن يلقي الشيخ دروسه، ثم تحولت دروس الشيخ من دروس دينية إلى تحريض على الجهاد، وكان المدرب يقوم في آخر الجلسة بتدريب الموجودين على البندقية واحداً واحداً، وما انتهى الشيخ يوماً من الأيام من درسه إلا وختمه بقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} المائدة: 51.

وكان رحمه الله يركز على أن الفوز الحقيقي للمؤمن يكون بالنجاة من النار والفوز بالجنة، وطريق هذا الجهاد، وبذل النفس والمال، ويكثر من الاستشهاد بقوله تعالى من سورة التوبة: {إنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} التوبة: 111.

ويذكرهم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما سئل: أي الناس أفضل؟ قال: ((مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)) [متفق عليه]، ويكثر من الاستشهاد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ((لغَدوة في سبيل الله أو رَوحة خير من الدنيا وما فيها)) [متفق عليه].

كان رحمه الله يركز في دروسه على تفسير آيات الجهاد وأحاديث الجهاد.

لقد بدأ القسام بحركته الجهادية سنة 1925م ينظم ويدرب ويربي، وحدثت ثورة البراق ولم يشارك فيها، لأن العمل الجهادي المنظم الذي يقوم به لم يعد الإعداد الكافي الكفيل بنجاح العمل واستمراره.

لقد باع القسام رحمه الله بيته الوحيد في حيفا، وباع أصحابه حلي نسائهم وبعض أثاث بيوتهم ليشتروا السلاح والعتاد الذي يجاهدون به أعداء الله وأعداءهم من إنجليز ويهود.

نعم لقد كانت حركة القسام الجهادية فقيرة جداً، إذ لم تجد في صندوقها عند بداية الثورة إلا مائة جنيه إسترليني كما أخبر حسن الباير ونمر السعدي المسؤولان عن الناحية المالية في الحركة الجهادية.

ولقد كان للشيخ القسام رحمه الله موقف من إعدام الأبطال الثلاثة: فؤاد حجازي، وعطا الزير، ومحمد جمجوم، يدلك هذا على هويته الإسلامية وولائه لله ورسوله وجماعة المؤمنين وانتمائه لهذا الدين، لقد وقف خطيباً في جامع الاستقلال بحيفا يقول:

يا أهل حيفا يا مسلمون ألا تعرفون فؤاد حجازي؟

ألم يكن فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم إخوانكم؟

ألم يجلسوا معكم في دروس جامع الاستقلال؟

إنهم الآن على أبواب المشانق، حكم عليهم الإنجليز بالإعدام من أجل اليهود.

أيها المؤمنون:  أين نخوتكم؟  أين إيمانكم؟  أين هي مروءتكم؟

وكانت هذه الكلمات الصادرة من القلب وقوداً روحياً للمجاهدين فكبروا، واهتزت جنبات المسجد طرباً لتكبيرهم، لقد صاح الجميع: الله أكبر... الله أكبر  مستذكرين قول فؤاد حجازي في السجن:

يا ظلام السجن خيم

                     إننا نهوى الظلاما

ليس بعد السجن إلا

                     فجر بدر يتسامى

وقال في خطبته: إن الصليبية الغربية الإنجليزية، والصهيونية الفاجرة اليهودية، تريد ذبحكم كما ذبحوا الهنود الحمر في أميركا، تريد إبادتكم أيها المسلمون، حتى يحتلوا أرضكم من الفرات إلى النيل ويأخذوا القدس، ويستولوا على المدينة المنورة، ويحرقوا قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، إنهم يريدون اللعب بأمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وتحويلهن إلى خدم لهم وسبايا!!

يا ويلكم ألا تفهمون؟! إذا ديس شبر من أرض المسلمين فعلى المرأة أن تخرج بغير إذن زوجها، وعلى الولد أن يخرج بغير إذن أبيه.

أيها المسلمون ألا تفهمون؟!

أيها المؤمنون: فرض الله علينا الجهاد ليحمينا به، ليحمي أرضنا وعرضنا، قال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَة} التوبة: 123.

لقد ملأ اليهود بلادكم، لقد سرقوا أرضكم.

نعم، لقد عمل القسام على حض المسلمين على الجهاد للدفاع عن أرض الإسراء والمعراج، وصد غائلة التهويد، وكان يحرض بشكل واضح على قتال الإنجليز وشراء السلاح، ويذكُر الحاج علي الزبري مِن "يعبد" بهذا الصدد أن القسام طالب المسلمين من على المنبر أن يقاوموا العدو، فوقف أحد المصلين وسأل: بم نقاوم العدو ونحن لا نملك شيئاً؟ا

فأجاب الشيخ: بقتلهم وأخذ السلاح منهم  وأخذ السلاح منهم.

ويذكر عربي بدوي الذي خرج مع القسام إلى أحراش "يعبد" أنه سمع القسام يهدر من على المنبر قائلاً: رأيت شباناً يحملون المكانس لكنس الشوارع، هؤلاء مدعوون لحمل البنادق، ورأيت شباناً يحملون الفرشاة لمسح أحذية الأجانب هؤلاء مدعوون لحمل المسدسات لقتل هؤلاء الأجانب.

لقد لفت نظر الإنجليز نشاط القسام واتصاله بالناس، وتحريضهم على الجهاد المقدس في دروسه وخطبه فاستدعاه الحاكم الإنجليزي للواء حيفا وقال له: يا شيخ إنك متحرك، وذو نشاط مناوئ لنا، فرد عليه بعد أن أخرج المصحف الشريف من جبته قائلاً: "هذا الكتاب العظيم يأمرنا بالجهاد ولا نخالف".

لقد أعلن القسام الجهاد ضد الإنجليز واليهود في 12 تشرين الثاني سنة 1935م، إذ جمع القسام إخوانه في مدينة حيفا وأبلغهم أنه قرر إعلان الجهاد المقدس، وأبلغهم أنهم سيغادرون تلك الليلة إلى أرض المعركة، وطلب منهم أن يعود كل إنسان إلى بيته يستودعهم الله ويواعدهم في الجنة.

لقد صرخ القسام رحمه الله من فوق المنبر، منبر مسجد الاستقلال بألوف المصلين قائلاً: باسم الله نعلن الثورة، سأخرج فوراً إلى الجهاد، لن أعود إلى هذا الجامع إلا بعد طرد الإنجليز واليهود.

خرج القسام على رأس المجاهدين وقد نيف على الستين من عمره إلى قرى جنين حيث المنطقة جبلية صالحة لإقامة الثوار وقتال الإنجليز، ولما وصل إلى قرية كفردان وزع المجاهدين على القرى هناك: يعبد وفقوعة وصندلة وقباطية للاتصال بأهلها ليشرحوا لسكانها أهداف الثورة فما إن سمعوا به حتى انضم إلى حركته رجال هذه القرى.

لقد استقر القسام ومعه أحد عشر مجاهداً في أحراش يعبد، وصار الإنجليز يتتبعون حركته عن طريق عيونهم وجواسيسهم، فما كان منهم إلا أن أرسلوا خمسمائة جندي بريطاني مجهزين بالسلاح والمدافع والدبابات والطائرات وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، ووجهوا نداءً عبر مكبرات الصوت يطلبون من الشيخ عز الدين القسام والذين معه أن يستسلموا فأجابهم الشيخ المجاهد القائد: إننا لن نستسلم، إن هذا جهاد في سبيل الله، والتفت إلى زملائه قائلاً: موتوا شهداء.

ومما يجدر ذكره أن القسام رحمه الهو اتخذ شعاراً له في حركته الجهادية هو:

هذا جهاد نصر أو استشهاد

ودارت رحى المعركة بين القسام رحمه الله مع قلة من أتباعه وبين مئات من جنود الاحتلال البريطاني بدأت من الفجر وانتهت بالظهر وقد استشهد العالم التقي المخلص المجاهد الشيخ عز الدين القسام ومعه الشيخ المجاهد محمد الحنفي أحمد أخوه في الجهاد وصاحبه في سوريا، والشيخ المجاهد يوسف الزيباوي كما جرح جميع إخوانه، ووقع في الأسر ثلاثة من المجاهدين الأبرار هم: أحمد جابر، وعرابي البدوي، ومحمد يوسف.

وتمكن المجاهدون الآخرون من الإفلات من حصار الإنجليز.

وكانت خسائر الإنجليز في هذه المعركة كبيرة إلا أن البلاغ الرسمي لم يعترف بمقتل سوى ثلاثة جنود، كان ذلك في 19/11/1935م

وبعد ذلك أصدرت القوات البريطانية بياناً يهاجم الشيخ الجليل القسام وإخوانه المجاهدين ويصفهم بالأشقياء.

لقد أذهل نبأ استشهاد القسام الشعب الفلسطيني كله رجاله ونساءه، شيوخه وشبابه، وكان له وقع كالصاعقة على نفوسهم، لقد ملأ الحزن قلوبهم، وذرفوا دموعاً غزيرة عليه وعلى إخوانه، ولقد فرح أعداء هذه الأمة من إنجليز ويهود باستشهاده لأنه عقبة كأداء، وصخرة شماء كانت في وجه مخططاتهم ومؤامراتهم.

لقد عمموا على الصحف في فلسطين وحذروها من أن تكتب شيئاً عن القسام وجهاده وحياته، وهددوا كل من يخالف هذه الأوامر بتقديمه للمحاكمة وإغلاق الصحيفة وتغريمه غرامة مالية باهظة.

ولكن تعاطف المسلمين مع إخوانهم المجاهدين جماعة القسام كان أكبر من أن يخضع للتهديد، فتعالت أصوات الأئمة والخطباء من المساجد تنعي الشيخ المجاهد القسام، وفي مقدمة هذه المساجد ارتفع صوت النعي من المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله وقدس أرضه وسائر أرض فلسطين.

لقد انبرى الخطباء والشعراء والكتاب يرثون الشيخ العلامة المجاهد الشيخ عز الدين القسام، فقيلت في رثائه أشعار، ودبجت خطب، وكتبت مقالات.

ومما قيل فيه من الشعر الأبيات التالية للشاعر محمد صادق عرنوس:

من شاء فليأخذ عن القسّام

                          أنموذج الجندي في الإسلام

وليتخذ إذا أراد تخلصاً

                         من ذله الموروث خير إمام

تركَ الكلام ورصفه لهوانه

                             وبضاعة الضعفاء محض كلام

أو ما ترى زعماءنا قد أتخموا الـ

                  آذان قولاً أيَّما إتخام

كنا نظن حقيقة ما حبّروا

                       فإذا به وهم من الأوهام

ولقد رثاه الشاعر فؤاد الخطيب بقصيدة جاء فيها:

أولت عمامتك العمائم كلها

                        شرفاً تقصر عنده التيجان

إن الزعامة والطريق مخوفة

                        غير الزعامة والطريق أمان

ما كنت أحسب قبل شخصك أنه

                       في بردتيه يضمها إنسان

يا رهط عز الدين حسبك نعمة

                          في الخلد لا عنت ولا أحزان

شهداء بدر والبقيع تهللت

                          فرحاً، وهش مرحِّباً رضوان

ومما قاله الخطباء:

لقد نقل القسام القضية من دور الكلام إلى دور العمل.

 

الشيخ سليمان التاجي الفاروقي

بالأمس دفنا القسام، ودفنا معه العدل البريطاني، لماذا التمجيد والتأبين؟ ألأنهم ماتوا؟ كلا بل لأنهم عرفوا كيف يموتون وأي سبيل إلى الجنة يسلكون؟ القسام خاطب العاتي بأفصح لغة وأكرم بيان، فتح في القضية باب الجد، ودق بيده المضرجة باب المجد.

 

الأستاذ أكرم زعيتر

سافر القسام وكان جواز سفره الأكبر مصحفاً في جيبه وقلبه.

 

عجاج نويهض

إن القسام قضى على الردة التي أفسدت على البلد اتجاهه، إننا لا نؤبن ملكاً ولا زعيماً ولا رئيساً، ولكن رجلاً من صميم الشعب، صار حديث البلد وشغل دولة بأسرها.

 

صبحي الخضراء

وكتب الكتّاب في الصحف والمجلات عن الشهيد الشيخ عز الدين القسام، فكان ممن كتب الأستاذ أكرم زعيتر في جريدة الجامعة الإسلامية تحت عنوان: (حسبونا أشقياء، أخطؤوا! ليس من صانوا الحمى بالأشقياء) قال في هذا المقال:

هل رأيت اليم الصخاب، الجائش الفوار، المتلاطم الأمواج، الفوار، المرغي، المزبد، الهدار؟

هل رأيت البراكين المضطربة تقذف الحمم والنار؟

هل سمعت الرعود العاصفة تجلجل؟

هل أحسست بالعواصف العاصفة تتدافع؟

هل رأيت الأتون المتلظي المتأجج الوهاج؟

إن لم يكن هذا فسل من مشى في موكب الشهداء في حيفا التي دوت صرختها اليوم في الآفاق، وتصاعد زفيرها إلى أجواز الفضاء، كل ذلك من أجل عصابة أشقياء!

أستغفر الهص بل عصبة شهداء.

يقول البلاغ الرسمي: إنها عصابة من الأشقياء. وتقول الأمة الحية التي مشت اليوم في موكب التشييع: كلا إنهم أبنائي وذُوّادي، إنهم مهجي وشهدائي.

لقد سمعتك قبل اليوم خطيباً مفوهاً، تتكئ على السيف، وتهدر على المنبر، وسمعتك اليوم خطيباً تتكئ على الأعناق، ولا منبر تقف عليه، ولكنك والله اليوم أخطب منك حياً.

أقول: إن الشيخ القسام غاب عنا ولم يمت، لأن الشهيد حي، حي عند الله يحيا حياة لا يعلمها إلا الله، وهو حي في نفوس الناس بمبادئه ومواقفه، قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين} آل عمران: 169-171.

وقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون} البقرة: 154. لقد استلم الراية إخوانه وتلامذته من بعده يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، ولا ظلم ظالم، ولا تهديد طاغية، فخاضوا معارك كثيرة، ثأروا لشيخهم وأستاذهم وإمامهم الشيخ عز الدين القسام رحمه اله  وأسكنه فسيح جناته.

لقد فجر إخوان القسام وفي مقدمتهم الشيخ فرحان السعدي رحمهم الله ثورة العرب الكبرى في فلسطين بعد استشهاد القسام بعام واحد فقط، كان ذلك سنة 1936م، ومما يجدر ذكره أنه كان للقسام ابنة تسمى ميمنة، وقفت بعد ثلاثة أعوام من استشهاد أبيها تلقي كلمة في أول مؤتمر نسائي عربي في التاريخ عقد لأجل فلسطين عام 1938م قالت فيها: (هل تسمحن أن تتكلم عربية يا سيداتي، أبوها شيخ جليل، وعالم من علماء الدين، له أنصار وتلاميذ، ألّف منهم عصبة كريمة مجاهدة، ومضى بهم إلى أحراش يعبد، وروابي جنين، وهنالك وقف في مقابل جيش من الظالمين، وهتف بإخوانه: الهش أكبر، اله  أكبر، ثباتاً ثباتاً، موتوا في سبيل فلسطين، وما هي إلا ساعة حتى كان أبي وملاذي الشيخ عز الدين القسام صريع الظلم والعدوان، يخضب دمه عمامته البيضاء، ويسقي شجرة الاستقلال في ثرى فلسطين، وقال التاريخ: عز الدين أول شهيد في الثورة، دق باب الحرية بيده المخضبة بالدماء، فكان باستشهاده أستاذاً في الفداء، أما طلابه ومريدوه فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً، نعم منهم من خاض الغمرات، وغشي المعامع، واستبسل في الوقائع، وهو لا يزال في الجبال، والوهاد، في المغاور والكهوف، لم يلق سلاحه، ولم يستسلم حتى تنجو فلسطين من كيد الكائدين، أما أنا فلست أقول سوى: الحمد لله ثم الحمد له  الذي شرفني باستشهاد أبي وأعزني بموته، ولم يذلني بهوان وطني واستسلام أمتي).

ترى ما موقف الأخت ميمنة الآن، وهي ترى استسلاماً واستحذاء بعد ضياع فلسطين وغير فلسطين، لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان، لقد فرض القسام رحمه الله رحمة واسعة احترامه على كل من رآه من صديق أو عدو لشجاعته وجرأته وثباته على الرغم من فقره وقلة ذات يده هو والذين خرجوا يجاهدون معه، لقد وقف الضابط الإنجليزي الذي حاصر القسام في أحراش يعبد مذهولاً ومدهوشاً عندما رأى أن المعركة كانت مع هذا الشيخ ومع نفر لم يتجاوز عددهم أصابع اليدين، وهو يقود المئات، وأن القائد الشهيد ومعه ثلاثة من تلامذته حوله، لم يملك هذا القائد الإنجليزي إلا أن ينحني ويؤدي التحية العسكرية للمجاهد الشهيد الشيخ القسام  ويأمر جنوده أن يؤدوا التحية العسكرية للقسام تقديراً للرجولة والشجاعة وإجلالاً لهذا العالم الجليل والقائد المهيب.

ولقد تواترت الأقوال وتتابعت في تقويم ثورة الشهيد القسام وأهميتها ومما قيل فيها:

وبموت الشيخ القسام رحمه الله تطوى صفحة رائعة من صفحات الجهاد العربي في فلسطين، وتفتح صفحة جديدة يتوقف على نتائجها وصمود العرب فيها مصير هذا البلد المقدس.

وإذا كانت أدوار النضال العربي الأول حتى سنة 1935م تعد بحق مقدمات الثورة الحاضرة  فإن استشهاد القسام يصح أن يحسب فاتحة الثورة ومشعل أنوارها.

اللهم ارحم الشهيد، ووجه قلوب وعقول علماء الأمة اليوم للسير على طريقه حتى تحرير كامل الثرى من رجس الصهاينة.

 

المصدر: من كتاب شهداء فلسطين للدكتور محمد عبد القادر أبو فارس