خبر : إعادة نشر المقابلة الخاصة مع د. عمر سليمان الأشقر رحمه الله تعالى

الثلاثاء 18 مايو 2010 05:46 م بتوقيت القدس المحتلة

إعادة نشر المقابلة الخاصة مع د. عمر سليمان الأشقر رحمه الله تعالى


الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر:

  • نتطلع إلى أن يسدّ موقعكم فراغاً كبيراً لقضية كبرى.
  • المطلوب أن يعود المسلمون إلى الدين القويم ويجتمعوا عليه ويقاتلوا تحت لوائه.
  • اليهود مصممون على أن يغيروا كل معالم فلسطين.
  • إن قضية فلسطين قضية المسلمين كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
  • لن تجد عالماً يخاف الله ويتقيه إلا وينقبض قلبه مما تفعله الحكومة المصرية من بناء الجدار الفولاذي.
  • يجب على العلماء أن يحثوا الحكام ويحرضوهم على قتال يهود.
  • يا علماء الأمة إن قضية فلسطين ميراث نبيكم، فإن حملتموها فذلك عزكم وفخركم، وإن تتولوا يستبدل الله قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.

دور العلماء الربانيين تجاه قضية فلسطين

السؤال الأول:

شيخنا الفاضل: شرف كبير لنا أن تكون المقابلة الأولى لموقعنا الإلكتروني مع فضيلتكم... فمع انطلاقة هذا الموقع الإلكتروني نحب أن نسمع منكم كلمة.

الجواب: الحمد الله, والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد: فأشكر لكم اختياري لأحظى بالمقابلة الأولى للموقع الإلكتروني لهيئة علماء فلسطين في الخارج, وأسأل الله تعالى أن يغفر لي ما لا تعلمون, وأن يجعلني فوق ما تظنون, وأسأله تعالى أن يرزقني حسن الفقه لما تسألون عنه, وأن يرزقني السداد في الإجابة.

وأسأل الله تعالى أن يعين القائمين على هذا الموقع للتعرف على قضية فلسطين وفق المنهج الإسلامي الأصيل, وأن يمدهم بعون من عنده لبنائه البناء الأقوم كي يوصلوا رسالة الهيئة إلى العالم الإسلامي, بل العالم كله, ولعل هذا الموقع يروي عطش السائلين عن قضية فلسطين, وفق ما يفقهه علماء هذه الأمة تجاه هذه القضية، إنكم في هذا الموقع تقومون على ثغرة كبيرة من الثغرات, ونطلع إلى أن يسد موقعكم فراغاً كبيراً لقضية كبرى, هي أعظم قضايا المسلمين في هذا العصر, ولذا فإنني أرجو أن يسدد القائمون على هذا الموقع, فيروننا فيه قضية فلسطين كما ينبغي أن تكون, فيبعثون في نفوسنا الأمل بالنصر العظيم, الذي يعيد الأقصى وما معه من مقدسات المسلمين إلى حضن الأمة الإسلامية, ويكبت اليهود الغاصبين الذين علا فسادهم, واستطار شرهم, والله قادر على تدميرهم وإهلاكهم.

 

السؤال الثاني:

العلماء هم أولو الأمر وورثة الأنبياء... فضيلة الشيخ: من هم العلماء الذين يستحقون هذه الأوصاف؟

الجواب: العلماء الذين يهمني بيان صفاتهم هم العلماء الأخيار الصادقون العاملون الذين حملوا هم القضية الفلسطينية, وجاهدوا في سبيل رد العدوان عنها, وحملوا الراية لبعث همة المسلمين للجهاد في سبيل تحريرها من العدو الغاصب, وهؤلاء يتصفون بما يأتي:

1- يعلم هذا الصنف من العلماء أن صراعنا مع يهود صراع عقائدي, فاليهود يزعمون أن فلسطين ميراثهم من أبائهم, أعطاهم الله إياها, فهم أحق بها من غيرهم, ونحن نقر بأن الله أعطى فلسطين لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وأنبياء بني إسرائيل, وأعطاها للذين آمنوا بهؤلاء الأنبياء واتبعوهم, ثم أعطاها الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده الذين ساروا على طريق الأنبياء من قبلهم, فليس للكفار من اليهود بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم حق في فلسطين، لأنهم كفروا بالله ورسوله وانقطعت صلتهم بأنبياء بني إسرائيل، ويدل لصحة هذا الذي نقول أن الله نسخ بالقرآن شريعة التوراة وشريعة الإنجيل، وأسرى بعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأمَّ الأنبياء في المسجد الأقصى، وكان الأقصى قبلة المسلمين الأولى، وفتح الصحابة القدس وفلسطين، وبذلوا في سبيل ذلك دماء غالية.

2- يعلم هذا الصنف من العلماء سبب ضياع فلسطين، فالمسلمون ضاعت بلادهم عندما أهملوا دينهم، وارتكبوا الذنوب والمعاصي، وانتشرت فيهم المذاهب والملل الضالة، ولذا فإنه يجب على العلماء أن يعملوا لغرس الإسلام في القلوب، وغسل نفوسهم من المذاهب والأديان المحرفة والمفتراة، فكلما أقام العلماء هذا الدين كلما اقترب النصر من المؤمنين.

3- هذا الصنف من العلماء الأمل مغروس في نفوسهم، فهم يؤمنون بأن الأيام دول، وأنا الله يقلبها كيف يشاء، وهم يملكون زرع الأمل بالنصر في قلوب المسلمين، ولا يخامرهم شك في أن النصر آتٍ من عند الله، وكل المطلوب أن يعود المسلمون إلى الدين القويم، دين رب العالمين، يجتمعوا عليه، ويقاتلوا تحت لوائه.

4- يدرك هذا الصنف من العلماء أن نصر المسلمين يتحقق عندما يتوحدوا في أمة واحدة، فيصبحون جسداً واحداً، وعند ذلك تقوى ريحنا، وتجتمع قوانا، ولم يحقق صلاح الدين النصر حتى اجتمعت تحت رايته قوى المسلمين في مصر والشام واليمن، وجاءته الجيوش الجرارة من العراق والحجاز والجزيرة العربية، فردوا كيد الصليبيين، وفتحوا القدس وأعادوا الأقصى.

5- هذا الصنف من العلماء يعلمون حقيقة اليهود، ويعلمون أنهم كفار أخباث أنجاس، غضب الله عليهم ولعنهم، ويعلمون أنهم عندما يقاتلون اليهود فإنهم يهزمونهم، فالله ناصرهم عليهم ومؤيدهم، {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}.

6- يعلم هذا الصنف من العلماء أن النصر من عند الله لا من عند أمريكا ولا مجلس الأمن ولا هيئة الأمم، ولذالك فإنهم يطلبون النصر من الله، ويوالون المؤمنين، ويتبرؤون من الكفرة ومن اليهود والنصارى وغيرهم من الضالين.

 

السؤال الثالث:

الحياة مواقف، وفي ساعة الشدة تظهر معادن العلماء حبذا لو تضعونا في أبرز المواقف التي اتخذها علماء السلف تجاه قضية فلسطين.

الجواب: أسرى الله برسولنا صلى الله عليه وسلم إلى القدس وإلى أقصاها ليكونوا ذلك إعلاناً على وراثته للأنبياء من قبله، وصلى بالأنبياء هناك إماماً للدلالة على إمامته لمن في الماضي والآتي، وفتح القدس والأرض المباركة حولها الصحابة، وتسلم مفاتيح القدس الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، فكان الفتح عمرياً، ودنسها النصارى ورفعوا صلبانهم فوق أقصاها، فأعاد فتحها صلاح الدين بجيوش الإسلام وعلماء المسلمين، وقام علماء المسلمين بالجهاد عندما احتلها نصارى الإنجليز، وقدموها لليهود، وفجر العلماء الجهاد في فلسطين، وكان تفجير الجهاد فوق أرضها على يد العالم  المجاهد عز الدين القسام وإخوانه من بعده وكثير منهم علماء أجلاء، ومنهم الشيخ فرحان السعدي الشهيد إن شاء الله.

 

السؤال الرابع:

هناك على مقربة من المسجد الأقصى وفي مدينة القدس التي تضم مقبرة (مأمن الله) التي ينتهك اليهود حرمتها صباح مساء، وعلى امتداد أرض فلسطين المباركة يرقد علماء بارزون كالنجوم في السماء... علام يدل ذلك؟

الجواب: اليهود أعداء الله تعالى، وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأعداء المؤمنين من هذه الأمة، وقد اجتاحوا معاقل الإسلام في فلسطين، ودمروا المئات من قراها، وهدموا الكثير من مساجدها، وجعلوا بعض منها خمارات ومعارض تجارية ومطاعم، وداسوا المصاحف المقدسة بأرجلهم، ومزقوها، ورموها في الحمامات والمزابل، وهم جادون في تدمير أقصانا، لبناء هيكلهم في موضعه، وقد بنوا الأنجاس الدنسة التي يسمونها بالكنس على حدود أقصانا، وآخرها الكنيس الذي سموه بـ"كنيس الخراب"، ولعله الذي سماه دانيال برجسة الخراب، وهم مصممون على تنفيذ وصية هرتزل الذي أوصاهم في كتابه "الحكومة اليهودية" أن يغيروا كل معالم فلسطين عندما يجتاحونها.

وفعلهم هذا كفعل الصليبيين الذين احتلوا فلسطين من قبل فقد قتلوا في الأقصى عندما اجتاحوه ستين ألفاً من المسلمين، وكسوا جدران الأقصى بالصلبان، وجعلوه زرائب لخيولهم، وربوا في بعض جنباته الخنازير، ومنعوا المسلمين من الصلاة فيه.

واليهود اليوم يضيقون على المسلمين في الصلاة في الأقصى ويقيمون لهم المذابح بين الفينة والفنية.

إنهم يهود أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم وأعداء الأمة الإسلامية، ليس عندهم احترام ولا تقدير لا لربنا ولا لقرآننا ولا لرسولنا ولا لصحابته ولا لمجاهدينا ولا لأئمتنا، إنهم يدمرون المقابر، ويدنسون القبور، ويمزقون المصاحف، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، إنهم يهود الذين نقضوا عهودهم مرة بعد مرة مع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم مرة بعدة، حتى طهر المدينة من رجسهم، والمسلمون قادمون.. قادمون، وسيطهرون فلسطين من رجسهم، ولعله يكون قريباً.

 

السؤال الخامس:

قاد صلاح الدين الأيوبي جيوشه لتحرير مدينة القدس، فهل كان للعلماء أثر أو دور في صناعة ذلك النصر.

الجواب: كان للعلماء دور عظيم في صناعة النصر الذي أنزله الله على صلاح الدين في حروبه مع الصليبيين وبخاصة في المعركة العظيمة التي هزم المسلمون فيها الصليبيين، وهي معركة عين جالوت، وقد أسر صلاح الدين ملوك الفرنجة، ولم ينج منهم إلا واحد، وكان عدد الملوك المأسورين تسعة، وقد قتل صلاح الدين بيده أحد ملوكهم، وهو أرناط صاحب الكرك، وكان هذا الملك الغاشم هاجم الحجاج وقتلهم، وكان يقول لهم وهو يقتلهم: أين نبيكم؟ أين محمدكم؟ فأوقفه صلاح الدين بين يديه، ودعاه إلى الإسلام فامتنع، فقال له: نعم أنا أتوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتصار لأمته، تمّ قتله، وأرسل برأسه إلى ملوك الفرنجة وهم جلوس في الخيمة القريبة منه.

لقد أقيمت مئات المدارس التي انضوى فيها طلبة العلم في دمشق وحلب والقاهرة والإسكندرية وبغداد، وخرجت هذه المدارس مئات الألوف من العلماء، وقد كان لهم أثر عظيم في بعث الجهاد في الأمة الإسلامية، وكان في جيوش نور الدين محمود ومن بعده صلاح الدين من العلماء وطلبة العلم أعداد كثيرة، وقد عرف أن مستشار صلاح الدين الأول هو العالم الكبير القاضي الفاضل، وقد كان يديم النصح والمشورة للسلطان حتى استقام أمره، فالقاضي الفاضل عندما مرض السلطان صلاح الدين في سنة (581 هـ) أشار على صلاح الدين أن يصلح نيته، وينذر لله إن شفاه من مرضه أن يصرف همته كلها إلى قتال الفرنج، ولا يقاتل بعد ذلك مسلماً، ويجعل أعظم همه فتح القدس، ولو صرف في سبيل ذلك جميع ما يملكه من الذخائر والأموال، فشفاه الله تعالى، وصدق صلاح الدين ما عاهد عليه الله، ففتح الله عليه القدس بعد ذلك بعامين.

وانظر إلى حسن نية السلطان عندما قال للصفي بن الفايض عندما وجده بنى له قصراً عظيماً في قلعة دمشق، فغضب عليه، وعزله من منصبه، وكان وكيل الخزانة، وقال له: "إنا لم نُخلق للمقام بدمشق، ولا بغيرها من البلاد، وإنما خُلقنا لعبادة الله والجهاد في سبيله، وهذا الذي عملته مما يثبط النفوس، ويقعدها عما خلقت له".

وفي سنة (586هـ) كان القاضي الفاضل بمصر يدير الممالك، ويجهز للسلطان صلاح الدين ما يحتاج إليه من الأموال، وعمل الأسطول والكتب السلطانية، فكان مما كتبه أن سبب التطويل في الحصار الذي وقع في بعض المعارك هو كثرة الذنوب، وارتكاب المحارم بين الناس، فإنّ الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه، وامتثال أمره، فكيف لا يطول الحصار والمعاصي في كل مكان فاشية.

لقد كان السلطان صلاح الدين رجلاً صالحاً، وكان يجاهد في سبيل الله، ومع ذلك كان يعنى بالعلم والعلماء، وكان يقرأ عليه الحديث وهو في ميدان القتال، والمعركة، توشك أن يثور بركانها، وكان يقاعد العلماء، ويسير إليهم، ويجلس في مجالسهم، ومع الحرص على الجهاد والعلم كان هو ونور الدين محمود من قبله حريصين على إقامة العدل، وعندما طلب نور الدين محمود من ادعى عليه إلى القاضي سار من فوره وجلس أمام القاضي، وبان أن خصمه مبطل في دعواه، وقد أعطى خصمه ما طلبه مع كذبه كان مبطلاً في دعواه.

أن النصر لا يتنزل على قوم جهلاء ظلمة، لقد كان صلاح الدين عالماً يديم طلب العلم، وقد انتشرت المدارس العلمية في عصره، وكان للعلماء دور عظيم في إصلاح الأمة وكان العلماء وطلبة العلم من جند صلاح الدين.

 

السؤال السادس: 

قاد الشيخ عز الدين القسام، وهو من خارج فلسطين، من أرض سورية- الثورة على أرض فلسطين، واستشهد هناك.... فما أبعاد هذه الواقعة؟

الجواب: كلُّ بلاد المسلمين أمانة في أعناق المسلمين، وإذا هوجم أهل بلد من بلاد المسلمين وجب عليهم أن يجاهدوا لردّ العدوان عن ديارهم، فإن لم تكف قوتهم لرد العدوان وجب على من بعدهم أن يعينوهم، وهكذا حتى يشمل هذه الأمة الإسلامية كلها، ولمكة وللمدنية والقدس فضل على بقية بلاد المسلمين وهذا علم، واجب على كلّ المسلمين، يعلمه العوام فضلاً عن العلماء.

لقد جاهد العلامة  عز الدين بن عبد القادر القسام (1822- 1935م) النصارى الذين احتلوا بلاده سوريا، فلما اشتدّ عليه الطلب، وضاقت عليه سوريا بما رحبت هاجر إلى مدينة حيفا ومعه الشيخان محمد حنفي، والحاج عبيد، وهناك درس وعلم وأفتى، وجمع حوله ثلَّة غرس فيهم روح الجهاد والاستشهاد، وفي عام 1935 خرج في ثلة من أصحابه إلى غابة يعبد، وعلم به الإنجليز، أرسلوا جيشاً قوامه أربعمائة جندي، وثارت رحى المعركة سقط فيها الشيخ وجمعٌ من تلامذته صرعى، وتفجر الجهاد في فلسطين بعد تلك    الواقعة.

إنَّ عز الدين القسام الذي ولد في جبلة في سوريا سقط شهيداً في يعبد في فلسطين، فلسطين بلده كما سوريا بلده، وهو يدعو العالم الإسلامي بقوله وفعله إلى الجهاد في سبيل أقصى المسلمين، فلا عذر لمن تخلف عن الجهاد، فمكة أغلى من بغداد والقاهرة، والمدينة أغلى من استانبول وجاكرتا، والقدس أغلى من الرياض ولاهور والجزائر والمغرب، لأنَّ الله قدسها، وجعل فيها المساجد  التي لا تشدّ الرحال إلا إليها.

لقد سارت إلى الأقصى جيوش الإسلام في عهد الصحابة فحررته، وخاض صلاح الدين الأيوبي الكردي وجيوش المسلمين من بلاد الشام والعراق والحجاز واليمن فحررته من الصليبين، والأقصى وفلسطين اليوم أمانة عند المسلمين، جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ليغسلوا عنها رجس يهود ورجس النصارى.

 

السؤال السابع:

نفذ البريطانيون قرار الإعدام بحق الأبطال من أهل فلسطين كفؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم، وقتلوا عز الدين القسام وبعض رفاقه في غابة يعبد، ونفذوا حكم الإعدام في الشيخ فرحان السعدي، فهل أبقى هؤلاء وأضرابهم لأحد من العلماء من عذر؟

الجواب: بريطانيا هي الدولة التي احتلت أقصانا وقدسنا وبلادنا المباركة وحاربتنا بقدرتها وجبروتها، ووعدت اليهود بفلسطين، وعبر ثلاثين عاماً سلمت فلسطين لليهود، وقد قتلت مجاهدينا وثوارنا، ولاحقتهم في القرى والمدن والسهول والجبال، وانتهكت حرماتنا، وأذلت رجالنا ونساءنا، وفتحت السجون والمعتقلات، وزجت فيها بالأبطال والمجاهدين، وحمت اليهود، وجاءتهم بالسلاح والذخيرة.

لقد دخل الجنرال أَلِنبي القدس عام 1917م وعقد اجتماعاً دعي إليه وجهاء القدس ورجال الدولة، وكم كان قاسياً عندما خطب فيهم متبجحاً بالنصر الذي حازته بريطانيا، قائلاً: "الآن انتهت الحروب الصليبية".

لقد نفذت بريطانيا أحكام الإعدام في حقّ أبطالنا ومجاهدينا، ابتدأتها في عام 1930عندما نفذت أحكام  الإعدام بالأبطال (عطا الزير، ومحمد جمجوم ، فؤاد حجازي) في اليوم الذي عُرف "بيوم الثلاثاء الحمراء" وثارت فلسطين في ذلك اليوم وأنشدت مع الأبطال الكبار:

يا ظلام السجن خيم

                        إننا نهوى الظلاما

ليس بعد الليل إلا

                         نور فجر يتسامى

رحم الله الشيخ عز الدين القسام الذي شوهد يوم إعدام الأبطال الثلاثة متجهم الوجه يغالب الدمع ويجالده، وفي عينيه بريق رهيب وأوصاله ترتجف غضباً، ثم إنه أسرع للمسجد، فألقى خطبة نارية، ومما قاله فيها: (يا أهل حيفا، يا مسلمون، ألا تعرفون فؤاد حجازي، ألم يكن فؤاد حجازي، وعطا الزير، ومحمد جمجوم من إخوانكم؟ ألم يجلسوا معكم في دروس جامع الاستقلال؟ إنهم الآن على أعواد المشانق), لقد كان هؤلاء الثلاثة من تلاميذ القسام, وسار القسام على طريق تلامذته, وأوجد ثلة تعشق الجهاد والاستشهاد, وقد بلغ المنتظمون تحت لوائه مائتي مقاتل, وبلغ المتأثرون بهم ثمان مائة مقاتل, وخرج القسام مع ثلة من أتباعه إلى غابة يعبد, وما إن علم به الإنجليز حتى أرسلوا له من الدبابات المسلحة والجيوش المقاتلة ما يزيد على أربعة مائة مقاتل, وسقط القسام شهيداً هو واثنان من أتباعه وأسر بعضٌ منهم, وجاءت فلسطين إلى حيفا لتودع القسام قبل مواراته الثرى, وصدح الشاعر فؤاد الخطيب في القسام معزياً:

أولت عمامتك العمائم كلها

                        شرفاً تقتصر عنده التيجان

إنَّ الزعامة والطريق مخوفة

                       غير الزعامة والطريق أمان 

لقد حكمت المحكمة البريطانية على الذين أسروا من إخوان القسام الذين كانوا معه بأربعة عشر عاماً لكل واحد منهم, وحكمت على الذين أظهروا تعاطفاً مع القسام بسنتين لكل واحد منهم, وكان نمر السعدي واحداً من هؤلاء, وقد قال في المحكمة التي حكمت عليه غير هياب ولا وجل: "إنني أعترف بكوني صديقاً للقسام ومن أنصاره, وأعتقد أن الشيخ عز الدين القسام على حقٍ في كل ما عمل, وليس على باطل, ولم تكن له مآرب شخصية وإنما هو مجاهد في سبيل الله".

وظهرت بعد القسام قيادات جديدة كثيرة كفخري عبد الهادي وعبد الرحيم الحاج محمد, وعارف عبد الرزاق, وعبد القادر الحسيني, والشيخ فرحان السعدي, والشيخ عطية محمد عوض..., وغيرهم.

وقام القساميون في عام 1936م بتفجير الثورة الكبرى, وكان أول من فجرها الشيخ فرحان السعدي عندما قاد مجموعة قتلت اثنين من اليهود وجرحت ثالثاً, وقضى فرحان السعدي شهيداً على يد البريطانيين الذين حكموا عليه وهو ابن الثمانين عاماً بالإعدام.

إنَّ هؤلاء الأبطال كانوا ولا يزالون مشاعل من نور, تضيء للأمة الطريق, طريق الجهاد والاستشهاد لتحرير فلسطين من اليهود الغاصبين.

 

السؤال الثامن:

فضيلة الشيخ لقد شهدت القضية الفلسطينية تقزيماً لحقيقة الصراع, فتحولت من قضية إسلامية إلى قضية عربية, ثمَّ إلى قضية فلسطينية يتعاطف معها العرب والمسلمون... فما الذي ينبغي أن يفعله العلماء لإعادة القضية الفلسطينية إلى عمقها الإسلامي؟

الجواب: إنَّ قضية فلسطين قضية المسلمين، كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, لأنَّ بيت المقدس هو مسرى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم, وهي قبلة المسلمين الأولى, وهي ميراثنا من أنبياء بني إسرائيل, فاليهود اليوم لا يرثون تلك الديار المباركة, بل هي ميراثنا من الأنبياء الأطهار {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

لقد مكر اليهود والنصارى ببني قومي, فصدقوا أن فلسطين قضية العرب وحدهم, ثم زاد المكر, فجعلوا فلسطين قضية أهل فلسطين وحدهم, لقد حرر القدس وفلسطين الصحابة والتابعون لهم بإحسان, واستلم مفاتيحها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب, وعندما دنس ثراها الصليبيون ورفعوا صلبانهم فوق أقصاها وصخرتها حررها صلاح الدين الكردي, وكانت جيوشه قد جاءت من مختلف أقطار العالم الإسلامي, والذين جاسوا خلال ديار اليهود بعد إفسادهم الأول عباد الله أصحاب البأس الشديد, والذين سيسيؤون وجه يهود ويدمرون القرى التي بناها اليهود, ويعيدون الأقصى إلى حضن المسلمين، هم المسلمون الذين أقاموا الدين, ولذلك فإنَّ عمقنا الذي نستند إليه بعد الله الأمة الإسلامية, وعلينا أن ننادي بالمسلمين كي يجودوا بالنفس والمال في سبيل القضاء على اليهود وتدمير قوتهم.

 

السؤال التاسع:

لقد شهدنا وقوع اختلافات بين العلماء في عدد من المسائل المتعلقة بتفاصيل العمل الجهادي كأحكام العمليات الاستشهادية على سبيل المثال.... فهل دوافع هذا الاختلاف سياسية أو شرعية؟

الجواب: لا يهمني أن أبحث لأتبين الدوافع, والذي يعنيني التعرف على الحكم الشرعي من الكتاب والسنة, وقد بينتُ في بعض كتاباتي أن الذين يقصدون العدو ليفجروا أنفسهم فيه لا ينطبق عليهم حال المنتحر, ولا يجري عليهم حكمه, فالمنتحر إنسان يائس من روح الله, ويريد أن يقضي على نفسه ليخلص من آلامه وأوجاعه, وهمومه النفسية التي تضنيه وتتعبه, والذين يقومون بالعمليات الاستشهادية رجال امتلأت قلوبهم بالإيمان بالله والمحبة له, يدفعهم إلى تفجير أنفسهم في اليهود حبهم للشهادة في سبيل الله, وكراهتهم لأعداء الله اليهود, ولو كانوا يملكون الأسلحة المتطورة التي تثخن في اليهود وهم بعيدون عنهم ما احتاجوا إلى تفجير أنفسهم في اليهود, وقد أذاقت هذه العمليات اليهود البلاء أشكالاً وألواناً وأوقعت في قلوبهم الرعب, واحتاجوا أن يقيموا حول أنفسهم سوراً يمتد إلى مئات الكيلو مترات ليحموا أنفسهم من الاستشهاديين, ولقد حدثني قديماً الشيخ خليل الحامدي رحمه الله تعالى, كيف وجد قائد باكستاني في إحدى المعارك التي ثارت بين الهند والباكستان أنه في موقف ضعيف مع الجيش الهندي, لأنه لم يكن لديه دبابات, والجيش الهندي عنده العشرات منها, فطلب من جنوده أن يتبرعوا للاستشهاد في سبيل الله, وكانت المعركة في الليل, فكان الجندي المسلم يحيط جسده بالمتفجرات القوية, ويرمي نفسه أمام الدبابة الهندية, وتوالى تفجر الدبابات الواحدة بعد الأخرى, فلما وصل عدد الدبابات المفجرة قرابة عشر دبابات توقف هجوم الدبابات وامتنعت عن التقدم.

وقد أوردت في غير هذا المقام عدة نصوص تدل على أن الذي يقدم على الموت طالباً الشهادة في سبيل الله فهو شهيد, ولا يكون منتحراً, ففي قصة أصحاب الأخدود خير الملك الطاغية الناس بين الكفر بالله والإيمان أي الطاعة به ربَّاً, وبين الدخول في النار التي أشعلها, (فجاءت امرأة وهي تحمل الرضيع, فلما وقفت على شفير الخندق المشتعل كأنها أرادت أن ترجع, فأنطق الله رضيعها وقال: يا أماه إنك على الحق فاصبري, فاقتحمت) [والحديث رواه مسلم في صحيحه], أفتكون هذه المرأة وابنها منتحرين لكونها اقتحمت النار من غير أن يلقي بها العدو فيها.

وهناك أدلة أخرى جاءت بها الأحاديث الصحيحة, لا مجال لذكرها في هذا الموضع.

 

السؤال العاشر:

تتردد على الألسنة عبارة: "علماء السلاطين" هل لهؤلاء العلماء وجود اليوم؟ وهل لهم أثر على القضية الفلسطينية؟

الجواب: بل ما أكثرهم في هذه الأيام, فكلما رأيت المهرولين من الحكام إلى موالاة اليهود والنصارى للقضاء على قضية فلسطين وجدت في كل عصر ومِصرٍ بعض المهرولين (من العلماء) في مقدمة الصفوف يصفقون لأصحاب السلطان, ويزينون لهم أعمالهم وقد بلغ الحال ببعض علماء السلاطين إلى مصافحة زعماء اليهود علانية إرضاء للسلطان, وإغضاباً للرحمن, فالله حسيبهم, ويوم القيامة الموعد بين يدي الله.

 

السؤال الحادي عشر:

برأيكم يا فضيلة الشيخ: هل الخلاف بين العلماء في مسألة الجدار الفولاذي الذي تبنيه مصر على حدود قطاع غزة خلاف بين فريقين من العلماء الربانيين؟ وهل الدافع وراء ذلك الخلاف إرادة كل من الفريقين البحث عن الحق؟

الجواب: لا والله, فإنَّك لن تجد عالماً يخاف الله ويتقيه إلا وينقبض قلبه مما تفعله الحكومة المصرية من بناء هذا الجدار الفولاذي, وتدعو لله أن يأخذ على أيدي الذين يقومون بهذا البناء, هذا الجدار الذي يقوم على منع وصول الغذاء والحاجات إلى أهلنا في غزة, وقد أفتى علماء مصر بحرمة بناء هذا الجدار, وصرح كثير من أهل مصر باللوم الشديد لهذه الفعلة الشنعاء, فإن رأيت عالماً يشجع هذا العمل ويرتقيه فاعلم أنه من أتباع مدرسة علماء السلاطين.

 

السؤال الثاني عشر:

لقد غدا كثير من العلماء يرددون عبارات الشجب والتنديد التي سئمت منها الشعوب.. فهل هذا هو واجب العلماء المنشود؟

الجواب: ترديد عبارات الشجب والتنديد تجاه ما يحلُّ بأرض الإسراء أمر محمود, وهو واحد من الواجبات المنوطة بالحكام والعلماء وأهل الرأي, ولكنها وحدها لا تكفي, بل يجب على العلماء أن يبصروا المسلمين بواجبهم تجاه فلسطين, وأن يغرسوا في قلوبهم الأمل بأنَّ نصر الله آتٍ لا شكّ فيه, ويجب عليهم أن يحثوا الحكام ويحرضوهم على قتال اليهود, ويرشدوهم إلى بناء القوة الحربية وإعداد العدة للمصاولة والمجاولة, والبعد عن أعداء الله من اليهود والنصارى ونحو ذلك من الأعمال التي تُعدّ ليوم آتٍ لا ريب فيه.

 

السؤال الثالث عشر:

الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله تعالى) مع ما به من الأمراض والأدواء، بقي يدعو ويعمل ويربي, وكانت همته حجّة على جميع علماء الأمة, برأيكم كيف ينبغي أن تكون همة علماء الأمة تجاه قضية فلسطين؟

الجواب: رحم الله الشيخ أحمد ياسين فمع أن الله ابتلاه بكثير من الأوجاع والأمراض التي كانت تعيقه عن الحركة, إلا أن الله أبقى له قلباً حيّاً, وعقلاً واعياً مدركاً, ولساناً ناطقاً, وغمر قلبه بالإيمان, وحبب إليه الإسلام, وحبب عباد الله به, وأوجد له قبولاً عند المسلمين, وكان خصماً عنيداً لأعداء الله اليهود, ومن ساندهم من النصارى, وهذا العبد الضعيف نفع الله به العباد والبلاد, وقد والله جعلنا نستصغر أنفسنا ونذمها في ذات الله, وندعو الله تبارك وتعالى أن يكون قد رُزق الشهادة, وجعله من الذين قال الله فيهم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.

إن الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله تعالى) لم يبق للعلماء من عذر إن هم تقاعسوا في ميدان الجهاد ونصرة فلسطين ومقاومة أعداء الله اليهود, وسيبقى الشيخ حاوي الركب إلى ما شاء الله, يقتدى به, ويتأسى, وستبقى كلماته نوراً على الدرب تحركنا للتي هي أهدى وأقوم.

 

السؤال الرابع عشر:

ما واجب المنبر, وما أهميته في التأصيل للصراع مع اليهود الغاصبين؟

الجواب: لا يزال الخطباء الورعون الأتقياء الذي يعتلون المنابر يبصرون الأمة بقضاياها من فوق المنابر في يوم الجمعة وفي العيدين, ولا تزال قضية فلسطين من أهم القضايا التي يجب تبصير المسلمين بها, وتعريف المسلمين بأبعادها الشرعية, وتحميل المسلمين واجب الجهاد في سبيل نصرتها, وإزالة الضعف الذي استنامت له الأمة, وتنقيتها من الذنوب والمعاصي التي تحول دون النصر.

 

السؤال الخامس عشر:

كلمة أخيرة إلى علماء الأمة ودعاتها وخطبائها.

الجواب: يا علماء الأمة الإسلامية, يا علماء فلسطين, يا علماء مصر وسوريا والحجاز والسعودية يا علماءنا في اليمن والجزائر وليبيا وتونس والمغرب, يا علماء الأمة الإسلامية كلها في مشارق الأرض ومغاربها, إن هيئة علماء فلسطين في الخارج تناديكم فأنتم أمل الأمة, وأنتم أطباؤها, وأنتم ورثة محمد صلى الله عليه وسلم, وأنتم حفظة كتاب الله, وحملة شريعته, وقضية فلسطين ميراث نبيكم فإن حملتموها فذلك عزكم وفخركم, وإن تتولوا يستبدل الله قوماً غيركم ثمَّ لا يكونوا أمثالكم, يا علماء الأمة, بصروا أمتكم كلّ في دياره بمسرى رسول الله السليب الذي تدنسه اليهود, وقد أعملت آلاتها فحفرت تحت أركانه وجدرانه, وكادت تنسفه وتطيح به, ومنعت المسلمين في أرض الإسراء من الصلاة فيه, وهي تصرح صباح مساء بأنها ستزيله وستبني, حبسها فوق أرضه, يا علماء الأمة الإسلامية أليس فيكم نخوة علماء الإسلام, ألا تغضبون لله عزَّ وجل, وتتنادوا إلى إحياء أمتكم, وتقيموها لترفع الجهاد والاستشهاد, وتدلوها على ما فعلته يهود بأسراها وقدسها!!!

يا ورثة محمد صلى الله عليه وسلم, والله إن قصرنا في حمل الأمانة وأدائها كما يجب أن تحمل وتؤدى فلنحاسبنَّ حساباً شديداً بين يدي الله تبارك وتعالى, إن هيئة علماء فلسطين في الخارج تناديكم, فنحن وإياكم شركاء في حمل قضية فلسطين, فإننا جميعاً أصحاب دين واحد, وكلنا أمة واحدة, والقدس مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم, وأقصاها أقصى المسلمين جميعاً, وهو قبلتنا الأولى, وفيه صلى رسولنا بالأنبياء, فقضيتنا هي قضيتكم أينما كنتم, وحيثما حللتم فنحن وأنتم أصحاب القضية, ونحن وأنتم لو تمالأنا لزلزلنا الأرض من تحت يهود, والنصر آتٍ آتٍ, والله حافظ دينه, وكابت عدوه, وناصر عباده, والفرج من بعد الضيق, وسيعلم الذي ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.