خبر : عين على الأقصى

السبت 02 أبريل 2011 09:30 ص بتوقيت القدس المحتلة

 

diggings

تقرير سنوي يصدر عن مؤسسة القدس الدولية-بيروت  في ذكرى إحراق المسجد الأقصى

21-8-2010

ملخص تنفيذي

تصدر مؤسسة القدس الدولية منذ عام 2005 تقريراً دورياً يرصد الاعتداءات على المسجد الأقصى وتطور خطوات الاحتلال الصهيوني تجاهه، ويعدّ هذا التقرير الرابع في هذه السلسلة، وهو يوثّق الاعتداءات في الفترة بين 22/8/2009 وحتى 21/8/2010، ويحاول تناول مشروع تهويد المسجد بمقاربةٍ شاملة تناقشه من أربعة جوانب، فيبدأ أولاً بتطور فكرة الوجود اليهودي في المسجد الأقصى على المستوى السياسي والديني والقانونيّ، وينتقل ثانياً إلى مناقشة تفصيلية لكل أعمال الحفر والإنشاءات والمصادرة تحت المسجد وفي محيطه، ويناقش مسارها وتطورها على مدى سنوات التوثيق، ويكشف عن تفاصيلها ومراميها استناداً على أحدث ما يتوفر من معلومات، حيث يسعى الاحتلال إلى تأسيس مدينةٍ يهوديةٍ تحت المسجد وفي محيطه يكون هو في مركزها، ويخلق بنيةً تحتية متكاملة للوجود اليهودي في المسجد ومحيطه، ويتناول ثالثاً تحقيق الوجود اليهودي البشري والفعليّ داخل المسجد الأقصى، ومحاولات التدخل في إدارته، فيرصد اقتحامات وتصريحات الشخصيات الرسمية، والمتطرفين اليهود، والأجهزة الأمنية، ويستقرئ مسار ومآلات كلّ منها، ويلمس معالم تكامل الأدوار بين هذه الأطراف المتفقة على تحقيق الهدف ذاته، تقسيم المسجد بين اليهود والمسلمين في أقرب فرصةٍ ممكنة، كما يرصد المنع الدائم لترميم مرافق المسجد، وتجلياته خلال فترة التقرير، والتقييد  المستمرّ لحركة موظّفي الأوقاف، الذين يُشكلون العصب التنفيذي لهذه الدائرة، بغرض شلّ عمل الدائرة ومنعها من أداء مهامّها، تمهيداً لنزع الحصرية الإسلامية عن المسجد لصالح سلطة الآثار الإسرائيلية، ويرصد التحكم في الدخول للمسجد، ومحاولة الاحتلال تغيير قواعد السيطرة على أبوابه، وتقييد حركة المصلين بحسب مناطق تواجدهم، وبحسب أعمارهم، لينتقل رابعاً  برصد ردود فعل أهم الأطراف المعنية، فيركز على المقاومة، والسلطة الفلسطينية، وردود الفعل الرسمية والشعبية العربية والإسلامية، ويشخص معضلة غياب الردع التي منحت المحتل الفرصة السانحة لتهويد المسجد وتنفيذ مخطط تقسيمه. ويختم التقرير بتوصيات لمختلف الأطراف الفاعلة والمعنية بمصير المسجد، ويحاول رسم خارطة طريق تعيد بناء معادلة الردع التي كانت الحامي الأساس للمسجد على مدى الأعوام الـ44 الماضية من احتلاله. 

 

jewish_centers

أولاً: تطوّر فكرة الوجود اليهودي في المسجد الأقصى:

‌أ.        الموقف السياسيّ:

كان وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء في دولة الاحتلال مطلع عام 2009  الحدث الأبرز الذي أعطى دفعةً قويّةً لفكرة الوجود اليهوديّ في المسجد الأقصى، إذ أنه أول السياسيين في دولة الاحتلال الذي دعا علناً إلى تحقيق هذا الوجود. لقد حاول نتنياهو منذ توليه رئاسة الحكومة أن لا يتحدث علناً أو يتخذ إجراءات حكومية واضحة باتجاه تغيير الواقع في المسجد الأقصى المبارك خوفاً من المزيد من الضغوط الأمريكية، لكنه أعطى الضوء الأخضر لعدد من الوزراء والنواب وكبار المسؤولين السياسيين بقيادة مطالب المتطرفين اليهود بالصلاة في المسجد، وذلك بهدف الحفاظ على ائتلافه الحكومي والقاعدة الشعبية الداعمة له. وقد اتضحت معالم هذه السياسة التي تبناها الائتلاف الحاكم من خلال تصريحات عدد من الوزراء والنواب المُطالبة بأحقية اليهود في الوصول إلى المسجد، ومن خلال الاقتحامات المتكررة للمسجد من قِبل ممثلين عن الحكومة وحزب الليكود، والتي كان أبرزها اقتحام عضو برلمان الاحتلال عن حزب الليكود داني دانون للمسجد الأقصى في 21/7/2010، وكذلك اقتحام القيادي البارز في الليكود موشيه فيجلين في 1/7/2010 وتصريحه بعد خروجه قائلاً: "لا يُمكن السماح باستمرار الوضع القائم اليوم...المسلمون مسموحٌ لهم بالدخول بالآلاف أمّا المتديّنون اليهود فلا يدخلون إلا بمجموعاتٍ صغيرة...إنّ الوقف [دائرة الأوقاف الإسلاميّة التي تُدير المسجد الأقصى] لا يملك هذا المكان [المسجد الأقصى]، وإنّما هو ملكٌ لشعب إسرائيل" وقد توالت مثل هذه التصريحات والاقتحامات على مدار العام.

على المستوى التفاوضي، تمكّنت حكومة الاحتلال بفضل الدعم السياسي الأمريكي وتهاوي السقف السياسي الرسمي الفلسطيني والعربي، من إطلاق مفاوضاتٍ غير مباشرة بدءاً من 3/3/2010 في ظل اعتداءاتٍ متواصلة غير مسبوقة على المسجد الأقصى وفي ظل أوضاعٍ مشتعلة في عموم القدس، فعزّزت بذلك موقفها المؤكد على أن القدس خارج التفاوض، وعلى أن تغيير الأوضاع القائمة في القدس والمسجد الأقصى هي "شأن داخلي" لا يخضع لأية عملية تفاوض أو لأي تدخلٍ خارجي. وهي اليوم تسعى لتعزيز هذا المكسب من خلال رفض ما تسميه قيادة السلطة الفلسطينية "مرجعية واضحة للتفاوض"، وتصرّ على فكرة التفاوض "دون شروطٍ مسبقة"، بمعنى أنها ليست ملتزمة بجدول أعمالٍ مسبق يلزمها بمناقشة أية قضية بعينها، وبالذات مصير القدس أو المسجد الأقصى، وهذا أمرٌ يبدو أنه في طريقه للتحقق.

من جهةٍ أخرى، حافظت سلطات الاحتلال على مكاسب سياسية وميدانية تحققت لها خلال الأعوام السابقة، وكان استمرار تحييد المقاومة في الضفة الغربية وغزة عن الرد المباشر على ما يجري في الأقصى المكسب الأهم، وخطت باتجاه إنجازاتٍ جديدة تمهّد الطريق أمامها لتغيير الوضع القائم في المسجد، فاستهدفت الشيخ رائد صلاح وتمكنت من سجنه بحكمٍ قضائي في 25/7/2010، وكرّست عزل القيادات الشعبية المقدسية عن المسجد الأقصى من خلال قرارات المنع المتتالية من دخول المسجد.

أما على المستوى الخارجي سهلت حكومة الاحتلال فتح قناة اتصال بين الجمعيات اليهودية المتطرفة والإدارة الأمريكية لتسويق وجهة نظرها حول حق اليهود في المسجد الأقصى من خلال اجتماع أحد كبار مسؤولي البيت الأبيض مع ممثلين عن الجمعيات المنظمة لـ"يوم التوعية بالمعبد" في 14/3/2010، كما تم تجميد النقاش حول مبادرة إدارة أوباما الداعية لجعل البلدة القديمة مفتوحة أمام أتباع الديانات الثلاثة، وهي مبادرة شهدت حراكاً بين مختلف الأطراف المعنية خلال العام السابق.

‌ب.    الموقف الدينيّ: 

حتى عام 1967م تاريخ سيطرة الاحتلال على المسجد الأقصى، كان هناك إجماعٌ بين الحاخامات اليهود على منع دخول المسجد الأقصى -"جبل المعبد" كما يسمونه- لكنّ هذا الإجماع بدأ بالتفكك بعد حرب عام 1967م، حينما رأى بعض حاخامات اليهود أنّ الانتصار الذي تحقّق هو إشارةٌ ربّانيّةٌ لليهود للبدء ببناء "المعبد الثالث". مع مطلع التسعينيات بدأت جبهة الحاخامات الداعين لدخول اليهود إلى المسجد تتوسع، وكان اقتحام شارون للأقصى عام 2000 نقطة التحول الأساسية، إذ بدأ بعدها الكثير من الحاخامات بالانضمام لجبهة المؤيدين، حتى بدأت هذه الجبهة تشكل أغلبية الحاخامات الذين يرجع إليهم يهود الدولة بحلول عام 2007.

التطور الأبرز خلال الفترة التي رصدها التقرير كان التبدل في موقف بعض حاخامات "الحريديم" -أو اليهود غير الصهاينة- الذين  كانوا يشكلون التكتل الأساس في معارضة دخول اليهود لـ"جبل المعبد"، فمنذ شهر تشرين الثاني/نوفمير 2009 بدأت مجموعات من الحريديم باقتحام المسجد دورياً على شكل جماعات مؤلفة من 5 إلى 30 شخصاً، وكان تساهل شرطة الاحتلال معها واضحاً كأنما لتشجيع أبناء هذا التيار على توجههم الجديد. أحد النماذج الجلية كان في 25/5/2010، إذ سمحت شرطة الاحتلال ولأول مرة لأحد حاخامات الحريديم بأداء طقوس صلاة يهودية كاملة والسجود سجوداً تاماً تجاه قبة الصخرة خلال النهار دون أن تتدخل لمنعه أو تسمح لحراس المسجد الأقصى بطرده خارج المكان، على الرغم من أن أداء هذه الطقوس يُخالف قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي يسمح لليهود بدخول المسجد الأقصى شرط أن لا يؤدّوا أي طقس ظاهر للصلاة هناك في فترة صلاة المسلمين.

كذلك شهد العام الماضي أكبر اقتحام لمجموعة حاخامات للمسجد الأقصى منذ احتلاله عام 1967، إذ اقتحمت مجموعةٌ من 40 حاخامًا المسجد في 10 أيّار/مايو 2010، وذلك عشيّة احتفال دولة الاحتلال بيوم استيلائها على كامل القدس. أما الجمعيات الناشطة في مجال الدعوة لبناء المعبد الثالث وتجهيز أدواته وبناه التحتية، فقد تكثفت أعمالها وأنشطتها خلال العام فاستحدثت "يوماً للتوعية بالمعبد" وحدّدته في 16 من آذار/مارس من كل عام، تُنظّم خلاله نشاطاتٌ للضغط على حكومة الاحتلال "للسماح لغير المسلمين في الصلاة في جبل المعبد". وقد شهدت الفترة التي يغطيها التقرير تنظيم نشاطات للاحتفال بجميع الأعياد والمناسبات اليهوديّة داخل المسجد الأقصى، إذ لم تفوّت هذه الجمعيّات عيدًا وطنيًّا أو دينيًّا أو حتى ذكرى دون الدعوة إلى اقتحام المسجد، بما فيها ذكرى زيارة الحاخام موسى بن ميمون للقدس، والتي هي زيارة مختَلَف على حصولها أساساً من الناحية التاريخية.

‌ج.    الموقف القانونيّ:

بعد التطورات المتتالية بدءاً من عام 1993 بحكم محكمة الاحتلال العليا باعتبار "جبل المعبد أقدس بقعة لليهود" مقتبسةً نصاً من التوراة يؤكد أنه "قلب دولة إسرائيل وجزء لا يتجزأ من أراضيها"، وقرارها عام 2003 بالسماح لليهود بالدخول للمسجد، ومن ثم منحهم حق الصلاة في غير أوقات صلاة المسلمين عام 2005، شهد العام الماضي تطورين مهمّين على المستوى القانوني، إذ أصدرت محكمة الصلح في القدس حكمًا في 4 تشرين الأوّل/أكتوبر 2009 خلال محاكمة أحد المصلين المسلمين المعتقلين على خلفيّة المواجهات التي وقعت في المسجد الأقصى في اليوم ذاته جاء فيه: "يمكن إصدار أمر لاعتقال الشخص المذكور، من أجل المحافظة على القيم الأساسية، ومنها الحق بأداء الصلوات بإذن الشرطة ووجوب توفير الحماية لهم". هذا النص الصادر عن المحكمة يمثل بالنسبة للشرطة كجهازٍ تنفيذي تحولاً تاماً في مهامها، فبعد أن كانت مكلفة بحماية المسجد من اعتداءات المستوطنين، أصبحت مكلفة قانوناً بتأمين الحماية للمستوطنين خلال اقتحامهم للمسجد.

أما التطور الثاني فتمثّل في التماس جمعية "أمناء المعبد" إلى المحكمة العليا في دولة الاحتلال للسماح لليهود بتقديم القرابين في عيد الفصح اليهوديّ في ساحات المسجد الأقصى، إذ ردّت المحكمة الالتماس بناءً على طلب مدعي عام الدولة بأنّ "تقديم القرابين اليهوديّة في المسجد الأقصى سيكون له تأثير سلبيّ على الأمن والاستقرار في المنطقة خصوصًا في الوقت الحاليّ"، وبالتالي فإن المحكمة لم ترفض الأمر بل لجأت إلى ردّه بسبب عدم قدرة الحكومة حالياً على احتواء الاحتجاجات والمواجهات التي قد تنجم عن تنفيذه.

 

ثانيًا: الحفريّات والبناء أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه:

‌أ.        الحفريّات:

تظهر معظم المؤشرات التي سُجلّت خلال الفترة التي يُغطيها التقرير أنّ الحفريّات وبناء المدينة اليهوديّة المقدسة كانت على رأس سُلّم أولويّات الاحتلال في مدينة القدس، وأنّه أصبح يتعاطى معها دون حساسيّة أو خوفٍ من ردّات الفعل الفلسطينيّة أو العربيّة والإسلاميّة، فقد تزايدت سرعة الحفريات بمقدار الضعف تقريباً وافتتح الاحتلال خلال العام الماضي 9 مواقع جديدة للحفريّات بزيادة 80% عن العام الذي سبقه، كما توسعت رقعة الحفريّات المتصلة بالمسجد ومحيطه لتصل إلى أقصى غرب البلدة القديمة، وتضاعف عدد الحفريّات الموجودة أسفل المسجد بمقدار الضعفين لتُصبح 3 مواقع.

وكان من الملفت أيضًا تسخير الاحتلال كافّة أذرعه العاملة في القدس لضمان سير أعمال الحفريّات، فبلديّة الاحتلال تدرج أعمال التهويد في المنطقة ضمن مخططاتها الرسمية، فتتكفل بموجبها بإخلاء المناطق المستهدفة وتوفير غطاءٍ قانونيّ لأعمال المؤسسات الاستيطانية فيها، كما كان الحال في حي وادي  الحلوة جنوب المسجد الأقصى المبارك والذي يُقيم فيه الاحتلال "مدينة داوود"، حيث طرحت بلديّة الاحتلال مشروع مخطط تنظيمي للحيّ يهدف إلى مصادرة 70% من أراضيه وتخصيص جزءٍ كبيرٍ منها لبناء مقابر ومزاراتٍ يهوديّة.

أمّا شرطة الاحتلال فقد كانت تكفل دومًا الحفاظ على أمن المستوطنين وطواقم الحفريّات مهما كان حجم الاستفزاز أو التعدي الصادر عنهم، وأبدت دولة الاحتلال استعدادًا عاليًا للخوض في مواجهاتٍ عنيفة مع السكان المقدسيين في سبيل الحفاظ على سير أعمال الحفريّات، بعد أن كانت تتجنب مثل هذه المواجهات في السابق، وقد شهدت ضاحية سلوان جنوب المسجد الأقصى أعنف هذه المواجهات خصوصًا في شهري آذار/مارس وأيّار/مايو 2010، وإثر كلّ اشتباك كانت شرطة الاحتلال تعتقل عشرات المقدسيّين من أهالي المنطقة بما في ذلك عدد كبير من الأطفال.    

وقد شهدت الفترة التي يُغطيها التقرير بدء العمل في 9 مواقع جديدة للحفريّات، 4 منها جنوب المسجد و4 إلى الغرب منه، وموقع واحد في الشمال، ليُصبح بذلك عدد مواقع الحفريّات حول المسجد 34 موقعًا، 21 منها نشطة، و13 مكتملة. أما من الناحية الجغرافية فتقع 15 حفرية منها جنوب المسجد، و17 حفرية غربه و 2 شماله.

  1. حفريّات الجهة الجنوبيّة:

تهدف الحفريّات في جنوب المسجد الأقصى إلى إيجاد ما يُسمّى بـ"مدينة داود"، وهي مدينةُ تمتدّ بحسب الادعاءات الصهيونيّة من مجمّع عين سلوان جنوباً وحتى أسوار المسجد الأقصى شمالاً، والجهة الرئيسة المسؤولة عن الحفريّات في جنوب المسجد هي جمعيّة "العاد" (نحو مدينة داود)، وقد شهدت الفترة التي يُغطّيها التقرير بدء العمل في 4 مواقع جديدة للحفريّات جنوب المسجد الأقصى، فيما استمرّ العمل في 7 مواقع أخرى، ليُصبح بذلك عدد مواقع الحفريّات جنوب المسجد 15 موقعًا، 11 منها نشطة و4 مكتملة.

  1. حفريّات الجهة الغربيّة:

تُعدّ الجهة الغربيّة للمسجد الأقصى العصب الرئيس للمدينة اليهوديّة التي يبنيها الاحتلال تحت المسجد، ففيها تقع معظم المزارات، ومنها يمرّ الطريق الذي يصل بين جنوب هذه المدينة في سلوان وشمالها عند درب الآلام، وفيها أيضاً تقع معظم مداخل هذه المدينة، وتُعدّ جمعيّة "الحفاظ على تراث الحائط الغربيّ" المسؤول الرئيس عن الحفريّات في هذه الجهة، وكان مشروع تفريغ ما تحت ساحة البراق من الأتربة وأعمال الإنشاءات وتدعيم الساحة تمهيداً لافتتاحه أمام الزوار أحد أهم التطورات في هذه الجهة من الحفريات. وخلال الفترة التي يُغطّيها التقرير بدأ العمل في 4 مواقعٍ جديدة غرب المسجد، ليُصبح بذلك مجموع مواقع الحفريّات 17 موقعاً، 8 منها نشطة و9 مكتملة.

  1. حفريّات الجهة الشماليّة:

تمتدّ حفريّات الجهة الشماليّة عرضيًّا على طول أسوار المسجد تقريبًا فهي تبدأ من باب حطّة إلى الشرق وصولاً إلى الزاوية الشماليّة الغربيّة للمسجد، وتهدف حفريّات الاحتلال في هذه المنطقة لوصل المدينة اليهودّية بدرب الآلام، وذلك لتوحيد الجولات السياحيّة بين المزارات المسيحيّة والمدينة اليهوديّة لتظهر كجزءٍ لا يتجزّأ من مدينة القدس، لتكريس فكرة التراث المسيحيّ– اليهوديّ المشترك للمدينة. وخلال الفترة التي يُغطّيها التقرير بدأ العمل في موقعٍ جديد شمال المسجد، ليُصبح بذلك مجموع المواقع موقعين للحفريات كلاهما نشطان.

ب‌.    البناء ومصادرة الأراضي في محيط المسجد:

تهدف دولة الاحتلال من خلال البناء ومصادرة الأراضي في المسجد الأقصى ومحيطه إلى إضفاء الطابع اليهوديّ على محيط الأقصى، وتعزيز الوجود اليهوديّ في المسجد من خلال اتخاذ هذه الأبنية كمراكز انطلاق لاستهداف المسجد الأقصى مثل استعمالها كمراكز للتجمّع لاقتحام المسجد، أو استخدامها للتغطية على أعمال الحفريّات، أو لتعزيز الوجود الأمنيّ في المسجد.

وخلال الفترة التي يُغطيها التقرير شهد بناء المعالم اليهوديّة في محيط المسجد نقلةً نوعيّة مع افتتاح الاحتلال لكنيس الخراب غرب المسجد الأقصى، الذي بني ليُمثّل الرمز اليهوديّ للبلدة القديمة بموازاة المسجد الأقصى وكنيسة القيامة رمزي الإسلام والمسيحيّة. وقُبيل افتتاح الكنيس روّج صحفيّ من جريدة هآرتس العبريّة خبرًا عن نبوءة قديمة تتوقع البدء ببناء "المعبد الثالث" بعد أسبوع من بناء كنيس الخراب، وقد تسببت هذه المقالة بضجّة إعلاميّة واسعة أدّت إلى مضاعفة التحرّك المضاد لافتاح الكنيس في العالمين العربيّ والإسلاميّ، على الرغم من أنّ الجماعات اليهوديّة العاملة لبناء "المعبد الثالث" أعلنت تنصلها منها بل وكذبتها من أساسها، في محاولةٍ لامتصاص الغضب الشعبيّ وتجنّب خيبة الأمل لدى الجمهور الصهيونيّ المتطرّف. لكن على كلّ  الأحوال فقد وُوجه افتتاح كنيس الخراب بردود فعلٍ عربيّة وإسلاميّة مقبولة لكنها جاءت متأخرة، ولم تستطع بطبيعة الحال وقف افتتاحه، لكنها خفضت من مستوى الاهتمام والتمثيل الرسمي الذي كان مخططاً لحفل الافتتاح، واضطرت شرطة الاحتلال لتأجيل مسيراتٍ لمتطرفين يهود كانت مقررةً في اليوم التالي له.

وخلال الفترة التي يُغطيها التقرير صادق الاحتلال على بناء كنيسين جديدين أكثر قربًا إلى المسجد الأقصى من كنيس الخراب، أوّلهما هو كنيس مصلى المتحف الإسلامي الذي يقع داخل ساحات المسجد الأقصى وقد صادقت اللجنة المحلية للتنظيم والبناء في مدينة القدس المحتلة على بنائه في شهر كانون الأوّل/ديسمبر 2009 ليكون بذلك ثاني الكنس المقامة في ساحات المسجد الأقصى بعد كنيس مصلى المدرسة التنكزيّة.

أمّا ثاني الكنس التي أقرّ الاحتلال بناءها في محيط المسجد الأقصى فهو كنيس "فخر إسرائيل" الذي كُشف عن مخطط بنائه في شهر نيسان/ أبريل 2010، وهو يبعد عن المسجد الأقصى بأقل من 200 متر، ويُظهر مخطط بنائه الأوّلي أن مساحته تبلغ نحو 300 متر مربع على ارتفاع 27 متراً، وهو يشمل أربعة طوابق وستة أقسام: طابق سفلي، طابق بركة الصلاة، طابق أرضي للسكن، طابقين لصلاة الرجال والنساء، سطح المبنى وقبة الكنيس، وسيكون هذا الكنيس إن بني فعلاً أعلى المباني في البلدة القديمة كاملةً.

إضافةً للكنس فقد افتتح الاحتلال خلال الفترة التي يُغطيها التقرير متحف "المعبد الثالث" في الطرف الغربيّ الجنوبيّ لساحة البراق، ويهدف هذا المتحف للترويج للرواية اليهوديّة لتاريخ القدس، ونشر فكرة بناء "المعبد الثالث" بين الجمهور اليهوديّ والغربيّ، ويتألّف هذ المتحف من 4 طوابق ويضمّ قاعات للمحاضرات وكنيسًا وقاعاتٍ للاحتفالات، وعلى سطحه وُضع أكبر مجسم للـ"معبد الثالث" في العالم، ويقع قبالة باب المغاربة مباشرةً.

كلّ هذه الأبنية والرموز اليهوديّة التي أُقرّ بناؤها أو افتتحت خلال الفترة التي يُغطيها التقرير، تؤشر بطبيعة الحال إلى سعي الاحتلال الجاد والمحموم لتهويد البلدة القديمة ورموزها، لكنها في الوقت ذاته تؤشر إلى ثقته بقدرته على تنفيذ مخططاته مهما بلغت ضخامتها غير آبهٍ بأي ردّ فعل عليها قد يتمكن من الضغط عليه لوقفها، وتؤشر بالتالي إلى أن هذه المخططات ستصبح أكثر ضخامةً في المستقبل وأكثر قربًا من المسجد الأقصى، وليس من المستبعد إن تابعت الأمور تطوّرها على هذا النحو أن يبدأ الاحتلال العمل بمشروعات كبرى مثل كنيس "قدس النور" الذي كان مخطط "أورشليم أولاً" قد تحدّث عنه في عام 2008، ويفترض أن يقام فوق المحكمة الإسلامية الملاصقة للسور الغربي للأقصى.  

 

 

ثالثاً: تحقيق الوجود اليهودي داخل الأقصى والتدخّل المباشر في إدارته:

يشكّل اقتحام المسجد كرة الثلج التي تستخدمها الجمعيات والمنظمات اليهودية المتطرفة المنادية بتغيير الواقع القائم في المسجد الأقصى لرفع سقف مطالبها بشكلٍ دائم، من خلال تنظيم الاقتحامات الجماعية التصاعدية بشكلٍ متكرر ودائم، وتتولى الحكومة والنظام القضائي منحها الغطاء السياسي والقانوني اللازم لذلك، فيما تتولى الشرطة الإسرائيلية حماية هؤلاء المتطرفين، وترجمة التحولات التدريجية في الموقف السياسي والقانوني إلى إجراءات عملية تفسح المجال أمام تغيير الواقع القائم في المسجد اليوم ونزع الحصرية الإسلامية عنه، وقد بدت هذه الاستراتيجية التكاملية في أوضح صورها خلال الفترة التي رصدها التقرير.

  1. اقتحامات وتصريحات الشخصيات الرسمية:

سجلت الفترة التي رصدها التقرير 6 اقتحاماتٍ لشخصيات رسمية تراوحت بين:

1-    ثلاثة اقتحامات متتالية نفذها مسؤولون كبار وفنيون في سلطة الآثار الإسرائيلية في الفترة بين 6-8/3/2010، حيث تجولوا خلالها في كل مرافق المسجد وعاينوها بشكلٍ تفصيلي مستخدمين أجهزة مسح تعمل بالليزر.

2-    ثلاثة اقتحامات نفذها نواب في البرلمان من حزبي الليكود والاتحاد الوطني، ففي 10/5/2010 اقتحم ثلاثة نواب من حزب الاتحاد الوطني المسجد الأقصى بمناسبة ذكرى "توحيد القدس"، وفي 1/7/2010 دخل موشيه فيجلين رئيس كتلة الليكود في برلمان الاحتلال بحماية قوات كبيرة من الشرطة، وفي 21/7/2010 التي صادفت "ذكرى خراب المعبد" اقتحم عضو البرلمان عن الليكود داني دانون، وقد أدلى النواب المقتحمون عقب اقتحاماتهم بتصريحات تنادي بتغيير الواقع القائم في المسجد وتقسيمه بين المسلمين واليهود، وقد تناول الفصل الأول من التقرير هذه التصريحات وتطورها بشكلٍ تفصيلي.

  1. اقتحامات وتصريحات المتطرفين اليهود:

بلغ عدد الاقتحامات التي نفذها المتطرفون اليهود والجمعيات الاستيطانية المتطرفة أكثر من 36 اقتحاماً، امتدّ معظمها على مدار ساعات أوعلى مدار اليوم بأكمله، ولا بد أن نشير هنا إلى أن اقتحامات المجموعات الصغيرة للمسجد مستمرة ودائمة بشكلٍ يومي على مدار النهار، ولا يمكن لهذا التقرير رصدها أو تسجيلها، وما نرصده هنا هي الاقتحامات التي أحدثت صخباً وضجة استدعت تغطيتها إعلامياً.

وبعد القراءة المتأنية لمسار هذه الاقتحامات واستقراء أهدافها، فقد شهد العام الماضي تطوراً غير مسبوق في هذه الاقتحامات كماً وحجماً، بل وشهد تطوراً لاستراتيجية الجهات اليهودية المتطرفة الداعية للاقتحام:

1-    بدا أن المنظمات اليهودية المتطرفة تسعى لتكريس "جبل المعبد" كمركزٍ للحياة الدينية اليهودية، فلم تترك عيداً أو ذكرى دينية إلا ودعت لاقتحام المسجد خلالها، من "عيد الغفران" في 27/9/2009 والذي شهد الحصار الأول للمصلين في المسجد، إلى "عيد العُرُش" في 4/10/2009 الذي شهد الحصار الثاني للمصلين في المسجد، و"ذكرى صعود موسى بن ميمون إلى جبل المعبد" في 25/10/2009 مع أن المصادر اليهودية تختلف حول حقيقة حصول هذه الزيارة من الأساس، و"عيد المساخر" في 28/2/2010، و"ذكرى خراب المعبد" في 21/7/2010.

2-    إن هذه الاقتحامات باتت تشهد حضوراً دينياً أكبر، وقد شهد يوم 10/5/2010 اقتحاماً نفذه أكثر من 40 حاخاماً، وقد وقع الحاخامات بعد زيارتهم عريضةً تطالب رئيس وزراء الاحتلال بإدراج "جبل المعبد" على لائحة التراث اليهودي التي سبق أن أعلن أنها تضم مسجد بلال بن رباح في بيت لحم، والمسجد الإبراهيمي في الخليل، وعدداً من المواقع الأخرى التي لم يُعلن عنها.

3-    تسعى المنظمات اليهودية المتطرفة وبالتعاون مع بلدية الاحتلال إلى تكريس بوابات وأسوار المسجد الأقصى الخارجية كساحاتٍ للاحتفال في مختلف المناسبات القومية والدينية، وقد شهدت البوابة الثلاثية جنوب المسجد ومنطقة القصور الأموية عدة احتفالاتٍ صاخبة خلال العام أبرزها في 8/11/2009 و3/12/2009 و26/4/2010، فيما شهد باب السلسلة احتفالاتٍ وطقوساً صاخبة في 16/12/2009 وحاول المتطرفون اليهود نقل الاحتفال إلى داخل ساحات المسجد إلا أن حراسه تمكنوا من منعهم، وشهد باب القطانين احتفالاتٍ مشابهة في 8/1/2010 و16/1/2010.

4-    شهدت الفترة الماضية الكشف عن محاولتين مسلحتين فاشلتين تجاه المسجد، الأولى كانت في 1/11/2009 حين تمكن حراس المسجد والمواطنين المقدسيين من ضبط متطرف يهودي يخبئ سلاحاً ويحاول التسلل للمسجد فيما بدا محاولةً لتكرار مجزرة المسجد الإبراهيمي على صلاة الفجر بنفس الطريقة، وكُشف في 2/1/2010 عن اعترافات لمتطرف يهودي بأنه خطط لقصف مبنى المسجد القبلي بالهاون، علماً أن هذا المتطرف اعترف بتنفيذ جرائم قتل ودهس وحرق بحق عددٍ من الفلسطينيين على مدى الأعوام الثلاثة عشرة الماضية.

  1. اقتحامات وتصريحات الأجهزة الأمنية:

شهدت الفترة التي رصدها التقرير تحولاً كبيراً وغير مسبوق في دور الأجهزة الأمنية للاحتلال، فمهمتها الأمنية تبدّلت من منع المتطرفين اليهود من اقتحام المسجد والاعتداء عليه إلى حمايتهم ومساندتهم في تنفيذ هذه الاعتداءات، ويمكن قراءة دور الأجهزة الأمنية للاحتلال في مسارين:

الأول: توفير الغطاء الأمني للاقتحامات: إذ لم يمرّ اقتحامٌ من اقتحامات المستوطنين التي تزيد عن 36 اقتحاماً دون مواكبة وحماية مكثفة من شرطة الاحتلال، وفي أغلب الأحيان كان دور القوات المقتحمة للمسجد أبرز من دور الجهات الداعية للاقتحام، وبدى أن القوة المعروفة بـ "قوة جبل المعبد" باتت تبني تجربتها التراكمية الخاصة في السيطرة على الأقصى بكامل ساحاته، ففي اقتحام 3/10/2009 حاصرت قوات الاحتلال المسجد بساحاته من الخارج لمدة ثمانية أيام، وفي اقتحام 25/10/2009 دخلت الساحات وأغلقت أبواب المسجد القبلي على المصلين فيه وسيطرت على الساحات وعلى غرفة التحكم بالصوتيات وقطعت أسلاك السماعات لمنع تواصل المسجد مع محيطه، وأحرقت مولد الكهرباء، وفي اقتحام 28/2/2010 دخلت الساحات وسيطرت عليها بالكامل وأغلقت المسجد القبلي على المصلين وسمحت للمستوطنين اليهود بالتجول فيها بحرية وأداء الطقوس فيها، وفي 5/3/2010 تعمدت هذه القوات اقتحام المسجد عقب صلاة جمعة لتختبر قدرتها على السيطرة على الساحات بوجود عددٍ كبيرٍ من المصلين موقعةً أكثر من 60 إصابة في صفوف المصلين وطواقم الإسعاف. وهي قد تُقدم في أقرب فرصة على اقتحام المسجد لتختبر قدرتها إدخال المستوطنين وحمايتهم في يوم جمعة، واستنتاجنا هذا تعزّز بالكشف عن المناورات التي نفذتها هذه القوة في 21/7/2010 في سهول شمال فلسطين على مجسمات وهمية للمسجد أثناء وقوع مواجهاتٍ في ساحاته.

 

الثاني: تنفيذ اقتحامات لأغراضها الخاصة، وزاد عدد هذه الاقتحامات عن 15 اقتحاماً، وقد اتخذت هذه الجولات الأشكال الآتية:

1-     جولات تفقدية لجمع المعلومات: إذ كان عناصر من مخابرات الاحتلال يعاينون بعض أجزاء المسجد بشكل تفصيلي، ويعاينون بنيته التحتية كما حصل في 3 اقتحامات نفذوها في شهر 11/2009 عقب حصار المصلين في المسجد لمدة 8 أيام.

2-     اقتحام لمقار مؤسسات داخل المسجد، مثل اقتحام مقر لجنة الزكاة في 14/2/2010.

3-     اعتداءات ذات طابع استفزازي يتعمد تدنيس المقدّس الإسلامي، كاعتلاء سطح المسجد القبلي خلال أوقات الصلاة في 8/6/2010، وما كشف عنه أحد حراس المسجد في 13/2/2010 من أن الجنود المناوبين فيه يتعمدون التبول في مختلف أنحاء المسجد وبالذات في باب الرحمة وباب الغوانمة وباب المغاربة، مؤكداً أنهم يجدون بشكلٍ يومي آثاراً للتبول في أنحاء متعددة من المسجد.

إن قراءة سلوك جهازي الشرطة والاستخبارات كأجهزة تنفيذية هي أحد أهم المؤشرات التي تنبئنا بمستوى القرار السياسي المتخذ بخصوص مصير المسجد ومستوى التقدم في تطبيقه، والإجراءات أعلاه وبالذات المرافقة منها لاقتحامات المتطرفين اليهود تؤكد ما كان التقرير قد توصل إليه خلال العام الماضي، بأن القرار السياسي بتقسيم المسجد متخذ، وبأن حكومة الاحتلال تُمهّد الميدان وتستكمل الإجراءات الأمنية والقانونية لتطبيق قرارها بتقسيم المسجد، ومسألة الإقدام على هذه الخطوة باتت تتعلق بتوفر الظروف والاطمئنان إلى القدرة الكاملة على التطبيق، وليس بالمهلة الزمنية.

 

 

رابعاً: ردود الفعل على التطورات الجارية في المسجد الأقصى:

المتابعة المتأنية لردود الفعل الصادرة عن المقاومة الفلسطينية وعن السلطة الفلسطينية وعن الدول العربية والإسلامية خلال العام الماضي تظهر أنها لم تعدُ كونها ردود فعلٍ وصفيّة لا تحمل حلاّ أو رؤيةً سياسيّة، فهي جميعًا تُحذّر مما يجري في المسجد الأقصى ومن خطورته وتُحاول استقراء آثاره، ومن ثم تطالب الآخرين باتخاذ مواقف سياسيّة والقيام بردود الفعل المناسبة للرد عليه، فالمقاومة الفلسطينيّة والسلطة الفلسطينيّة اشتركتا في تحميل الدول العربيّة والإسلاميّة مسؤوليّة ما يجري دون أن يُقدّم أي منهما موقفًا سياسيّاً أو رؤيةً واضحةً للتحرّك لحماية المسجد الأقصى، أمّا الدول العربيّة والإسلاميّة فقد حملت المسؤوليّة للمجتمع الدوليّ والفلسطينيّين مطالبة الأوّل بالتحرّك لحماية المسجد الأقصى للحفاظ على فرص السلام في المنطقة، ومطالبة  الفلسطينيّين بإنهاء حالة الانقسام لتتمكن بدورها من نصرتهم ومساندتهم.  

أ‌.         المقاومة الفلسطينية:

منذ ثورة موسم النبي موسى عام 1920، وثورة البراق عام 1929، مروراً بمجزرة الأقصى عام 1990 وتداعياتها، وهبة الأقصى عام 1996 وصولاً إلى انتفاضة الأقصى عام 2000، تمكنت المقاومة الفلسطينية من تكريس معادلة ردعٍ مع المحتل، إذ أن كلّ اعتداء أو تطاولٍ على المسجد الأقصى كان ينعكس مباشرةً على الأرض إمّا من خلال المواجهات الشعبيّة أو من خلال العمل العسكريّ. معادلة الردع هذه كانت الحامي شبه الوحيد للمسجد من التهويد طوال 44 عاماً، غير أنها بدأت بالتراجع منذ العام 2005، إذ بدأ الاحتلال يلمس ميدانياً بأنه لا يدفع ثمناً مقابل تقدُّمه في خطوات تهويد الأقصى. واليوم، وبعد خمس سنوات على هذه المعادلة الجديدة، يشعر قادة الاحتلال بكل وضوح أنهم أمام فرصةٍ تاريخيةٍ سانحةٍ لتهويد المسجد الأقصى، وتمرير كلّ ما يمكن من خطوات لتهويده قبل أن يختل الوضع الحالي المريح لهم، الذي يخلو من أي توازن ردع تجاه الأقصى.

وخلال العام الماضي كرّس الاحتلال فكّ الارتباط بين الاعتداء على المسجد وردّ فعل المقاومة، إذ ازدادت وتيرة اعتداءاته وحصاره للأقصى إلى حدود لم يجرؤ على الاقتراب منها طوال 44 عاماً من احتلال المسجد، فحاصر المسجد لأيام وأطلق النيران على المصلين وأوقع بينهم وبين المسعفين إصابات بالعشرات، وأحرق مولد الكهرباء الخاص بالمسجد ودمر غرفة التحكم بالصوتيات وأوقف بالتالي رفع الأذان في المسجد مدة يومٍ كامل، ومرت كل هذه الاعتداءات دون ردّ، باستثناء الهبة الشعبية التي قامت في آذار/مارس 2010، والتي أعادت إلى ذهن صانع القرار الصهيوني إمكانية دفع ثمنٍ حقيقي مقابل الاعتداء على الأقصى.  لقد تمكن الاحتلال بفضل التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينيّة من تكبيل يد المقاومة وتحجيمها في الضفّة الغربيّة إلى حدٍّ بعيد، وتمكن بعد حرب غزّة من فرض معادلة المواجهة الشاملة أو الهدوء الشامل على المقاومة في قطاع غزة، ودخلت المقاومة الفلسطينية بذلك مرحلةً لم تشهدها منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1917، إذ باتت عاجزةً عن الرد المباشر على اعتداءات المحتل تجاه المسجد الأقصى.

لقد كانت الفجوة بين الخطاب السياسي لقيادة المقاومة والناطقين باسمها وبين أدائها على الأرض لافتةً، فجاءت تصريحات القادة السياسيين في شهر أيلول/سبتمبر 2009 إبان الحصار الأول للمصلين في الأقصى لتدعو عناصر المقاومة إلى الرد على الاعتداءات بكل السبل، إلا أن شيئاً لم يحصل على أرض الواقع، لتبدأ النبرة بعدها بالتبدل، ففي حصار الأقصى في تشرين أول/أكتوبر 2009 خرجت القيادة السياسية للمقاومة لتدعو الجماهير العربية والإسلامية إلى التحرك لنصرة الأقصى. وقد تصاعد الخطاب السياسي للمقاومة في أكثر من مناسبة خلال العام الفائت، أبرزها في آذار/مارس بالتزامن مع افتتاح كنيس الخراب إذا اعتبرت تصريحات القادة السياسيين للمقاومة افتتاح الكنيس "إعلان حرب" و"خطوةً متقدّمة على طريق هدم المسجد الأقصى"، وأنذرت بأنّه يُهدّد بتفجير المنطقة وإشعال انتفاضة ثالثة، إلا أن الواضح أن هذا التصعيد جاء انعكاساً لخطورة الحدث الذي لم يجد أمامه القادة السياسيون للمقاومة مناصاً من التصعيد اللفظي، فلم تترتب عليه أية نتائج ميدانية.

هذه التطورات عززت شعور المحتل بالاطمئنان إلى حدٍّ بعيد، إذ بات يثق بأن المعادلة التي تمكن من تكريسها في الضفة بفضل التنسيق الأمني مع أجهزة السلطة الفلسطينية، وفي غزة بفعل الحرب الأخيرة، تمنحه فرصةً تاريخيةً سانحة لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى اليوم، وفرض مشروع تقسيمه بين المسلمين واليهود.

 

ب‌.     السلطة الفلسطينية:

لن يحتاج المتتبع لسلوك القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير خلال العام الماضي إلى كثير عناء كي يخلص إلى أنّ أوضاع المسجد الأقصى ليست ضمن أولويّات هذه القيادة، فالتنسيق الأمنيّ مع الاحتلال لم ينقطع أبدًا خلال العام، وتطور مسار المفاوضات غير المباشرة لم يكن يتأثر على الإطلاق بالاعتداءات على الأقصى، وقد ظهر ذلك جلياً في أكثر من مناسبة كان أبرزها لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو في نيويورك في 23/9/2009 في الوقت الذي كانت الجماعات اليهودية المتطرفة تحرض على أحد أكبر وأخطر الاقتحامات للمسجد الأقصى بحماية شرطة الاحتلال بعد 4 أيام من هذا التاريخ،  وتجلى كذلك في لجوء رئاسة السلطة إلى لجنة المتابعة العربية لطلب غطاءٍ للمفاوضات غير المباشرة في 3/3/2010  بينما كان المسجد الأقصى يشتعل بالمواجهات في الفترة بين 1/3 و5/3/2010، وجاء تصريح نمر حمّاد مستشار الرئيس الفلسطيني في آذار/مارس 2010 بينما كانت اقتحامات المسجد الأقصى والاعتداءات عليه في أوجها وبالتزامن مع افتتاح كنيس "الخراب" غرب المسجد الأقصى بأن "السلطة الفلسطينية لن تسمح بأن تكون هناك انتفاضة ثالثة". وأخيراً صدر تصريح الرئيس الفلسطيني في 27/7/2010، في اليوم التالي لبدء تنفيذ حكم السجن بحق الشيخ رائد صلاح باستعداده للانتقال للمفاوضات المباشرة على أساس "مرجعيات واضحة"، ليؤكد هذه اللامبالاة تجاه ما يجري في الأقصى.

السلوك الأمنيّ للسلطة الفلسطينيّة لعب دورًا سلبيّاً مفصليًّا في منع الاحتجاجات والمظاهرات، إلى حدٍّ دفع مسؤول ملف القدس في حركة فتح حاتم عبد القادر للتصريح بهذا الواقع لوسائل الإعلام في 16/3/2010. وقد كانت هذه المرّة الأولى منذ احتلال فلسطين التي يتعرّض فيها المسجد الأقصى لهذا الكمّ من الاعتداءات دون أن يكون هناك أيّ ردّ فعلٍ مؤثّر، أو حتى احتجاجٍ واسع النطاق في الضفّة الغربيّة المحتلّة، وقد سهّل ذلك بالتأكيد مهمّة الاحتلال في احتواء ردود الفعل وشجّعه بالتالي على التمادي في استهدافه للمسجد مطمئنًّا إلى الهدوء الذي تؤمنه له السلطة.

وإذا ما استمرّت السلطة الفلسطينيّة في سياستها الحاليّة بتجاهل الوقائع التي يفرضها الاحتلال على الأرض في المسجد الأقصى، وفي ضمان وقف المقاومة في الضفّة الغربيّة بل وحتى وقف التحركات الشعبيّة المناصرة للمسجد، فإنّها بذلك تلعب دورًا في تهيئة الأرضيّة لتقسيم المسجد الأقصى وكسر حصريّته الإسلاميّة، سواء قصدت ذلك أم لم تقصد.

ج‌.    الدول العربية والإسلامية:

خلال الفترة التي رصدها التقرير، كانت ردود الفعل العربيّة والإسلاميّة الرسميّة والشعبيّة على ما يتعرّض له المسجد الأقصى متفاوتة، وكان من الواضح أنها تعتمد على ردة الفعل الميدانية الفلسطينية وتتناسب معها، فقد اقتصرت المواقف العربية والإسلامية على الإدانات الخجولة والتحركات الشعبية الضيقة حتى جاء حصار الأقصى في تشرين الأول/أكتوبر 2009 والهبة الشعبية التي رافقته في القدس، إذ سجلت ردود الفعل هذه تصاعداً على المستويين الرسمي والشعبي، كان أبرزها على المستوى الرسمي تحذير العاهل الأردني عبد الله الثاني لدولة الاحتلال من الاستمرار في اعتداءاتها على المسجد قائلاً أن هذه الاعتداءات "لا تهدد فقط بهز العلاقات الأردنية الإســرائيلية وخلخلتها، ولكن بتفجير شرارات اشتعال في كل أنحاء العالم الإسلامي"، أما أبرزها على المستوى الشعبي فكانت دعوة الشيخ يوسف القرضاوي لجعل يوم الجمعة 9/10/2009 يوم غضب ونصرة للأقصى، وكذلك حصار قنصليّة دولة الاحتلال في مدينة اسطنبول التركيّة للاحتجاج على محاولات اقتحام المسجد الأقصى.

ردود الفعل هذه عادت لتخبو قبل أن تتصاعد من جديد في شهر آذار/مارس 2010 بالتزامن مع المواجهات العارمة التي شهدتها القدس احتجاجاً على افتتاح كنيس الخراب، وشهدت عواصم عربية وإسلامية عدة مسيرات حاشدة للتضامن مع المسجد الأقصى، وجاء ردّ الفعل الإسلامي الرسمي بنبرةٍ أعلى، فحذر الرئيس التركي عبد الله غول الاحتلال من المساس بالمسجد الأقصى، واصفًا ذلك بأنه "لعب بالنار"، معرباً في الوقت ذاته عن قلقه البالغ إزاء مواصلة الاحتلال ممارساته العدوانية، وانتهاك المقدسات الإسلامية. المستثنى الوحيد كان رد الفعل الرسمي العربي، إذ منحت لجنة المتابعة العربية للرئيس عباس في 3/3/2010 موافقتها على الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع الاحتلال، رغم الأوضاع المشتعلة في المسجد الأقصى ومدينتي القدس والخليل.

على مدى الشهور اللاحقة عاد الاهتمام الرسمي والشعبي بالمسجد الأقصى ليخبو، فمرّت  الاقتحامات الأخيرة التي شهدها المسجد الأقصى في نهاية شهر تمّوز/يوليو 2010 دون أيّ ردّ فعلّ يذكر، وحتى الإدانات المعهودة غابت تمامًا عن وسائل الإعلام. عمومًا وعلى مدار العام الماضي، كانت ردود الفعل العربيّة والإسلاميّة الرسميّة والشعبيّة على ما يتعرّض له المسجد الأقصى دون الحدّ الأدنى المطلوب، رغم أنها تمثل أهم وسائل الدفاع التي يعوّل عليها لحماية المسجد الأقصى في غياب ردّ الفعل الفلسطينيّ المقاوم، وإذا ما بقي التحرّك العربيّ والإسلاميّ معتمداً على ردود الفعل الفلسطينيّة كماً ونوعاً كما هو اليوم، فإنّ ذلك يعني توفير مساحةٍ أكبر للاحتلال للاعتداء على المسجد الأقصى، وتأكيد الفرصة التاريخية السانحة أمامه لتقسيم المسجد، فطالما بقي مطمئنّا لقدرته على وقف المقاومة واحتواء التحرك الشعبيّ الفلسطينيّ، فإنّه سيطمئنّ أيضًا لعدم وجود تحرّكٍ عربيّ وإسلاميّ فاعل للضغط عليه على الساحة الدوليّة.

 خامساً: التوصيات:

إن هذا التقرير هو الرابع من سلسة رصدت الاعتداءات على المسجد الأقصى بشكلٍ منهجي منذ أكثر من 5 سنوات وتحديداً منذ 1/1/2005، وهو يبني على القراءة التراكمية لإجمالي التطورات خلال هذه الفترة، ويخلص إلى تحديد المعضلة الرئيسة في حماية المسجد من التهويد، ألا وهي غياب معادلة الردع، التي لطالما كانت الحامي الأول للمسجد من مخططات التهويد، إلى جانب صمود المقدسيين ورباط أهلنا في الأراضي المحتلة عام 1948. وإن هذا التقرير إذ يشخص هذا الواقع، يضع توصياته لتشكل خارطة طريقٍ لإعادة بناء معادلة ردعٍ من هذا النوع، على مختلف الصُّعُد، وإعادة تكريس حسابات الربح والخسارة في عقل صانع القرار الصهيوني عندما يفكّر في الاعتداء على المسجد أو اتخاذ خطوات لتغيير الوضع القائم فيه. إن تكريس مثل هذه المعادلة من شأنه أن يؤخر التحركات الصهيونية تجاه المسجد كما كان يؤخرها ويمنعها من التحقق على مدى 44 عاماً خلت، وقد يؤدي إلى تفويت فرصة فرض التقسيم إلى غير رجعة، في ظل التخلخل الحتمي والمطّرد في ميزان القوة والديمغرافيا في فلسطين.

‌أ-       توصيات للمقاومة الفلسطينية: 

إن التجربة الحالية التي تؤكد ضعف ردود الفعل الشعبية والرسمية العربية والإسلامية، واعتم