خبر : حدائق توراتية في قِبلة المسجد الأقصى

الأحد 22 مايو 2011 09:16 ص بتوقيت القدس المحتلة

 

أحمد محمد ياسين*

tawratiaqsa1

لوحة تهويدية داخل القصور الأموية

اهتم خلفاء الدولة الأموية بالمسجد الأقصى والقدس اهتماما منقطع النظير فقد كان للخليفة العادل عبد الملك بن مروان الأثر الكبير داخل المسجد الأقصى، وظل أثره هذا ظاهرا إلى اليوم في قلب المسجد بتلك القبة العظيمة التي تعد رمزا للمسجد الأقصى، وأجمل بناء على وجه الأرض، وعلى نهج والده سار الوليد بن عبد الملك، فقد أتم بناء التسوية الشرقية وافتتح فيها من الجنوب بوابتين رئيستين تفضيان إلى المسجد الأقصى وأتم كذلك بناء المصلى القبلي بعد انتهاء التسوية الشرقية. فكان اكبر ازدهار عمراني لمدينة القدس والمسجد الأقصى في عهد الدولة الأموية، واهتماما من الأمويين بالمسجد الأقصى فقد آثروا أن تكون قصورهم في قبلة المسجد الأقصى، فقد أقام خلفاء الدولة الأموية منذ عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد ابن عبد الملك وهشام قصورهم جنوب الأقصى لا تبعد عن جداره الجنوبي سوى أربعة أمتار فقط،، وقد بلغ تعدادها ستة قصور أو خمسة باختلاف آراء الباحثين، وقد تكونت هذه القصور من سور يحيط بالمبنى وصحن داخلي تشرف عليه أروقة تعقبها غرف في طبقتين، وكان السور الخارجي للقصر على شكل تحصين بسيط وقليل الزخارف و كان لبعضها أقواس وجسور تقود إلى الساحات العلوية للمسجد مثل القصر الجنوبي الغربي، وقد اختصت القصور الثلاثة الملاصقة للجدار الجنوبي ببوابات واسعة تقود إلى التسوية الشرقية في المسجد عن طريق بوابات وممرات مزدوجة، وظلت هذه القصور معلما بارزا وهاما في بيت المقدس ترتبط ارتباطا وثيقا بالمسجد الأقصى، حتى أهملت بعد الدولة الأموية وبدأت تختفي معالمها بعد تهدمها ولم يبق منها سوى بعض حجارتها وبواباتها التي ظلت مفتوحة ومستخدمة حتى جاء صلاح الدين إلى بيت المقدس، فأمر بإغلاقها كوسيلة حماية للمسجد الأقصى والمدينة المسورة من الغزو الصليبي الذي تهدد المنطقة في تلك الفترة، وأقام فيها الخانقاةالختنية كدار للتصوف والعبادة، وظلت المنطقة الجنوبية للأقصى على هذا الحال لا يظهر منها سوى آثار تلك البوابات المغلقة، إلى أن جاء الاحتلال الأثري الصهيوني إلى بيت المقدس يسبق احتلال القدس بمئة عام، فاتخذ من منطقة جنوب المسجد الأقصى والقصور الأموية ركيزة هامة جدا في بناء مدينة داود، وذلك تحضيرا لبناء المعبد المزعوم فادعى الصهاينة أن المنطقة المذكورة جنوب الأقصى كانت عبارة عن قصر سليمان جنوب الهيكل!!.  

 

tawratiaqsa2

القصور الأموية قبل البدء بالحفريات الصهيونية

فقد بدأت الحفريات الأثرية في هذه المنطقة منذ عام 1968 حين حفر وارن مجموعة من الحفريات عند الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى، وأجرى كذلك عدة حفريات عند منطقة البوابة الثلاثية التي تطل على المصلى المرواني داخل الأقصى، وقال وارن : أن حجارة هذه البوابة لا تشبه أبدا حجارة حائط البراق السفلية، بل قال أنها تعود إلى القرن السادس والسابع ميلادي أي إلى الفترة الإسلامية الأموية، ( وهذا ما يثبت النظرية القائلة بأن هذه البوابات هي البوابات الأموية نفسها وليس غيرها ) وقد زعم وارن أن حجارة البراق السفلية من آثار المعبد المزعوم ، ونفى أن تكون حجارة الجدار الجنوبي والبوابة الثلاثية من حجارة المعبد نفيا قاطعا.

 

tawratiaqsa3

حفريات صهيونية في بداية عام 1968م.

فلم تتقبل المخططات الصهيونية ما جاء به وارن والذي لم يعط أي أحقية لليهود بهذه المنطقة، ونفى كذلك أن تكون هذه المنطقة من آثار المعبد الأول أو الثاني في هذه الجهة من المسجد الأقصى، بل تطورت الأفكار الصهيونية مقابل ما جاء به وارن واتجهت نحو خلق الأكاذيب والمزاعم، وذلك عندما بدأ مزار بحملة حفرياته المشؤومة في المنطقة عام 1968م واستمرت ست سنوات، ادعى فيها وارن أن البوابة الثلاثية التي يبلغ عرضها قرابة 15م هي أحد بوابات الهيكل الثاني المزعوم، وأطلق عليها اسم البوابات الهيروديانية ( خولدا )، وأن الدرجات الأثرية الموجودة أمامها من بقايا فترة المعبد الثاني.

 

tawratiaqsa4

صهاينة يعيثون فسادا حول الأقصى

وتابع مائير بن دوف عمليات الحفر هذه وكشف خلالها عن ستة قصور قال بأنها أموية تتوزع على طول السور الجنوبي حتى الزاوية الجنوبية الغربية من المسجد الأقصى بجوار القوس الأموي، قال أن هذه الآثار وجدت بين سنوات 660م وحتى 750م، وهذا الاكتشاف لمائير بن دوف أثبت عدم صحة النظرية التي زعمها مزار حول تلك الآثار وأكد ما قاله وارن، ومع هذا فقد تبنت المؤسسة الصهيونية نظرية مزار حول البوابة الثلاثية! ، واستمرت المؤسسة الصهيونية بحفرياتها وقامت بتعرية جميع التربة إلى أن وصلت لأعماق مهولة في منطقة جنوب الأقصى للبحث عن آثار المعبد المزعوم أو خلق تلك الآثار ونتيجة لهذه الحفريات الجائرة انبعجت جدران المصلى المرواني في المسجد الأقصى وتضررت بشكل كبير، ما دعا دائرة الأوقاف للقيام بعمليات ترميم ووضع مساند على الأسوار ما زالت بعضها موجودة داخل المصلى المرواني حتى اليوم، وقامت دائرة الآثار الصهيونية عام 1999م ببناء درج تهويدي بمزاعم توراتية بثلاثين درجة وعلى امتداد 64م تطبيقا لما ترويه أحدى القصص التهويدية عن الملك داود، تمهيدا للسيطرة على البوابة الثلاثية، كما اتضح مؤخرا بعد الإعلان عن مخطط تقسيم المسجد الأقصى. وفي عام 2001م افتتح الصهاينة متحفاً على نفقة الثري ديفدسون في المنطقة الجنوبية الغربية من القصور الأموية، وأصبحت الساحة تعرف بساحة الاحتفالات وحديقة أثرية تعرف بحديقة أوفل أو المطاهر.

وبعد إعلان العالمة الصهيونية إلييت مزار في عام 2010 حول القصور الأموية وادعائها أنها كشفت عن أسوار وتحصينات قالت عنها بقايا سليمانية، رغم أنها عادت وأعلنت أنها وجدت فوق هذه الأسوار رسالة مسمارية يعود عمرها إلى 1400 سنة قبل الميلاد و400 سنة قبل وجود سليمان وداود في المنطقة، ومع كل هذا التخبط الذي يعتري اكتشافات علماء الصهاينة، حول القصور الأموية ومنطقة جنوب المسجد الأقصى تحديدا، والتي لم تعط أي أحقية للصهاينة في هذه المنطقة. إلا أن الهاجس الصهيوني مازال يسعى قدما لتطبيق كل المعتقدات التوراتية، وكتابات عشاق الهيكل الغابرين على هذه المنطقة، لتحويلها إلى منطقة توراتية بحتة، فبعد أن حولت المؤسسة الصهيونية القصور الأموية وجنوب الأقصى إلى مزار للسياح الأجانب وبقعة سفور واحتفالات صاخبة، بتلك المجموعات من السواح التي تزور جنوب الأقصى كل يوم بلباس ينتهك قدسية المنطقة، وبتلك الحفلات الصاخبة التي تقام بداية كل أسبوع جنوب الأقصى في مرقص أعد لتلك الغاية، وبتلك المهرجانات التي تقام على أسوار الأقصى وتكون هذه الأسوار خلفية لعروض سينمائية في مهرجان الأنوار الصهيوني، فهاهي المؤسسة الصهيونية تروج لهذه المنطقة على أنها بقايا المعبد الأول والثاني، وتنسج لذلك قصصا تنسبها للتوراة والتلمود، وهاهي تحوّل جميع مساحة القصور الأموية إلى بوابة رئيسية لأنفاق الطريق الهيرودياني من جنوب بركة سلوان وحتى المسجد الأقصى، بعد أن أنهت شق نفق الطريق الهيرودياني حتى جنوب الأقصى،

 

tawratiaqsa5

مخطط الحديقة التوراتية المزمع اقامتها منتصف هذا العام

واستكمالا لمشروع تهويد جنوب الأقصى بالكامل تخطط المؤسسة الصهيونية في هذا العام لافتتاح ما يعرف بالحديقة التوراتية أو الحديقة الأثرية كما أعلنت في 21-6-2011 وسيقام هناك احتفال ومهرجان صهيوني ضخم، بعد أن هيأت المؤسسة الصهيونية الأرضية الخصبة لذلك بنصب تلك اللوحات التزويريةوالتهويدية التي تشوه تاريخ المنطقة، ووضع شبكة من الجسور الخشبية والمسارات جنوب القصور، وبعد إعدادها المسبق لذلك السيل من المزاعم والأساطير التي صاغها عشاق المعبد، وبافتتاح هذه الحديقة رسميا تكون المؤسسة الصهيونية قد انتهت من الشق الجنوبي للأقصى وحولته بالكامل إلى تاريخ عبري وأثر يهودي!! .

 

tawratiaqsa6

أعمال ختامية داخل الحديقة التوراتية !!!!!

وأخيرا فإن هذا التهويد الغير مسبوق للمسجد الأقصى وجنوبه من المؤسسة الصهيونية في هذا العام، ناتج من الفراغ الذي خلّفه إهمال العرب والمسلمين في العالم للمسجد الأقصى بانشغالهم الكبير عنه وإهماله لحد النسيان!، والذي سمح للصهاينة العبث في خاصرته ولصق كل تلك الأكاذيب حولها، لنجدها اليوم تتحول إلى حدائق توراتية ومقدسات يهودية تنسب إلى المعبد المزعوم.

*باحث متخصص في حفريات المسجد الأقصى