خبر : مقابلة خاصة لموقع هيئة علماء فلسطين في الخارج مع د.نوَّاف هايل تكروري

الأربعاء 21 يوليو 2010 09:11 ص بتوقيت القدس المحتلة

 

تمثِّل القضية الفلسطينية محورَ البحث في كلِّ المواقع على مختلف اهتماماتها، ذلك أنَّ فلسطين أرض المعراج، وبلد الأنبياء، ومهبط الوحي والرِّسالات، ويزداد الاهتمام بها، كأرض احتلها اليهود واستوطنوها، وصادر الاحتلال الصهيوني أراضيها، وهجَّر مواطنيها، وهو اليوم يحاصر قطاع غزة، ويسرِّع في عملياته الاستيطانية ومشاريعه التهويدية، وتضييقه عيش المواطن الفلسطيني عبر جدار الفصل العنصري، وإبعاده عنوةً ثلة من أبناء فلسطين عن بيوتهم وأرضهم، ولا تتوقف الاعتداءات الصهيونية التي طالت الحجر والشجر والبشر.

ولا شكَّ أنَّ التفاعل مع القضية الفلسطينية وفهم الواقع والمستجدات لا يكون في معزل عن فهم الخلفية التاريخية للقضية، وكلا الأمرين لا ينفكان عن معرفة الرؤية الشرعية في التعامل مع مختلف القضايا المستجدة على الساحة الفلسطينية، ولسبر أغوارها وفهم حقيقتها التقى الموقع الإلكتروني لهيئة علماء فلسطين في الخارج الدكتور نوَّاف التكروري للحديث عن تلك القضايا، وفهم رأي شرعنا الحنيف حولها، وتأصيل الرؤية الشرعية لمختلف مستجداتها.

وقبل بدء الحوار، نعرِّف بفضيلة الدكتور نوَّاف تكروري:

السيرة الذاتية للدكتور نواف تكروري:

الدكتور نواف هايل تكروري هو عضو المكتب التنفيذي في هيئة علماء فلسطين في الخارج ورئيس لجنة البحوث والدراسات وهو يعمل حالياً محاضراً في كلية الشريعة في جامعة حلب، هذا وقد عمل محاضراً في كلية الشريعة في جامعة النجاح في نابلس، ومحاضراً في كلية الدعوة والعلوم الإنسانية في أم الفحم في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948م،كما أنه أحد المبعدين إلى مرج الزهور وله العديد من المؤلفات ومن أهمها:

1-             أحكام التعامل السياسي مع اليهود في فلسطين المحتلة( رسالة دكتوراه )

2-             العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي.

 

من المسلَّم به أنَّ لنا حقّاً ثابتاً في فلسطين، ولكنَّ كثيراً من الباحثين والكتّاب يستندون في إثبات هذا الحق على مقولة: ( الحق التاريخي ) ومن هنا لا بدَّ أن نسأل، هل يصح الاعتماد على الحق التاريخي في إثبات حقنا في فلسطين ؟ وما الآثار التي تترتَّب على ذلك؟

الدكتور نوَّاف: حقُّنا في فلسطين ثابت في التَّاريخ، وفوقَ ذلك شرعاً، ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ العرب هم أوَّل من سَكَنَ فلسطين في التاريخ، ومع ذلك فإنَّ لي وجهة نظر مفادها: أنَّ اعتماد الحق التاريخي مصدراً أساسياً لإثبات حقِّنا في فلسطين يمثل إقراراً بأنَّ هذه القضية متنازع عليها، لأننا إذا استندنا إلى الحق التاريخي، فهم يستندون إلى الحقِّ التاريخي أيضاً، وكتب التَّاريخ فيها هذه الوجهة وتلك، والحق أنَّ هذه الأرض ملك للمسلمين بالفتح الإسلامي، فهي منذ أن فتحت بالإسلام أرض المسلمين، ولا يجوز كما يقول العلماء كافة: أن تعود دار كفر بحال من الأحوال، وإذا اعتدى عليها الكفار وجب الجهاد لاستنقاذها على كلّ أهل الديار ومن حولهم، بل بعد مضي هذا الوقت وهي لم تحرّر وجب الجهاد على كل المسلمين، وأرى أيضاً أنَّ الاعتمادَ على الحقِّ التاريخي ربما يشكِّكنا بفتوحات إسلامية، أو يجعلها كأنها ليست حقّاً لنا كفتح الأندلس فمّما لا شكَّ فيه أنَّ الأندلس لم تكن بيد العرب والمسلمين في التاريخ، ولكنَّها فتحت بالإسلام، وكما قلت القول بالاعتماد على الحق التاريخي يجعل فلسطين أرضاً متنازعاً عليها، وكأننا نحتاج إلى مُحَكِّم يحكم هل هي أولاً لليهود، أم هي أولاً للعرب؟ وكأنَّنا نجعل احتمالاً للإقرار لهم بها إذا حكم بأنَّهم أوَّلُ من سكنها في التَّاريخ، وليس الأمر كذلك، والصَّواب أنَّ هذه الأرض إسلامية حتى لو قلنا: إنَّ أوَّل من سكنها اليهودُ، أو أنبياءُ بني إسرائيل عليهم السَّلام، فإنَّنا نحن أصحاب الحق فيها، إذ إنَّنا ورثتهم، ونحن الَّذِين ينبغي أن تكون هذه البلاد بأيدينا من بعدهم، لأنَّنا نسيرُ على دينهم وعلى عقيدتهم؛ دين الإسلام لله سبحانه وتعالى، فما من نبيّ إلى وكان مسلماً لله سبحانه وتعالى، سيِّدنا إبراهيم عليه السَّلام وسيِّدنا إسماعيل ويعقوب وعيسى وموسى، وكلّ الأنبياء عليهم السَّلام كانوا مسلمين لله سبحانه وتعالى، وكلُّ مَنْ سَكَنَ هذه البلاد، فإنما بتمكين الله سبحانه وتعالى وإيراثه هذه الأرض، لأنَّ الله كتبَ أن يورثها عباده الصالحين، قال تعالى: {إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف(128)

 

إذن، ما هي الطَّريقة والوسيلة التي تدعو الدعاة والعلماءَ إلى الاستناد عليها عند الحديث عن حق المسلمين في فلسطين؟

الدكتور نوَّاف: لا شكَّ أنه يجب علينا أن نخاطب العالم كلَّه، كلٌ بما يفهمه، وكلٌ بالوسيلة التي يستطيع أن يستوعبها، لا بدَّ لنا من وسائل الإعلام التي نحن بصَدَدِها، لا بدَّ لنا من الخطاب السياسي الذي لا بدَّ لنا من وعي فيه، ولا بدَّ من متخصِّصين فيه يخاطبون العالم بما يفهم، ومع ذلك أقول: إنَّ سيِّد هذه الرَّسائل والَّذِي يجعل لها أثراً، هي المقاومة، وهو الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، وكل اعتماد على غير المقاومة مع أبعادها ضعف، بل إنَّ هذه الوسائل المتعددة إذا انفصلت عن المقاومة فلا ريحَ لها، ولا أثرَ ولا ثمرةَ لها ولا فعلَ، فلا بدَّ أن يكون منَّا ساسةٌ يتحدَّثون ويتواصلون مع العالم، ولا بدَّ أن يكون لدينا وسائلُ إعلام وإعلاميون يتحدَّثون لكلِّ العالم للمسلم وللكافر على حدٍّ سواء ببيان حقنا ووسائلنا، والوسيلة الفاعلة والتي لابدَّ أن تكون رايتنا وشعارنا وأن تكون حاضرةً إلى جانب ذلك كلِّه هي المقاومة التي تُرهب العدو، وتجعله يفكر ألف مرة قبل ممارسة أي ضرب من ضروب العدوان، ولعلَّ مفردة ( قوة) على تنكيرها في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} الأنفال (60)

شملت جميع الوسائل المتاحة في الدِّفاع عن فلسطين.

 

قلتم:إنَّ فلسطين هي دار إسلام، وهي قضية إسلامية، ألاَ ترون أنَّ هذه القضية تحوَّلت عند كثير من العرب والمسلمين إلى قضية فلسطينية يتعاطف معها العرب والمسلمون يؤيدونها ويتضامنون معها..كيف ينظر شرعنا الحنيف إلى حقيقة التفاعل الحقيقي مع القضية الفلسطينية، وهل يقتصر على مصطلحات التَّعاطف والتأييد والتضامن وحسب؟

الدكتور نوَّاف: قضيةُ فلسطين قضية أمّة، ولا يجوز بأيِّ حالٍ من الأحوال أن تُحصر بشعب، أو بحركة، أو بقومية، أو بجهة معينة، هذه قضية المسلمين جميعاً وهذا الموقع أعتقد أنَّ من واجبه ومن مهمته التي ينبغي أن يقوم فيها هو ترسيخ هذه المبادئ وهذه القواعد وهذه المفاهيم التي لا بدَّ أن يفهمها كلُّ مسلم، وأعتقد أنَّ أكبر جناية جنيت على القضية الفلسطينية هي الإعلان بأنها عربية بادئ الأمر، وبهذا أخرجنا خمسة وثمانين من أهلها، ثُمَّ أعلنا أنها فلسطينية فأخرجنا من الخمسة عشر المتبقية، أخرجنا منها خمسة وتسعين بالمئة، لأنَّ الفلسطينيين لا يمثلون من العرب أكثر من خمسة بالمئة، بل لا تصل النِّسبة إلى ذلك، ثُمَّ ضيَّقنا وضيَّق المضيِّقون هذه القضية بالشِّعارات التَّنظيمية والإقليمية والقومية حتى خنقوها بذلك، هذه قضية أمَّة، تعني المسلم الموجود في إندونيسيا، وتعني المسلم الموجود في المغرب على حدٍ سواء.

لا شكَّ أنَّ الفلسطيني ينبغي أن يكون رأس حربة، وأن يكون في المقدمة، لأنه هو المكلَّف الأوَّل، لأنَّ الدَّائرة الشَّرعية تتسع تدريجياً، فتبدأ بالمعتدَى على أرضهم، ولكنَّ فلسطين والمسجد الأقصى هذا للمسلمين جميعاً لا يختلف فيه اثنان، ولا يتمايز فيه عربي عن أعجمي، ولا صاحب قومية عن قومية أخرى، الكل فيها سواء، وواجب الأمَّة جميعاً أن تنطلق باتجاه الجهاد ودعم المجاهدين في فلسطين حتىَّ تحرير الأرض والمقدَّسات، ولا ينبغي ولا يجزئ من غير الفلسطيني أو من العربي أو من المسلم أن يكون داعماً ومؤيّداً ومتظاهراً لصالح القضية الفلسطينية فهو ظهير وناصح، هؤلاء شركاء جميعاً من قِبَل الشَّراكة وقام بمهمته من خلالها، فقد قام بواجبه وأدَّى الجهاد الذي عليه، ومن اكتفى بما هو دون ذلك فهو آثم مسؤول بين يدي الله سبحانه وتعالى، ومن اتخذ خطاً آخر، فقد تجاوز كلَّ الحقوق وسلك سبيلاً غيرَ سبيل الدَّعم والإعانة، فالذي يكتفي بالدَّعم فهذا مُقصِّر، أمَّا الذي يحيد حتى عن هذا فهو مجرم ومتجاوز لحدود الله سبحانه وتعالى، ربما يفهم البعض من هذا الكلام أنه يجب على الجميع أن يحمل سلاحه وينزل إلى فلسطين، أقول: ربما هذا لا يكون متاحاً، و ربما لا يمكن، و لا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها، لكنَّ أقلَّ ما ينبغي هو أن يبذل الإنسان، وأن يشعر كلُّ مسلم في شتى بقاع الأرض أنه استفرغ وسعَه، ولا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها، فيجب على كلِّ مسلم أن يبذل كلَّ ما لديه دعماً وإعانةً و مساهمةً و مشاركةً في هذه القضية حتى يكون أدَّى الذي عليه، و هو بذلك ليس مناصراً لأهل فلسطين، إنَّما هو مدافعٌ عن حقِّه، مجاهدٌ في سبيل استرداد مقدَّساته، التي هي ليست لشعب دونَ شعب، أو لقومية دونَ قومية.

 

نرى أنَّ كثيراً من المتضامنين الأجانب من غير العرب يشدُّون الرِّحال نحو غزَّة المحاصرة في قافلة شريان الحياة، وفي أسطول الحرية، فماذا يحرِّك فيكم هذا المشهد؟ وأين دورُ العلماء المسلمين في فعاليات فكِّ الحصار عن غزة.

الدكتور نوَّاف: في القوافل السَّابقة كان غيرُ المسلمين هم الأكثرية، بينما كان المشاركون فيها من العرب والمسلمين أعداد قليلة نسبياً، وهو أمر محرج ويشعر بالحسرة، إذ أنه ينبغي أن يكون أبناء هذه الأمَّة هم الأكثر انطلاقاً لنصرة المظلوم ولو كان من غير المسلمين ودفع الظالم ودفع الظالم ولو كان من مسلماً وهذا معنى قوله عليه الصلاَّة و السَّلام في الحديث الصحيح: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) ومع ذلك فقد أعاد لنا إخواننا الأتراك حكومةً وشعباً ومؤسسات مدنية الأمل في حياة هذه الأمة وانطلاقتها، فبعض المؤسسات التركية تفعل أكثر مما تفعل أكثر من فعل الدّول العربية تجاه فلسطين، وأخص بالذكر هنا جمعية:(IHH) التي لها السَّهم الأكبر في تحريك أسطول الحرية تجاه غزة، بل لقد ضحَّى إخواننا الأتراك اليومَ بدمائهم، واختلطت دماؤهم بمياه المتوسط، وطافت رسالة إلى البشرية كلّها أنَّ هذه الأمَّة أمة واحدة، ولن تتنازل، وجاء الموقف التركي الرَّسمي متمثلاً بالرَّئيس التركي ورئيس الوزراء ووزير الخارجية مشرِّفاً تجاه قضية فلسطين وحصار غزة، عندما قال رئيس الوزراء الرسمي: ( لن نديرَ ظهراً لغزة ).

ولا أقول: إنَّ العدل والإنصاف والرَّحمة تنزع من قلوب النَّاس جميعاً، وتبقى في قلوب المسلمين وحدَهم، فهؤلاء إنسانيون وبشر وهم يرون ما يجري على أرض فلسطين أنه ظلم محض، وما يجري من حصار لأهل غزة، أنه عدوان من الكيان الصهيوني، بل من دول عربية أخرى تشارك في هذا الحصار وتسهم في فرضه، فهم رأوا ذلك، ورأوا أنَّ عليهم واجباً إنسانياً جعلهم يتحرَّكون، لكنَّ الذي لا بدَّ من قوله: إذا كان هذا الإنسان بإنسانيته المجرَّدة قد بعثته وحركته باتجاه فعل شيء على الأرض، فما بالك بالذي يرتبط بهؤلاء المحاصرين ارتباط عقيدةٍ وارتباط لغةٍ وارتباط ربما قرابة وصلة وارتباط جوار.

لماذا لم يتحرَّك هؤلاء،ربما الكلُّ يعلم أنَّ الموانعَ التي تحولُ دونَ تحرّك كثيرٍ من الحكَّام العرب والمسلمين هي مصالح ضيّقة شخصية، و هي ليست في الحقيقة مصالح، بل مفاسد يظنونها مصالح، ربما من أجل موقع لابنه أو مركز يريد الوصول إليه، أو شيء من هذا القبيل تجعله يتخلَّى عن مهمته وربما يتآمر على إخوانه وأبناء جلدته، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.

 

لقد قرَّر الصَّهاينة طردَ أكثر من سبعين ألف مواطن من الضَّفة الغربية، وبدؤوا بذلك بالفعل،حيث أبعدَ عددٌ من الفلسطينيين من الضفة الغربية ومن أبناء فلسطين عام ثمانية وأربعين إلى أرض غزة، كيف ترون السبيل الأمثل لمواجهة هذا القرار؟

الدكتور نوَّاف: هذا قرار إجرامي عنصري من الكيان الصهيوني، وهو يصبُّ في إطار تهويد فلسطين بالكامل، ولكن لا شكَّ أنَّ هذا القرار هو ثمرةٌ للإجرام الذي قام به سلاَّم فياض ومحمود عبَّاس في ضرب المقاومة في الضفة الغربية ومنعها من الانطلاق ومصادرة سلاح المقاومين واعتقالهم والزَّج بهم في السّجون بالتَّرتيب مع أسياده الأمريكان، وفي إطار تنفيذه لخطة "دايتون" الإجرامية، إذ أنَّ الكيان الصهيوني في ظلِّ المقاومة، وفي ظلِّ العمليات الجهادية والاستشهادية لم يكن بإمكانه أن يقرِّر مثلَ هذا القرار، ولكن في ظلِّ ضرب المقاومة وتعطيلها حصل هذا الإبعاد، أو القرار الإجرامي الصهيوني في ظل محاصرة المقاومة وشلّها من قبل أجهزة عباس " الدايتونية " التي تنفِّذ خطة "دايتون" الأمنية في الضفة الغربية، وسلاَّم فيَّاض الذي فَاضَ سلامُه على أعدائنا، بينما فاض غِلاًّ وإجراماً على أبناء شعبه، والحقُّ أنَّ هذا الإنسان ليس من إفرازات شعبنا الفلسطيني، ولا من حتى فصائله المقاومة ولا المستسلمة، وإنما هو إفرازات أخرى،والله أعلم.

فالسَّبيل أمامنا لمواجهة هذه العمليات الإجرامية لإبعاد الشَّعب الفلسطيني وطرده من أرضه هو أن تبعث روح المقاومة من جديد، وهو أن يتاح أمام الشَّباب المتحفِّز المنتظر للدِّفاع عن حقوقه ومقدَّساته وأرضه و بلاده أن تتاح السُّبل أمامَه، وأقلّ شيء مطلوب هو أن ترفع أيدي هؤلاء المجرمين المتآمرين على أرضنا، عن أبناء شعبنا حتى يتمكَّن هذا الشَّعب المجاهد من القيام بواجبه في مقارعة العدوّ ونزع أمنه، وإنَّني أقولها صراحة: إنَّ هؤلاء الذين يقفون في وجه مقاومة الشَّعب الفلسطيني هم وراء هذه العملية الإجرامية، ويتحمَّلون وِزر هذا الإجرام مع الكَيان الغَاصب.

 

كنت أحدَ المبعدين إلى مرج الزهور، وجرَّبت الإبعاد، وذقت مرارة الإبعاد و آلام التهجير، فهل من كلمة تخاطب بها الأمَّة الإسلامية في قضية هؤلاء الذين يزمع الاحتلال إبعادهم عن أرضهم ووطنهم؟

الدكتور نوَّاف: لا شكَّ أنَّ قلوبنا مع إخواننا هؤلاء، ونحن معهم في كلِّ خطوة، ومتألمون لما يؤلمهم وما يصيبهم ولما يعانونه، ولكن في سبيل الدِّفاع عن الأرض والمقدسات ينبغي أن يهونَ علينا كلّ شيء، وينبغي علينا أن نستشعر أنَّ ما نبذله في إطار الدِّفاع عن أرضنا ومقدساتنا يحتاج إلى المزيد، فنقول لإخواننا هؤلاء: صبراً على هذه الجريمة و ثباتاً في مواجهة هذا العدو المجرم وإصراراً على مواقفكم وتمسككم بحقِّكم ومقدساتكم وأرضكم، فإنَّ اللَّيل زائل بإذن الله تعالى، وإنَّ الأبعاد إلى مرج الزهور كان المراد منه أن يكون مفتاحاً للإبعاد، وأن يكون منكِّلاً بمقاومة الشَّعب الفلسطيني ومُرهقاً لها من خلال طردِ قيادات المقاومين وعلمائهم ووجهائهم، ولكنَّ الإبعادَ إلى مرج الزهور ما لبث بثبات المبعدين أن تحوَّل إلى نعمةٍ للشَّعب الفلسطيني، تحوَّل إلى قوة جديدة ضُمَّت إلى المقاومة بفضل الله تعالى ومنَّته وكرمه، ولكنَّ هذا الأمر حصل بالثَّبات والصُّمود والاستمرار بتحمّل الظُّروف القاسية مطالبين بالعودة إلى أرضهم وإلى بيوتهم وبلادهم، وبالتَّالي فإنَّ النَّصر مع الصبر، وإنَّ الثَّبات وعدمَ التَّفريط بالحقِّ، وعدمَ الخضوع للعدو من جرَّاء المشقة والمصاعب التي يعانيها كلُّ المبعدين سواء كانت هذه المصاعب في أجسادهم أو أهاليهم وذويهم، فالصُّمود والصَّبر في مواجهة كلِّ ذلك لا شكَّ في أنَّ له ثماراً كبيرةً، وإذا صمد إخواننا هؤلاء الذين يحاول العدو الآن أن يطردهم، الذين اختارهم ليكونوا مفتاحاً للإبعاد من جديد، إذا صبروا ورضوا بتحمّل المصاعب والمشاق، فلا شكَّ أنهم سيبطلون كيدَ العدو ويردُّون كيدَه إلى نَحره بإذن الله تعالى، ويفشلون مخطَّطاته، وسوف يجد نفسه مضطَّرا إلى عدم تنفيذ هذه القرارات الإجرامية الجائرة، أمَّا لا قدَّر الله إذا ضَعُفَ هؤلاء الإخوة ورَضوا بالإبعاد وصارَ عتبهم على إخوانهم، فإنَّ بابَ الإبعاد سيفتح من جديد، ولا قدَّر الله.

وأذكِّر هؤلاء الإخوة، وكلَّ أبناء شعبنا وأمتنا بقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} التوبة (120)

 

رأينا أنَّ الحكومة الفلسطينية في غزة رفضت إدخال هؤلاء أو بعض هؤلاء المبعدين الذين تَمَّ إبعادهم من الضّفة الغربية إلى قطاع غزة، وهم الآن معتصمون على معبر (إيريز). كيف تنظرون إلى موقف الحكومة من الزَّاوية الشرعية ؟

 الدكتور نوَّاف: أذكرُ في مرج الزّهور أنَّنا مكثنا في أقرب نقطة إلى فلسطين انقطع عنا الرَّصاص فيها، وهي مرج الزهور، فبقينا بالقرب من فلسطين ولم نسر باتجاه لبنان إلا على الوجه الذي ابتعدنا فيه عن رصاص العدو المجرم، بل أكثر من ذلك فقد طالب قيادة مرج الزهور لبنان والعرب بأن يرفضوا السَّماح لنا بالدُّخول إلى لبنان حرصاً منَّا على أن نبقى شوكةً في حلق العدو، وأن نكون في موقع يغيظه ويكون لنا به الأجر في الآخرة والنَّصر في الدُّنيا وقد انتصرنا بالفعل ونسأله سبحانه أن نكون أُجرنا جميعاً، إن شاء الله، وأهلنا الذين صبروا، فقد انتصرنا بأن سحنا إلى العالم من ذاك الموقع، وأسأنا وجهَ العدو من خلال الثَّبات في هذا الموقع، وأعتقد أنَّ رئيس الحكومة في غزة، وهو أيضاً واحدٌ من مبعدي مرج الزّهور؛ الأخ إسماعيل هنية، لا شكَّ أنَّه يشارك المبعدين الألمَ لأنَّه ذاقَ مرارةَ الإبعاد، ويعلم الآلام المترتبة عن مثل هذه الحالة، بل جربها ولكن كما هو مقرَّر شرعاً، فإنَّ المصلحة الخاصة يتنازل عنها جلباً للمصلحة العامة، وإن السَّماح للإخوة المبعدين أن يدخلوا إلى غزة، ربما يكون سبباً في مزيد من الإبعاد من قبل الكيان الصهيوني، بينما إذا أغلقت الأبواب في وجههم، وأنا أنصح الإخوة المبعدين أنْ يطالبوا بذلك مع ما فيه من مصاعب ومشاق، لأنهم حريصون على مصالح شعبهم وحريصون كذلك في أن يقطعوا دابرَ الإبعاد ويردُّوا كيدَ العدو في نحره، وأن يبقوا في بلادهم وبيوتهم، وهم يرفضون مثل هذا الإبعاد، لكن إذا أغلق الباب في وجه الإبعاد، وأقام هؤلاء الإخوة في الخيام وقتاً من الزَّمن، فسوف يجد العدو نفسَه مضطَّراً إلى الامتناع عن تكراره، فتكسر كلمة العدو، بإذن الله تعالى، فالأمر يحتاج إلى صبرٍ، ونحن جميعاً نتألمَّ، فأهلنا في غزة، وأهلنا في الضَّفة، وهؤلاء الإخوة المبعدين..

فمن ينظر إليهم يتألم لما يصيبهم، وهو مصاب لنا جميعاً، ولكن لا بدَّ من الصَّبر ولا بدَّ من التَّضحية لبعض مصالحنا الشَّخصية والفردية وحقوقنا الذَّاتية طلباً للحقِّ العام وطلباً للدِّفاع عن المقدَّسات، وحتى نوصد في وجه العدو أبواباً يريد فتحَها ؛ من الإبعاد والإذلال لشعبنا وأمَّتنا.

 

بعد هذه الرِّسالة التي فيها بيانٌ للمصلحة من عدم الدُّخول إلى قطاع غزَّة هل من رسالة شدٍ للأزر توجهها إلى هؤلاء المبعدين المعتصمين على معبر (إيريز) في الخيام؟

الدكتور نوَّاف: نسأل الله سبحانه وتعالى لإخواننا الثَّبات في مواجهة هذه المحنة، وقدرنا كشعب فلسطيني أن نكون في المواجهة، وأن نكون رأس الحربة، ولا شكَّ أنَّ طريقنا شائك وعدونا جبان مجرم لا قِيمَ لديه، تمنعه من العدوان والظُّلم، ولكن ليس أمامنا، أيُّها الإخوة الأحباب إلاَّ أن نصبِر، وأن نُصَابِر، فالعاقبة للمتقين.قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} آل عمران (200) ولقد لُقِّنَ العدو درساً بشأن إخواننا في مرج الزهور، وأعتقد بإذن الله تعالى أنكم بثباتكم سوف تُلَقِّنوه درساً آخر، وسوف يكون بثباتكم كسراً و إغلاقاً لباب الإبعاد إلى غزة أو إلى الأردن وغير ذلك، فالصَّبر الصَّبر أيّها الإخوة والثَّبات الثَّبات، قال الله تعالى:{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} آل عمران (120) وأذكِّركم بأنَّ الإبعاد إلى مرج الزهور كان مرّاً مؤلماً، ولكن كانت تذكرةً للمبعدين بعضهم لبعض أنَّ الألم سيزول وستبقى ثماره وآثاره، وقد حصل ذلك الآن وأصبحت آلام مرج الزهور تاريخاً، ولكنَّ خيرَها ما زال قائماً، وإن ما أنتم فيه من ألم ومحنة سوف تذهب وتزول بإذن الله تعالى هذه المحنة وهذا الألم، ولكن تبقى آثاره وثماره التي تغيظ العدو وتبطل مخطَّطاته، وتحقّ الحقَّ وتزهق البَّاطل، بإذن الله تعالى.

 

ننتقل إلى الألم المعتصر في قلوب الصَّادقين من أبناء الأمة مدينة القدس فبعد كنيس الخراب الذي شيِّد على مقربة من المسجد الأقصى المبارك شرع الصَّهاينة في بناء كنيس فخر إسرائيل، وهو على بعد أقل من أربعين متراً من المسجد الأقصى، شبعت الأمة من التنديد و الاستنكار!! فما هي السبل العملية المطلوبة من أبناء الأمة الإسلامية لنصرة الأقصى والمقدسات سواءً أبناء فلسطين أو أبناء الأمة الإسلامية؟ 

الدكتور نوَّاف: إنَّ هذا العدو لن يتوقَّف عن الإجرام والعدوان ما كان لديه إمكانيات أن يبني وأن يهدم، أن يبني لإجرامه و كيانه و أن يهدم لهذه الأمَّة من مقدَّسات وبيوت، ويقوم بالإبعاد والعدوان، فلن يتوقَّف هذا العدوّ، والقضية بيننا وبينه قضيةُ صبرٍ ومصابرة، فلأصبر هو الفائز بإذن الله تعالى، ودواعينا للصبر أعظم وأكبر، فنحن أصحاب الحق وهو المعتدي، والواجب علينا أولاً في فلسطين؛ أمَّا أهلنا في القدس: فالصَّبرَ الصَّبرَ والثَّباتَ الثَّباتَ والتَّمسكَ بالبيوت والمقدّسات وساحاتِ المسجد الأقصى المبارك، في هذه الحرب في مواجهة هذا العدو، إنَّ ثباتهم في بيوتهم يعدُّ ضرباً من ضروب الجهاد المسلَّح، لأنَّه يغيظ العدو ربما أكثر من حمل السَّلاح، فالثبات الثبات من قبل أهلنا في القدس، و أمَّا أهلنا في الأراضي المغتصبة في عام الثمانية وأربعين: فإلى مزيد من مسيراتهم وشدّ رحالهم إلى المسجد الأقصى للدِّفاع عن هويته وإثبات حقّ الأمة به، ونسأل الله تعالى لهم العون، وأمَّا أهلنا في الضفة الغربية: فلا بدَّ لنا من كلّ الوسائل، وقد خاطبنا قبلَ قليلٍ السّلطة الفلسطينية التي تنفِّذ مخطَّط الجنرال الأمريكي " كيث دايتون" قائلين: إنَّ هذا لن ينفعها، وإنَّ الشَّعب الفلسطيني لن يتجاوز لها عن ذلك، إنْ لم تسارع في العودة وإطلاق يد المقاومة، بل أنا أقول لأهلنا وشعبنا في الضفة الغربية: إنَّ عليهم أن يبتكروا من وسائل المقاومة كلّ ما يمكنهم، وأن يجدِّدوا ترتيب صفوفهم انطلاقاً في مقارعة هذا العدو، لأنَّ هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تقضّ مضجع العدو وتخيفه وتردعه عن الاستمرار في إجرامه ضد المقدسات وتجريف الأراضي والبيوت، في القدس وفي غير القدس، أمَّا المسلمون في الخارج: فينبغي عليهم كشعوب دعمُ أهلنا في الدَّاخل بكلِّ الإمكانات والوسائل الماديَّة والمعنويَّة، وأمَّا الحكومات: فإنَّنا نخاطب حكوماتِ المسلمين وغزَّة مازالت محاصرة من أكثر من ثلاث سنوات، فلا شكَّ أنَّ هذا الحصار إجرامي وعدواني ظالم، ولا شكَّ أنَّ قادة الأمَّة يتحمَّلون جزءاً أكبر من وِزر هذا العدوان والإجرام، وأنَّه ينبغي على الشّعوب أن تحاسبهم، لأنَّ من يُجرم في حقِّ أهل غزة عندَه استعداد للإجرام بحقِّ شعبه وأمَّته...

 

لعلَّ هذا الأمر لا يقتصر على الحكومات فحسب، بل الشعوب أيضاً لها دور كبير؛ فنراها اليوم تحتفل... ففي الضفة الغربية احتفل بأكبر صحن مسخن... ولبنان احتفل بأكبر صحن حمص... وفي... إلخ ؟ 

الدكتور نوَّاف: يا أخي، هذه مشاغلُ يراد أن تُشْغل بها الأمَّة عن مواطن عزتها وكرامتها، هذه مبتكرات لا قيمةَ لها ولا شأن، بل شأنها عكسي، لأنه يراد منها أن تُشْغل الأمة، ولا شكَّ أنني أتكلّم عن دور الحكَّام، وأريد أن أقول: إنَّ على الشعوب أن تحفظ حريتها، والكيان الصهيوني لا يريد أن يقف عند القدس ولا عند فلسطين، وإنما يريد أن يتمدَّد، وإن الذي حال دونَ ذلك هو المقاومة التي انطلقت على أرض فلسطين، ويشهد بذلك المدركون والمنصفون من أبناء هذه الأمَّة، وأمَّا الجهلة والذين يتآمرون على أنفسهم من خلال التآمر على المقاومة، فهؤلاء طعنوا المقاومة من الظَّهر ووقفوا في وجهها وحاصروا الشَّعب الفلسطيني.

إنَّ المطلوب من أبناء الأمة الإسلامية والعربية في الخارج أن يمدُّوا يدَ العون، أن يعملوا على فكّ الحصار، ومزيداً من المسيرات والقوافل لفكِّ الحصار عن أهلنا في غزة، وعلى حكام العرب والمسلمين مَنْ كان منهم فيه نخوةٌ وحمية أن يضرب على يدِّ هذه السّلطة الموقفة للمقاومة، لأنَّه بذلك يعتدي على الدّول المجاورة عندما يضرب المقاومة، إنما يعتدي على الدول المجاورة، لأنَّ هذه المقاومة لا تدافع عن فلسطين فحسب، وإنما تشلُّ قدرةَ العدو عن القيام بأعمال إجرامية مستقبلية في البلاد المجاورة، فإذا ما أرهقت المقاومة وعطلت شعر العدو بالتفرّغ، وقد بدت آثار ذلك فضاعف العدو إجرامه في القدس وفي الضفة الغربية وفي غزة أيضاً من خلال القصف والعدوان، لشعوره بأنَّ المقاومة مشلولة اليد، وربما إذا نفذ مخطَّطاته في هذه المناطق ينطلق إلى الدول المجاورة، فعلى الأمَّة وعلى حكامها أن يضربوا على يدِ هذه السّلطة التي تعتدي عليهم الآن، تعتدي على أراضيهم، وتمكِّن العدوَّ من أن يجمع قوَّته لاستكمال قَضْمِ فلسطين والانتقال لما حولها، وعلى شعوبنا أن تبقى داعمة بالمال والدّعاء ومخافة الله سبحانه وتعالى، فإنَّ معاصينا وذنوبنا خارجَ فلسطين ربما تنعكس على الأمَّة كلِّها وخاصةًَ في فلسطين، وعلى شعوبنا أيضاً أن تبقى داعمةً في تربية النَّشء وبالإمداد بالسِّلاح وكلّ وسائل القوَّة والخبرات والإمكانيات فهذا واجب، كلٌّ في مكانه؛ فالخبير العسكري إذا توصَّل إلى فكرة داعمة أن يقدِّمها مكتوبة أو مشروحة، وعلى رجل الأعمال الاقتصادي أن يقتطع جزءاً لا أقول الزَّكاة، بل من ماله ويجعله داعماً لأسباب المقاومة وباعثاً عليها بإذن الله تعالى، وكلٌ من موقعه يمكنه أن يدعم.

وأمَّا العلماء فدورهم أعظم وأكبر، فعليهم أن يكونوا المضحين الأُوَلْ، وأن يكونوا في مقدِّمة الصَّف، وأن يصبروا على المحن، وأن يهيِّئوا أنفسَهم لقيادة الأمَّة تجاه عزَّتها، فهم المؤهلون الأُوَلْ لهذه المهمَّة، وإن لم ينبروا هم لهذه المهمَّة، فلا قادةَ لهذه الأمة حقيقيين.

 

دَعَوت كثيراً إلى المقاومة، ولكنَّ كثيراً من الرَّسميين، أو ما يُسَمَوْنَ النُّخب في الأمة العربية والإسلامية أو داخل الشعب الفلسطيني، يقولون: إنَّ الله تعالى يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). وهذه المقاومة تصرّ على إلقاء الشعب الفلسطيني في التهلكة عندما ترفض الاعتراف بإسرائيل أو ترفض الإقرار بمبدأ حلّ الدولتين، فتلقي النَّاس رهن الحصار و الاحتلال، و لو ما فعلت هذا الشيء لرفع الحصار و لزال الاحتلال، فماذا تقولون لهم؟

 الدكتور نوَّاف: حقيقةً هذا كلامُ المهزومين، وليس كلامَ الكبار والقادة، كما أقول: قادة كرتونيين بلاستيكيين، هذه الآية نزلت في المتخاذلين عن في الجهاد المؤثرين الجلوس، لأنَّ التهلكة الحقيقية أن يقتحم العدو عليَّ بيتي، ثُمَّ أخشاه، ثُمَّ أحسب حساب الآلام والجراح والأموال وما يلحق بي من مصاعب ومشاق حرصاً على ذاتي وعلى جسدي، أفرِّط في المصالح العامَّة وبحقوق الأمة وبمقدساتها لأحمي هذا الجسد الفاني، هذه هي التهلكة الحقيقية، فالتهلكة أن يرى العدو أنَّه لا أحدَ يقف في وجهه، عند إذن لن يترك لنا لا أخضر ولا يابس.

أنا لا أستطيع أن أتصوَّر كيف لو لم تكن هذه المقاومة، ماذا سيكون حال الشَّعب الفلسطيني، هم يظنُّون أنَّنا إذا لم نكن نقاوم فإننا نعيش في رغد العيش وفي متعة، فلا حصار ولا ضيق في المال ولا ولا...إلخ.

لو لم نكن نقاوم لم نكن في فلسطين، بل لو لم نكن نقاوم لكنَّا خارج الأردن وسورية ولبنان، المقاومة ليست تهلكة، المقاومة حفظ: ( لا بدَّ دونَ الشَّهد من إبر النَّحل)، و( تموت الحرَّة و لا تأكل بثدييها).

هذا الكلام الدَّاعي لوقف المقاومة واعتبارها تهلكة هو كلام المهزومين، لو لم تكن هنالك مقاومة لم نكن على ما يتصوَّرون، وإنما على ما نتصوَّر نحن و يتصوّر اليهود أنَّهم يريدون إنهاء المقاومة في فلسطين لا ليقفوا عند هذا الحد كما يقولون، وإنما ليتوسعوا وليجرموا، لو أنَّ المقاومة في فلسطين لم تكن موجودة لكان التَّرحيل من كل فلسطين، والآن في ظل ضعف المقاومة بدأ اليهود يتكلموا عن يهودية الدَّولة بمعنى إخراج أهلنا من الأراضي المحتلة في سنة 1948، وبعد الثماني وأربعين سيتحدَّثون عن السبعة والستين، وبعدها سيتحدثون عن وطن بديل، وبعد ذلك سيتحدث عن احتلال الوطن البديل نفسه، لأنَّ هذا العدو لم يحدِّد لنفسه حدوداً بعد، ولا يريد أن يحدِّد، ونحن لا نريده أن يحدِّد، لأنَّ حدوده إن شاء الله أن يندحر بالكلية، لكن لا نريد أن نتصوَّر أنَّ المقاومة تهلكة، وأن الحصار مأساة ومصيبة، والمقاومة فيها أرواح تزهق وفيها تضحيات جسام، ولكنَّ ثمن الاستسلام أعظم بكثير من ثمن التَّضحيات، فالتضحيات التي تقع في المقاومة لا تساوي معشار الأنفس التي تزهق والمقدسات التي تنهك من جرَّاء الاستسلام للعدو وهذا عدو جبان، فاتفاقية أوسلو التي كان من المفروض أن تمضي بخمس سنوات، وتوصل إلى اتفاق شامل، وإلى إعادة الضفة الغربية و... إلخ. مضى عليها الآن تقريباً عشرون عاماً وليس هناك أية خطوة، أو أية ثمرة، هم يتوقعون - وأنا لا أعرف كيف يتوقعون ذلك أنَّنا إذا فاوضنا العدو فإنَّنا سنحصد شيئاً، ولكن لن يحصدوا من ذلك إلا الفتات، إنما يقدِّمه العدو أحياناً ويلجأ إلى التَّنازل إنما هو بسبب المقاومة، وليس بسبب التَّفاوض لأنَّه يريد أن يحرِّض عملاءه وأعوانه على المقاومة، كالذي يضع الطُّعم للسَّمكة أو للطَّير ليأتي به إلى خانته، وليقضي عليه هذا الذي يحصل معهم ليس في الجهاد تهلكة، وإنْ كان فيه تضحيةٌ، وليس في الاستسلام كرامةٌ ولا عزّةٌ ولا حقوقٌ، وإن كان في بداية الطَّريق بعضُ الدَّعَةِ و الخَمْر و النِّساء و... إلخ.

في الختام جزاك الله خيرا و لك جزيل الشكر