خبر : ما بين التبصرة والبصيرة

الخميس 01 يناير 1970 01:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

ما بين التبصرة والبصيرة

البصيرة في اللغة لها معانٍ كثيرة، ومن هذه المعاني: الإدراك، والفطنة، والحجة، والنظر النافذ إلى خفايا الأشياء، والعلم، والخبرة كما ورد في كتاب غريب القرآن للأصفهاني – ج1ص49.
وردت كلمة (بصيرة) مفردة ونكرة غير معرفة بأل التعريف في القرآن الكريم مرتين (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يوسف : 108 . ووردت بصيغة الجمع (بصائر) خمس مرات (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) الأنعام : 104. وبصيغة (مبصرون) مرة (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) القيامة : 14 . وجاءت بصيغة (تبصرة) مرة (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) سورة ق : 8 .

بدأت بهذه المقدمة لأبين معنى البصر والبصيرة والتبصرة التي دعانا الصديق العزيز د. كمال الهلباوي للتبصر فيها ومراجعة فهمنا الخاطئ- برأيه – للواقع ومفرزاته في مصر، والمنطقة في مقالته بصحيفة القدس العربي بتاريخ 7– 2- 2014 ، ولقد هالني كم التغييب الكبير للعقل والحكمة وأصول الفهم للنصوص الشرعية والأحداث الجارية من أستاذ كبير كتب وحاضر ودرّس في الإستراتيجيات ونادى بضرورة إعادة الوعي للامة ، ولاقى في سبيل ذلك التشرد والعذابات والإبتلاءات على انواعها ، فضلا عن  فهمه للأصول العشرين للامام البنا التي درسها ودرّسها وحفظها عن ظهر قلب عشرات إن لم يكن مئات المرات.
لا أريد ان أغرق في تفاصيل ما يطرحه الدكتور كمال في مقالته هذه أو مقالاته السابقة وحتى مقابلاته التلفزيونية التي تجعل – بالفعل – الحليم حيرانا ، ولكن أود ان أناقش بعض المفاهيم التي يسوقها وبشكل خاطئ تماما، ويعتبر انه بذلك انما يصوب اخطاءً في الرؤية ، ويصحح مفاهيم إختلفت عن زمن الإمام البنا، وإن إخوان اليوم ضلوا الطريق وخرجوا عن جادة الصواب .
لا بد اولا أن نقرر حقيقة يدركها الجميع أن الأخوان بشر كغيرهم يصيبون ويخطئون وليسوا ملائكة ، وأن أخطاءهم كبُرت ام صُغرت سواء كانت في زمن الرئيس مرسي او قبل ذلك أو بعد الإنقلاب الدموي عليه في الثالث من يوليو 2013 ،هي أخطاء يمكن ان نفهمها في سياقها بين الراي والإجتهاد مع ضرورة المراجعة المستمرة ، وبخاصة تجربة الحكم القصيرة والتي لا الإخوان ولا غيرهم مارسوها او سمح لهم بممارستها  أو الإقتراب  منها طوال عقود من الظلم والطغيان في مصر وغيرها .
ولكن الغريب من فهمه أنه أثناء حكم الدكتور مرسي كان يرفع صوته في فضائيات معروفة الأهداف والتمويل ، ويُسخٍّر قلمه الحاد جدا ، ويلتقط أي شاردة أو واردة من أجل التشنيع على الإخوان، وعلى رئيس الجمهورية المنتخب ، فاعتبر مثلا أن الإعلان الدستوري الذي اصدره رئيس الجمهورية يوم 21-11-2012 ، معيبا جدا وانه إعلان فرعوني ، وأنه ليس هناك اغلى من الحرية والدم ( مقاله له بتاريخ 26/4/2013 ) ، وشارك في البلبة والإثارة والدعوة الى التظاهر والإعتصاكات باستمرار كما فعل في يوم 30- 6- 2013 ،  واعتبر ذلك ثورة عظيمة ، وأنه شارك فيها ( اكثر من ثلاثين مليونا !) ، بينما يستنكر على الأخوان وعلى تحالف الشرعية مظاهراتهم وأعتصاماتهم التي جاءت إعتراضا على الأنقلاب العسكري الدموي ، واعتبرها تسئ الى الوطن وتهز استقراره ، كما أنه لا يعتبر أن إصدار عدلي منصور إعلانا دستوريا جمع فيه كافة السلطات، وألغى مجلس الشورى المنتخب ، وعين حكومة غير شرعية ، وعين لجنة الخمسين  لكتابة الدستور غير الشرعية ( وهو واحد منهم )  ، وأصدر قانون التظاهر أو قانون منع التظاهر ، ومرر كل خطط العسكر في الظلم والطغيان والقتل والإعتقال إعلانا فرعونيا أو طاغوتا يجب إزالته فلم نجد في مقالات د. الهلباوي أو مقابلاته التفزيوينة أي حديث عن ذلك الا حديث التأييد والتطبيل والتزمير والمشاركة بلسانه وقلمه وجوارحه بهذه الزفة الكذابة ، وإن كان هناك بعض الإنتقاد فيكون هينا لينا من باب رفع العتب فقط ، أليس هذا عصي على الفهم، ويكيل بمكيلينن ، وهو يعلم ان الله يمقت صاحب المكيالين، وصاحب الوجهين ...؟!
ثم أليس عصيا على الفهم أن يقول عن عبد الفتاح السيسي " أن مكانه ظل شاغرا لعقود وانه استحق  أن يصبح رئيسا لمصر عن جداره " ( مقالته في القدس العربي بتاريخ  31-1-2014   )  ويشبهه في مقال آخر" بالخلفاء الراشدين ويحتفي به أيما إحتفاء ( مقالته في القدس العربي بتاريخ 8-8-2013   )، ويشارك في حملة التهريج الحاصلة لتنصيبه فرعونا جديدا ، وهو-  أي السيسي - إنقلب على رئيسه ، وخطط لذلك وداس ببيادته هو وعصابته العسكرية الدستور المستفتى عليه ، ونزع رئيسا منتخبا بالقوة العسكرية ... بينه وبين الامة عقد لا يزول الا بعقد جديد لرئيس منتخب إنتخابا حقيقيا جديدا ، وقتل وجرح عشرات الآلاف من المسلمين المصريين ، وسجن عشرات الآلاف من أساتذة الجامعات والمحامين والأطباء وصفوة المجتمع وشبابه من فتيان وفتيات ، وشرد آلاف الأحرار خارجها بحثا عن مكان آمن ، وجيَّر كل مؤسسات الدولة لصالحة، وأغرق الدولة في مشاكل لا حصر لها فوق مشاكلها وكوارثها ، وورط الجيش ولوثه بدم الأبرياء ، وأنهك الإقتصاد المنهك وأصبحت مصر العزيزة الكريمة أكبر شحاذ في التاريخ ، وكمم الأفوة، وأغلق الصحف والقنوات ، وأطلق يد الأجهزة الأمنية لتنتهك الحرمات والأعراض والقيم في كل أنحاء مصر ، وحاصرغزة  وهدم شارين حياتها،ومنع عنها كل شئ ، وتواطأ مع الأعداء على حرب المقاومة ، وبتنسيق كامل مع العدو الصهيوني وغير ذلك الكثير الكثير ... فإذا لم يكن ذلك هو الفهم الخاطئ فماذا يكون إذا ....؟!
إن مشكلتنا مع رجل بحجم الدكتور الهلباوي أنه يستخدم النصوص الشرعية في غير موضعها، وبنزلها في غير منزلتها، ويعتقد أنه بتاريخه ومواقفه السابقة يمكن أن يجعل الناس، وبخاصة الشباب الذين تتلمذوا على يديه يصدقوه، وهو يعلم أن مثل هذا التفسير  وليِّ أعناق النصوص لتوافق هوىً في النفس لم يكن ليقنع أطفالاً فضلا عن شباب واعٍ إمتلك الجرأة والفهم أكثر مما يتوقع لأنه حجز نفسه في قمقم ومربع لا يريد ان يخرج منه ، بل أصبح يتغنى ويتلهى ويقول الأشعار ويدبج القصائد مدحا بالسجن الذي وضع نفسه فيه ، فلا يرى فيه الا بعض الخطوط الجميلة او الرسوم المؤئرة التى وضعها ورسمها وزينها لنفسه ، بل أصبح – مع الأسف- يهتف وبصوت عالٍ للسجان ، ويطلب من الجميع ان يصدق أنه يهتف للحرية  والعيش الكريم .
ومع كل ذلك فهو يرى في مقالته " أنه يقف على أرض صلبة في فهمه للاوضاع في مصر و مستقبل مصر العظيم بإذن الله تعالى ، وهو ما لم يفهمه الإخوان " ، وأعتقد ان أي فرد مهما كان حجمه ودوره لا يمكن ان يكون أوعى ورأيه أصوب من رأي جماعة يقدر عدد أفرادها بالملاين في كل أنحاء العالم ، وسيدنا عمر بن الخطاب يقول : " رأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرار لا يكاد ينتقض " فكيف إذا كان هذا ليس رأي الأخوان وحدهم بل يشاركهم فيه أعداد هائلة من المثقفين والعلماء والأدباء والشعراء والنشطاء وقادة الناس وعوامهم في مصر وفي جميع انحاء العالم ، مسلمين وغير مسلمين ، وإسلاميين  وغير إسلاميين   بل إن عددا كبيرا ممن شاركوه  في المؤامرة المسماة ثورة يوم 30-6-2013 ، بدأوا يدركون أنهم خُدعوا ، وأصبحوا يخرجون جماعات وأفرادا من هذه السفينة الآيلة للغرق عاجلا أم آجلا ، بعد ان ادركوا الحقيقة المرة ، ومع ذلك ما زال الرجل يطبل ويزمر ويقوم بدور الكمبارس في سرك مليئ بالدم والآهات  والعذابات والأحزان .
إنك– يا صديقي العزيز- لا تقف على أرض صلبة كما تقول بل تقف على أرض مخضبة بدماء الأبرياء ، وعذبات الملوعين من الأباء والأمهات والزوجات والأبناء والبنات الذين قتلوا وجرحوا وحرقوا وغيبوا في السجون والمعتقلات ، وأنت ما زلت تسبح بحمد القاتل وتهلل وتصفق له.... إنها تراجيديا مأسوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى .
لقد كنت أقرا الحيث الشريف " ... وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) . وأستغرب وأقول كيف ذلك - ومن دون التألي على الله فهو أعلم بخلقه - ، ولكن قل لي بربك : هل تأييد القاتل الخائن الغادر عمل من عمل أهل الجنة أم عمل من عمل أهل النار ؟ ؟ هل التشفي بإخوانك والتلهي بعذاباتهم والهجوم المستمر عليهم  والفجور في الخصومة معهم - وهم في أعظم محنة - عمل من عمل اهل الجنة أم  عمل من عمل اهل النار ؟ هل الوقوف في الخندق المعادي لمشروع الأمة في الحرية والعزة والكرامة مع أمثال جمعة والطيب وتواضروس، ورجال الأعمال الفاسدين ، وقتلة الجيش والأمن ، وزعران تمرد ، وفسَّاق الإعلام المضلل، وناعقي الفتنة عمل من عمل أهل الجنة أم عمل من عمل اهل النار ؟ وهل تأييد ما جرى ويجري من مجازر بحق الأبرياء من طلاب وطالبات مصر والزج بهم في السجون والقضاء على مستقبلهم من خلال قضاء أصبح أداة من ادوات الفرعون عمل من عمل اهل الجنة أم عمل من عمل اهل النار؟! وهل يكفي القول  أنك ما زلت على المنهج الوسطي ، والوفاء لقضية فلسطين والمقاومة ، وغير ذلك من الإدعاءات دليل يصلح الإعتماد عليه أم ان العمل يصدق ذلك أو يكذبه ؟
لقد دعانا في نهاية مقالته أن نعيد قراءة مقالاته ومقابلاته من أجل ان نفهم ما لم نفهمه حتى الآن, ويشكك كثيرا في أن نفهم ، وأنا أدعوه – كصديق مشفق عليه -  أن يعيد قراءة نفسه ومواقفه وسلوكه وفكره ومنهجه مرة أخرى  بل مرات، لأن قراءتنا وتحليلنا إن كان خاطئا – وأعتقد انه ليس كذلك – لا يرتد منه علينا الا أننا وقفنا في صف الأمة وإن أخطأنا الفهم ، أما هو إن كان موقفه خاطئا – وهو كذلك- ففيه وقوف امام الله وسؤاله عن الدماء المهراقة التي سالت من جباه الركع الساجدين ، والتي شارك صديقنا العزيز في التحريض عليها في مقالاته ومقابلاته – وهو يعلم حديث الرسول عليه السلام  :" لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً "  والإرتكاب يكون بالفعل والقول والتحريض والكتابة لقول النبي عليه السلام " لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ ؛ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ " .  ونحسب أن من أول الدماء التي سيُسأل عنها امام الله دماء أخت اولاده من الرضاعة وإبنة صديق عمره الشابة العفيفة الشريفة – حرة من حرائر مصر العزيزة - حبيبة عبد العزيز وإخوانها واخواتها ، وأختم بقول الله عز وجل " إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " . صدق الله العظيم