خبر : تستحي الأشجار منكم

الخميس 01 يناير 1970 01:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

تستحي الأشجار منكم

ترمقكم في شتائها وأنتم تغدون وتروحون من حولها، فتبتهج لمنظركم وتسعد لمرآكم وقد كسيتم بأجمل الملابس ‏وأبهجها، تغبطكم وأنتم ترتدون كلّ يوم حلّة جديدة وثوباً زاهياً قشيباً، تراقب بلهفة ذلك التنوع الفريد الذي ميّزكم ‏عن سائر خلق الله، تتدثرون بقطن ليّنٍ تارة وكتّان خشنٍ تارةً أخرى، تتسربلون بالأصواف والجلود والأوبار، ‏وتتزينون بحرير طبيعي هو أرقّ من بتلات الأزهار، وتطوّعون الألياف الصناعية للحصول على ما يأخذ بالألباب، ‏ويبهر العقول والأبصار. للفقير منها ما يستره وللغني منها ما يميّزه، للصغير منها ما يفرحه ويبهجه، وللكبير منها ‏ما يزيده هيبة ووقاراً وللمرأة حشمة واستتارا.‏
وفيما هي تقف عارية قد خبت فيها آثار الحياة، واضمحلت فيها كل لمسات الجمال، وبهتت ألوانها، وانتصبت ‏شاحبة سيقانها، إذ بفصل الشتاء يلملم شهوره وأيّامه مؤذناً بالرحيل ببرده القارس وزمهريره، ورياحه المزمجرة ‏وثلوجه، إنّه الربيع إذن فلتنتعش كل الأشجار، ولتتفتح بكل الألوان الأزهار.. ويتبدل الاصفرار بعدها بالاخضرار..‏
هي الأشجار ذاتها تلوّح لكم أنها في أجمل أيامها، وأسعد حالاتها، فهي ما عادت عارية بمنظر بشع كريه، ما عادت ‏عارية تتقزز من منظرها النفوس، ما عادت عارية تشي بالموت لا بالحياة.. إنها الآن تتدثر بأجمل كساء وتزهو ‏بأحلى غطاء، ومع الصيف كبرت أوراقها خضراء ناضرة، وامتدت أغصانها في الفضاء محمّلة بثمار يانعة قطوفها ‏دانية، كأنها أتت من جنّة عالية..‏
ولكن، ماذا دهاكم يا بني آدم؟ أين ما كنتم عليه من جمال وحشمة وبهاء؟ ما بالكم كأنّما أصابكم جربٌ ووباء؟ ما ‏الذي جرى لكم لتخلعوا عنكم ألبستكم وتتجرّدوا من ثيابكم كما الحيوانات الضالّة في براريها؟ أيّ صورة بشعة قميئة ‏لكم وأنتم تخلعون لباس الحياء والستر، أيّ منظر مقزز هذا وقد تكشَّفت جذوعكم وأطرافكم كما الخشب المسنّدة أو ‏جذوع الأشجار العارية الممدّدة..‏
أغرّكم إبليس وأغواكم كما أغوى أبيكم آدم وأمكم حواء من قبل (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما)؟ فيا لتعاستكم ‏وجهالتكم أيها العراة إذ (إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم).. يا لغبائكم وبؤسكم وأنتم تتشبهون بأهل النّار ‏العراة من كلّ شيء بعد أن يساقوا إلى جهنم زمراً من أرض المحشر التي يكون الناس فيها (حفاة عراة غرلاً) كما ‏ولدتهم أمهاتهم، فهم في النار عراة من الثياب إلا من (قطِّعت لهم ثياب من نار). ‏
إنّهم أيّها العراة لا يهنؤون بعريهم ولا يتلذّذون بنزع ثيابهم عنهم، فحتّى جلودهم التي تغطيهم وهم في جهنّم لا تبقى ‏عليهم طويلاً جزاءً وفاقاً أنّهم لم يستتروا طويلاً، ولم يُبقوا عليهم ثيابهم طويلاً إلا اتّقاء البرد في الشتاء، لا خوفاً من ‏خالق الأرض والسماء.. إن هذه الجلود تتبخّر في السّعير بوعيد الملك القهّار (سوف نُصليهِم ناراً كلّما نَضِجَت ‏جُلُودهم بدَّلناهم جُلُوداً غيرها ليذُوقوا العذاب).‏
وأيّ فطرة منكوسة تلك التي تجعل التعرّي عندكم متعة وميزة وحضارة، وقد أخبر الله تعالى أن من أهم مزايا الجنّة ‏خلوّها من العري والتّعري، وجعله صنو الجوع والتعب والشقاء بقوله: (إنّ لك ألاّ تجوع فيها ولا تعرى. وأنّك لا ‏تظمأ فيها ولا تضحى). كما جعل من أعظم متع الجنّة ثياب الحرير والإستبرق، إنها (جنّات عدن يدخلونها يحلّون ‏فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير). وجمال ساكنيها يزداد بما يعلوهم من زينة وثياب (عاليهم ثياب ‏سندس خضر وإستبرق وحلّوا أساور من فضّة). إنّها ليست كأيّ ثياب، فقد قال عنها رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: (مَن يدخلِ الجنَّةَ ينعَمْ لا يبأسْ. لا تَبلَى ثيابُهُ ولا يَفنَى شبابُه). صحيح مسلم
وأيّ غُبن وخفّة عقل تجعلكم تفرطون في ذلك الثّواب العظيم الذي رصده الله تعالى ترغيباً وتحفيزاً واحتفاءً بمن ‏اختار الصراط المستقيم، وتمسّك بصبغة الله التي صبغ النّاس عليها، فهو يحمد الله على نعمة السّتر والكساء، كما ‏يحمد الله تعالى على نعمة الطّعام والشّراب والماء، بنص الحديث الشريف: "مَنْ أكلَ طعامًا فقالَ: (الحمدُ للهِ الَّذي ‏أطعَمَنِي هذا ورزَقنِيه مِنْ غيرِ حَولٍ مِنِّي ولا قوةٍ )؛ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِن ذنبِه. ومَنْ لَبسَ ثوبًا فقالَ: (الحمدُ للهِ الَّذي ‏كَسَانِي هذا ورزقنِيِه مِن غيرِ حولٍ منِّي ولا قوَّةٍ)؛ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ". صحيح الترغيب للألباني، حسن لغيره
وفي المقابل فأيّ سفاهة وجراءة على النّار تجعلكم تتعرضون لغضب الجبّار، ونبيّه صلى الله عليه وسلم يحذّركم ‏قائلاً: "ما منِ امرأةٍ تضعُ ثيابَها في غيرِ بيتِ زوجِها إلاَّ هتَكتِ السِّترَ بينَها وبينَ ربِّها". صحيح الترمذي للألباني، صحيح
ومن جانب آخر فأيّ تخلّف وغباءٍ عند أولئك الذين يصوّرون الإنسان البدائيّ الأول (بزعمهم) شبه عارٍ، ثمّ هم ‏يضاهونه ولكن تحت شعارات ومسميّات كاذبة خاطئة آثمة تسوّغ لهم ذلك حريّة ورقيّاً وتقدّماً مزعوماً.‏
وأيّ انتكاسة لأولئك الذين أعزّهم الله بالدّين والعقل، ثمّ هم يسقطون طوع إرادتهم في مكائد اليهود، المروِّج الأول ‏والرئيس للعري والتّعري. أولئك الذين اخترعوا نوادي وشواطئ العراة، واحتكروا أكبر شركات الإنتاج السينمائي ‏التي تقف وراء أفلام الجنس والعري الفاحش، وهم الذين نشروا مجلات العري الفاضح، وأشاعوا ما يسمى ‏بمسابقات الجمال الملطّخة بالعري الفاحش، والذين يقفون خلف خطوط "الموضة" التي أطاحت بالحياء وأشاعت ‏العري، وطبّعت الأجيال بإفساد الذوق العام ومسخه. إنّ منهم "فرويد" الذي تقيّأ نظريات العهر التي أحالت الإنسان ‏بفكره السقيم حيواناً مسخاً أو ما هو أضلّ سبيلاً، ولا عجب ولا غرابة أن ينتمي ساسة الفساد والإفساد في الأرض ‏لهم. إنهم الذين يوقدون نيران الحروب، ويروّجون لكل ما يهدم الأخلاق ويشيع الفواحش والمعاصي والذنوب.‏
ثمّ أيا عجباً لأولئك الذين يخالفون عقولهم وفطرتهم فيعمدون إلى إحدى أشدّ وسائل التعذيب على النّفس بالتعرّي ‏والتكشّف المقيت، ألم يروا أنّ أسوأ مراكز الاعتقال والتعذيب في كلّ بقاع الأرض تلتقي على قاسم مشترك واحد ‏بين الذين يمارسون التعذيب الهمجيّ بحقّ نزلاء تلك السجون والمعتقلات ألا وهو تعريتهم والتنكيل بهم من خلال ‏تمزيق ثيابهم ونزع ملابسهم عنهم وكشف عوراتهم.. وما فظائع سجن أبو غريب وغوانتانامو ولا "سلخانات" ‏الطواغيت بشار والسيسي والمالكي عنّا ببعيد، وليس ببعيد عنهم كذلك سجون ومعتقلات اليهود المحتلين الذين ‏يلجؤون إلى "التفتيش العاري" لممارسة أشدّ أنواع التعذيب النفسي والجسدي بحق الأسرى والمعتقلين.‏
وأيّ اعوجاج واضطراب وانحراف لأولئك الذين لا يزيدهم ارتفاع حرارة الطقس إلا اقتراباً من نار جهنّم الأشدّ ‏حرّاً بنزوعهم الآثم إلى التخفّف ممّا يسترهم ويغطّيهم دون أن يردعهم ما يصيبهم من عقابٍ عاجلٍ بما ينتج عن ذلك ‏التعرض المباشر لأشعة الشمس من أمراض خبيثة كسرطانات الجلد الأكثر انتشاراً في أوساط العراة المتكشّفين.‏
تنقضي أيام وأشهر الصيف رغماً عنهم ويهجم الخريف برياحه العاتية. والأشجار التي ساءها ما رأته من عري ‏وتكشّف وإسفاف من ذلك المخلوق الذي كرّمه الله على سائر المخلوقات، ها هي تعيد الكرّة من جديد علّها تستعيد ‏أمجاداً لأجدادها الذين شهدوا السقوط الأوّل لأبي البشر –عليه السلام- في حبائل إبليس، العدو الأزلي له ولذريته ‏من بعده. يومها خلعت الأشجار أوراقها وأسقطتهم بين يدي أبينا آدم وأمّنا حواء المفجوعين بفعلتهم، المتخبّطين ‏بحيرتهم، المنكوبين بعريهم وانكشاف سوءاتهم.. إنها اليوم تضحّي بأوراقها الجميلة وقد احمرّت خجلاً ثم اصفرّت ‏ألماً على حال أكثر البشر.. فهي تلقيها إليهم وقد أشاحت بوجهها عنهم حياءً من فعلتهم، لسان حالها يقول: تغطّوا ‏بأوراقي وتدثّروا بها واخصفوا بها على عوراتكم وسوءاتكم.. لا يستخفنّكم الشّيطان وجنوده؛ يغرّونكم ويفتنونكم ‏ويمنّونكم الأمانيّ ليسخروا منكم ويضحكوا عليكم كي تكونوا معهم سواءً بسواء في دركات الجحيم عراة منبوذين ‏ملعونين مذمومين مدحورين.‏