الحرية في المفهوم الإسلامي

الأربعاء 23 نوفمبر 2016 01:40 م بتوقيت القدس المحتلة

الحرية في المفهوم الإسلامي

محمد البنا

حرية الأفراد جاء بها الإسلام، ودين الله ألغى التفاوت في الألوان والأحساب، وسوّى في الحقوق الإنسانية بين الناس جميعاً، بلا فرق بين مالك ومملوك، ولا تمييز بين الأسود والأبيض، الإسلام لا يقدر الإنسان إلا بمعارفه، ولا يعترف إلا بالقضية المعروفة (قيمة كل امرئ ما يحسنه) ثم نترك أصل ذلك كله من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن التاريخ يأثر أن أسامة بن زيد رضي الله عنهما كان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحبه كثيراً، وكان يقعده وهو صغير مع الحسن بن علي على ركبتيه ويلاعبهما، ويقبِّلهما، ويدعو لهما، فلما كبِر أسامة ورأى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم استعداداً لقيادة الجيوش أمَّره على جيش أرسله في السنة الحادية عشرة من الهجرة لفتح فلسطين، وكان أبو بكر وعمر في هذا الجيش تحت إمرته، لم يمنعهما ما يتمتعان به من منزلة بين الصحابة وما لهما من مقام رفيع بين المسلمين أن يكونا تحت قيادة هذا المولى الذي رفعته مواهبه إلى هذه المكانة.

ولما اضطر أسامة إلى العودة للمدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمرض سيده ومولاه، دخل عليه وكان مريضاً لا يتكلم، وقد ثقل عليه المرض، فجعل يرفع يده الشريفة إلى السماء ويضعها عليه علامة للدعاء حتى إذا لحق بالرفيق الأعلى وعلمت الأعراب،  نكصوا على أعقابهم مرتدين وخلعوا هذا الدين، فرأى أبو بكر رضي الله عنه أن أول واجب عليه هو الاهتمام بإخماد هذه الثورة قبل أن يتطاير شررها وتندلع نارها، فأنفذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبقى أسامة على رأس الجيش، وأمره بالزحف على الثائرين من  أهل الردة، ولكن بعض الأنصار دفعته الحمية أن يقول لعمر: قل لأبي بكر أن من الخير أن يولي أمرنا أقدم سناً من أسامة، فلما أبلغه الرسالة أخذ أبو بكر رضي الله عنه بلحيته، وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! استعمله رسوله الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني بعزله؟! ثم خرج أبو بكر حتى أتى الجنود وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة: «يا خليفة رسول الله لتركبنَّ أو لأنزلنَّ» فقال: «والله لا نزلتَ ولا ركبتُ، وما عليَّ أن أعبِّر قدميَّ ساعة في سبيل الله»!، ثم يتلطف أبو بكر مع أسامة عند رجوعه من توديع الجيش ويترفق في الحديث، ويطلب منه أن يكون عمر إلى جانبه وهو يكل إليه الأمر في ذلك إذ يقول: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، فأذن له بأن يبقى عمر بجانبه.

وإذا كان الشيء بالشي يذكر، فإنه يحسن بنا أن نعرض مزية أخرى من مزايا الإسلام تجلت في وصية أبي بكر رضي الله عنه لجيش أسامة، فإن هذه الوصية من أروع ما يهدي للجيوش، ومن خير الدلائل على أن الإسلام لا يريد عدواناً ولا تدميراً: قال أبو بكر رضي الله عنه في وصيته: «لا تخونوا ولا تغدِروا، ولا تغلوا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً وتحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً، وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له». 

اقتدى المنفِّذون الأول لهذا الدين بالسيد الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يأبهوا في إسناد الأعمال إلى الناس بلون ولا غيره، فقد جاء عمرو بن العاص رضي الله عنه لفتح مصر وبعث إلى المقوقس عظيم القبط وعامل ا لروم على مصر وفداً تحت إمرة زنجي هو عبادة بن الصامت ليتخابر معه في أمر الصلح، فلما قدم الوفد على المقوقس تقدم عبادة في صدر أصحابه، فهابه المقوقس لسواده وما وهبه الله من بسطة في الجسم، وقال: «نحُّوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني، فأجابوا: إن هذا أفضلنا رأياً، وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، و أمرنا ألا نخالف رأيه وقوله».

فقال المقوقس: «وكيف رضيم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، و إنما ينبغي أن يكون دونكم؟» قالوا: «كلا إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعاً وأفضلنا سابقة ورأياً وعلما، وليس ينكر السواد فينا« وحينئذ أذعن المقوقس لسماع أقواله وطلباته.

وعُبادة بن الصامت رضي الله عنه هذا من أكبر الشواهد على ما نحن بسبيله، فإنه مع لونه كان صحابياً جليلاً، شهد المشاهد كلها، وأرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مصدِّقاً يجمع بعض الصدقات، وأرسله عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد فتح الشام إلى حمص ليعلم أهلها القرآن ويفقههم في الدين، وروى عنه جماعة من أكابر الصحابة والتابعين، وهو أول من تولى قضاء فلسطين، وكل هذه الفضائل التي اجتمعت لهذا الزنجي شاهدة أن الله تسامت حكمته جعل دين الناس الذي ارتضاه لهم للإنسانية جميعاً، لا يختص بفضله لون ولا جنس، ولا سيد ولا عبد، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

لقد درج المسلمون برهم وفاجرهم على سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم، فلم يكن الرقيق عندهم من سقط المتاع، ولم يكن لون ليحط من قدر صاحبه، ولا رق ينقص من صلته بسيده. 

روى أبو الفرج الأصبهاني في أخبار عمر بن أبي ربيعة من كتاب «الأغاني» أن ابن أبي ربيعة حج في سنة من السنين، فلما انصرف من الحج ألفى الوليد بن عبد الملك وقد فرش له في ظهر الكعبة، وجلس، فجاءه عمر فسلم عليه وجلس إليه، فقال له أنشدني شيئاً من شعرك، فقال: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وقد تركت الشعر، ولي غلامانا هما عندي بمنزلة الولد وهما يرويان كل ما قلت، وهما لك، قال ائتني بهما، ففعل، فأنشداه قوله:

أمن آل نُعم أنت غاد فمبْكر            غداة غد أم رائح فمهجر

فاهتز الوليد وطرب، فلم يزالا ينشدانه حتى قام فأجزل صلته، ورد الغلامين إليه، فأي رق هذا الذي لم يمنع صاحبه أن يكون عند سيده بمنزلة الولد، وأن يرويِّه شعره، ويجعله أداة اتصاله بالخلفاء؟ إن الذين يلقون من أفواههم هذه الكلمات يرمون بها الإسلام بما ليس فيه، يتمادون في طغيانهم، ويعمهون في ضلالهم، يريدون أن يبلغوا من الإسلام غرضاً وما هم ببالغيه ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ولو أنصفوا لعابوا مدنيتهم هذه التي ارتكست ونكست المبادئ الإنسانية فأعادتها إلى أيامها الأولى. ولست أتركهم حتى أقيم الحجة عليهم من أعمالهم، وأبيِّن لهم كيف يعامل السود في بلاد تدِّعي أنها حامية الديمقراطية وحاملة لوائها:

روت صحيفة المصري في عددها الصادر في 31 مايو سنة 1949م أن معهد الشرق في أمريكا حجر حجرة في فندق بارك لإجراء مباحثات خاصة بين خبراء بمسائل الشرق، غير أن خادم الفندق ما كاد يرى الدكتور رالف بونش بين هؤلاء الخبراء حتى انبرى له ومنعه من الكلام لأنه أسود، ثم قررت إدارة الفندق إلغاء حجز الحجرة وإعادة النقود التي دفعت إلى المعهد، لأن الدكتور بونش زنجي لا يسمح له بارتياد مثل تلك الأماكن».

وكذلك يعامل البيض الزنوج بأمريكا بلاد الحرية التي تهيمن على مبادئ الإنسان وتزعم أنها سبقت الدنيا جميعاً في مضمار المدنية، وبذت الشعوب بأسرها في العدل والمساواة.

ولو خلت النفوس مما شابها من التحيز وما استولى عليها من الأثرة، لكان لها فيما أوردناه من الشواهد وما ضربناه من الأمثال خير دليل على أن الإسلام هو وحده دين الحرية، سبق الدنيا جميعاً إلى تقرير مبادئها، وتعهد أصولها حتى رسخت، وفروعها حتى نمت وترعرعت، وأن الرعيل الأول من المسلمين هم الذين جاهدوا في سبيل الحرية فنشروها في العالم عدلاً شاملاً، وحقاً كاملاً، وأنه لا صلاح للخلف إلا بأن يتبع آثار السلف، ويترك الاستبداد ويخلع الذل والاستعباد.

هذه أثارة من شرعة الإسلام، وهي كما تراها أرفع ما عرف الناس من قواعد الحرية العالية، ولن ينقذ الإنسانية التي تهوي بأهلها إلى قرار سحيق غلا أن تعتصم بها مما يساورها من الدمار، وما يعيث فيها من الخراب.

وإذا كان بعض المبطلين يحمل على الإسلام عن هوى وحقد وعن خوف وارتياع، لأنه يكبت أهواءهم، ويجتاح مآربهم، ويقضي على ما ألفوه من تسخير العقول والأحلام والنفوس والأجسام فستكون هذه الحملات من أقوى أسباب عظمة الإسلام وإظهار مزاياه، لأنها تحمل في ثناياها عوامل هدمها وقواعد بنائه، وقد يكون حسد الحاسد وبغي الحاقد من أقوى أسباب الرفعة وأمضى أسلحة النضال، وقد بدأت هذه الحملات التي يشنُها الناس على الرق في الإسلام تثمر ثمرتها لصالح الحق حتى يتم الله نوره ولو كره الكافرون، وظهرت آية الله الكبرى للوجود: فإن بعض أصحاب الفكر والرأي من بلاد المدنية الحديثة دفعتهم كثرة الإسلام في نقد الإسلام إلى أن يدرسوا الإسلام دراسة ثاقبة وافية مزق حجب الضلال، وتسفر عن نور الحق، وتنحسر أخيراً عن ترك دين واتباع دين، وكذلك يخدم الحق بأعدائه كما يخدم بأشياعه، والله وحده صاحب الأمر في العالمين.

ومن سوء حظ الإسلام أن يكون أهله وهم على ما هم عليه لا يصلحون للدفاع عنه، بل لا يصلحون لاحتمال هذا الدين والتبشير به، لأنهم ضعاف واهنون، تجاوز الضعف أجسادهم إلى أنفسهم وقلوبهم أعتقهم الإسلام من رق الرقاب، فقدموا رقابهم بأيديهم إلى ذل المناصب والأسلاب. وإنهم إما أن يكونوا مسلمين حقاً أو ليهيئن الله لدينه من يحمله ويحمل طابعه ويكون شعاره في هذا الدين والتبشير به شعار الأنبياء:[وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ] {هود:29} . 

فيدعون إليه ويجاهدون في سبيله ابتغاء وجه الله، لا طلباً للمنصب والمال، ولا طمعاً في الجاه والسلطان وإذا لم يساهموا في الإخلاص لهذه الشريعة ويتركوا حب الدنيا وراؤهم ظهرياً ليبعثوا للناس الأمان، فإن هذا الجو العاصف القاصف يوشك أن يطيح بهم ويستبدل بهم قوماً غيرهم.

إن هذه الشريعة هي وادي الأمان وركن السلام، فإما أن يكونوا لها، وإما أن يتركهم الزمان نسياً منسيا، ويقيِّض الله لدينه من يلجأ إليه اقرب مما يظنون، لأن هذه الأحداث الراجفة ستزلزل العقائد كما تزلزل الأبنية لتقيم على أنقاضها بناء جديداً وطيداً يجد فيه الخائف أمنَته، والعاني راحته، والبائس هناءته، والعالم كله عصمته وسعادته، وذلك وعد الله، وكان وعد الله مفعولاً.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

نقلاعن موقع مجلة لواء الإسلام العدد الثاني السنة الثالثة شوال 1368هـ  الموافق يوليه 1949م.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة