أمة الإسلام بين الصعود والهبوط

الإثنين 25 أبريل 2016 11:56 ص بتوقيت القدس المحتلة

أمة الإسلام بين الصعود والهبوط

د. راغب السرجاني

سنة قيام وسقوط الأمم
بعد وصول المسلمين في الأندلس إلى هذه المرحلة من الضعف والتفتت والهوان هناك تعليق عام وتحليل، واستراحة على طول طريق الأندلس منذ الفتح وحتى هذه المرحلة، نستجلي فيه سُنَّة من سنن الله I في كونه بصفة عامة، وفي الأمة الإسلامية بصفة خاصة، وهي سُنَّة قيام وسقوط الأمم، وسُنَّة الارتفاع والهبوط، تلك التي لوحظت بشكل لافت في الدولة الإسلامية خاصة.

وحقيقةُ الأمر أنه منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، بل حتى قيام الساعة، اقتضت سُنَّة الله في الأمم والحضارات بصفة عامة أن تقوم ثم تسقط وتزدهر ثم تندثر، فمن سنن الله تعالى أن كانت هناك قوانين اجتماعية وإنسانية عامة تتصل مباشرة بضبط مسيرة الحياة الإنسانية ومسيرة الأمم والشعوب، فإذا ما التزمت الأمم والحضارات بهذه القواعد دامت وكانت في خير وسعادة، وإذا حادت عنها لقيت من السقوط والاندثار ما هي أهل له؛ قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].

وليست الأمة الإسلامية بمنأى عن هذه السنن الكونية، فمنذ نزول الرسالة على رسول الله r والدولة الإسلامية تأخذ بأسباب القيام فتقوم، ثم تحيد عنها فيحدث الضعف ثم السقوط.

أمة الإسلاموأسباب قيام الدولة الإسلامية كثيرة على نحو ما ذكرنا فيما مضى، والتي كان من أهمِّها:

الإيمان بالله والاعتقاد الجازم بنصرته وقدرته.

الأُخوة، والوحدة، والتجمُّع ونبذ الفرقة.

العدل بين الحاكم والمحكوم.

العلم، ونشر الدين بين الشعوب.

إعداد العدة، والأخذ بالأسباب

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}[الأنفال: 60].

فإذا أخذ المسلمون بهذه الأسباب فإنهم سرعان ما يقومون، وغالب الأمر يكون القيام بطيئًا ومتدرجًا، وفيه كثير من الصبر والتضحية والثبات، ثم بعد ذلك يكون القيام باهرًا، ثم يحدث انتشار للدولة الإسلامية بصورة ملموسة، حتى تُفتح الدنيا على المسلمين، وهنا يصبر القليل على الدنيا وزينتها ويقع الكثيرون في الفتنة.

«إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ»[1].

ومن جديد يحدث الضعف فالسقوط، وعلى قدر الفتنة بالمادة والمدنية يكون الارتفاع والانحدار، والسقوط والانهيار.

فقه عمر بن الخطاب في مقاومة الفتنة

وأمر الفتنة هذه هو الذي فقهه عمر بن الخطاب  في سنة (17هـ=735م) حينما أمر بوقف الفتوحات في بلاد فارس، في عمل لم يتكرَّر في تاريخ المسلمين، إلا لدى قليل ممن هم على شاكلته، وذلك حين فُتحت الدنيا على المسلمين وكثرت الغنائم في أيديهم.

خاف عمر بن الخطاب  أن تتملك الدنيا من قلوب المسلمين، وخشي أن يُفتَنوا بالدنيا ويخسروا الآخرة فيخسروا دولتهم، وكان همه أن يُدخل شعبه الجنة، لا أن يُدخله بلاد فارس، إذا كان دخول فارس على حساب دخول الجنة، وقال : وددت أن بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا[2]. ولم يعد  إلى مواصلة الفتوح إلا بعد أن هجم الفرس على المسلمين، وخاف على المسلمين الهزيمة والضياع.

والأمة الإسلامية تنفرد بأنها أمة لا تموت ودائمًا في قيام، فإذا سقطت أتبع السقوط قيام، أما ألا يُتبَع السقوطَ قيامٌ فهذا ليس من سنن الله مع المسلمين، ولا يحدث إلا مع أمم الأرض الأخرى غير الإسلامية، تلك الأمم التي يغلب عليها سقوط واندثار لا يتبعه رجعة، حتى وإن طال أجل القيام والازدهار، ومن أصدق الأمثلة على ذلك حضارة الفراعنة، واليونان، وإمبراطوريتي فارس والروم، وإمبراطورية إنجلترا التي لا تغرب عنها الشمس.. وهذه السُّنة الكونية يمثلها قوله تعالى: {كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21]. وقوله: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]. ومما يُثبت سُنَّة الله هذه في الدولة الإسلامية قول رسول الله : «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»[3].

فمعنى هذا أنه سقوط، ومن بعد السقوط ارتفاع وعلوٌّ، وهذا الارتفاع سيكون على يد مجدِّد أو مجموعة مجدِّدين، وهكذا إلى قيام الساعة.

والتاريخ الإسلامي مليء بمثل هذه الفترات، ففيه الكثير من أحداث الارتفاع والهبوط، ثم الارتفاع والهبوط، ولم يكن هذا خاصًّا بتاريخ الأندلس فقط؛ بل إن صحابة رسول الله  شاهدوا ذلك بأعينهم، فبعد وفاته  مباشرةً حدث سقوط ذريع وانهيار مروِّع، ورِدَّة في كل أطراف جزيرة العرب، التي لم يبق منها على الإسلام سوى مكة والمدينة وقرية صغيرة تسمى هجر (هي الآن في البحرين).

وبعد هذا السقوط يحدث قيام عظيم وفتوحات وانتصارات، كان قد جدَّد أمرها وغرس بذرتها أبو بكر الصديق  بعد أن أجهز على الردَّة، ثم فُتحت الدنيا على المسلمين في عهد سيدنا عثمان بن عفان ، فحدثت الفتنة والانكسارات في الأمة الإسلامية؛ مما أدَّى إلى مقتله  وهو الخليفة الراشد وصاحب رسول الله ، وظلَّت هكذا طيلة خلافة سيدنا علي بن أبي طالب .

ومن جديد يستتبُّ الأمر، وتقوم الدولة الأموية وتستكمل الفتوح، ثم فترة من الزمان ويحدث سقوط آخر حين يفسد أمر بني أمية، وعلى أَثَره يقوم بنو العباس فيُعيدون من جديد المجد والعزّ للإسلام، وكالعادة يحدث الضعف ثم السقوط، وعلى هذا الأمر كانت كل الدول الإسلامية الأخرى التي جاءت من بعدها، مرورًا بالدولة الأيوبية وانتهاءً بالخلافة العثمانية الراشدة، التي فتحت كل شرق أوربا، وكانت أكبر قوة في زمنها.

فهي إذًا سنة من سنن الله تعالى، ولا يجب أن تَفُتَّ في عضد المسلمين، ولا بُدَّ للمسلمين من قيام بعد سقوط، كما كان لهم سقوط بعد قيام، وكما ذكرنا سابقًا فإنه ليس بين الله I وبين أحد من البشر نسب.

«يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»[4].

فإن ضلَّ المسلمون الطريق، وخالفوا نهج نبيهم؛ فستكون الهزيمة لا محالة، وسيكون الانهيار المروِّع الذي شاهدناه في الأندلس، والذي نشهده في كل عهود المسلمين.

واقع العالم الإسلامي المعاصر

المرحلة التي يعيشها المسلمون الآن وتصنيفها:

قد يتساءل المرءُ: ما هو تصنيفنا كمسلمين في هذا العصر وفقًا للمراحل السابقة ما بين الارتفاع والهبوط، أو القيام والسقوط؟

وواقع الأمر- وكما هو واضح للعيان- أن الأمة الإسلامية تمرُّ الآن بمرحلة من مراحل السقوط؛ سقوط كبير وضعف شديد وفرقة للمسلمين، سقوط مباشر لسقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي، وهو أمر طبيعي ودورة طبيعية من دورات التاريخ الإسلامي، وسُنَّة من سنن الله تعالى كما رأينا.

إلا أن مرحلة السقوط الأخيرة هذه قد شابها أمران لم تعهدهما الدولة الإسلامية، ولم يحدثا من قبل في مراحل سقوطها المختلفة:

غياب الخلافة

إذ حدث ولأول مرة في التاريخ أن يُصبح المسلمون بلا دولة واحدة تجمعهم، فرغم ما كان وما يكون من السقوط والانهيار على مدى فترات الضعف التي مرت بها الأمة الإسلامية، إلا أنه لم تكن لتغيب صورة الخلافة عن الأذهان بحالٍ من الأحوال، منذ الدولة الأموية في القرن الأول الهجري، وحتى سقوط الخلافة العثمانية في القرن الرابع عشر الهجري؛ حيث كان الإسلام سياسيًّا (دين ودولة) طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان.

غياب الشرع الإسلامي

فلم يكن -أيضًا- في أيٍّ من عصور السقوط السابقة للدول الإسلامية، مع ما يصل المسلمون إليه من تدنٍّ وانحدار لم يكن قطُّ يُلغى الشرع أو يغيب، نعم قد يُتجاوز أحيانًا في تطبيق بعض أجزائه، لكن لم يظهر على الإطلاق دعوة تنادي بتنحية الشرع جانبًا، وتطبيق غيره من قوانين البشر مما هو أنسب وأكثر مرونة على حسب رؤيتهم.

وإن مثل هذين العاملين ليجعلان من مهمة الإصلاح والتغيير أمرًا من الصعوبة بمكان، ورغم ذلك فإنه وكما أوضحنا ليس بمستحيل؛ لأن المستحيل هنا هو التعارض مع سنن الله I التي تقول بأن دولة الإسلام في قيام حتى قيام الساعة.

مبشرات قيام الأمة الإسلامية

الإسلام قادموهناك من المبشِّرات نحو قيام الدولة الإسلامية الآن الكثير والكثير، فمنذ سقوط الخلافة العثمانية سنة (1342هـ= 1924م) كان قد حدث انحدار كبير -ولا شك- في معظم أقطار العالم الإسلامي، إن لم يكن كله (بعد سقوط الخلافة العثمانية أُقيمت الدول العربية عدا السعودية على أساس علماني شبيه بالدول الغربية)، وظلَّ هذا الوضع حتى أوائل السبعينيات، ثم كانت الصحوة في كل أطراف الأمَّة الإسلامية في منتصف السبعينيات وإلى يومنا هذا.

ونظرة واحدة إلى أعداد المصلين في المساجد خاصة الشباب، وإلى أعداد المحجبات في الشوارع في كل أطراف العالم الإسلامي، وانتشار المراكز الإسلامية في كل بلاد أوربا وفي أميركا، والصحوة الجهادية في البلاد المحتلة مثل فلسطين والعراق والشيشان وغيرها، وحال الإسلام في جمهوريات روسيا السابقة بعد احتلال نصراني وشيوعي دام لأكثر من ثلاثمائة عام، نظرة واحدة إلى مثل هذه الأمور وغيرها يُبَشِّر بالقيام من جديد.

[1] الترمذي:  2336 وقال: هذا حديث صحيح غريب. وأحمد 17506، وابن حبان 3223، والحاكم:

[2] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/498، وابن الأثير: الكامل في التاريخ، 2/382.

[3] أبو داود: كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة 4291، وقال: رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني لم يجز به شراحيل. والحاكم 8592، وقال الألباني: صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة 599.

[4] البخاري: كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب 2602، ومسلم: كتاب الأيمان، باب في قوله تعالى: ?وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ? 204

نقلاً عن موقع قصّة الإسلام