التوبة وتأخر النصر

السبت 30 أبريل 2016 09:51 ص بتوقيت القدس المحتلة

التوبة وتأخر النصر

حسين عفيف

أورد الإمام الطبري –رحمه الله تعالى- في تفسيره قصة مفادها أن موسى عليه السلام خرج مع قومه، يستسقون الله فزاد قحط السماء، فعجب نبي الله لذلك، فعلم أن بينهم عاصٍ لله عز وجل يبارزه بالمعاصي أربعين سنة، وبسببه منعوا القطر، فأخبر كليم الله قومه السبعين ألف بخبر السماء، وأنهم إنما منعوا القطر بسبب عصيان فرد منهم، فتنبه العاصي لنفسه وأنكفأ على ذاته معاتباً ومعلناً لتوبته بينه وبين مولاه عز وجل، فانفرجت الكربة، وهدرت السماء، ونزل القطر، وارتوت الأرض، وبعيداً عن إنكار بعضهم لصحة هذه القصة حيث إنها من الإسرائيليات، فإني قد تأملت في هذه القصة في مدار معنى له أصل من كلام الله عز وجل، حيث يقول ربنا الكريم عز وجل في كتابه: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} [النحل: 61]، حيث إنه سبحانه لا يعاجل عباده بالعقوبة، ولكن يؤخرهم بحلمه لعلهم يتوبون إليه، كما أن معصيتهم لا تضرهم فقط، بل ضررها عام على كل المجتمع، وقد أورد الإمام البغوي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية أن أبا هريرة رضي الله عنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: "بئس ما قلت إن الحبارى تموت في وكرها بظلم الظالم". وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن الجُعل لتعذب في جحرها بذنب ابن آدم".
وقد قال ربنا تبارك وتعالى كذلك : {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41]، وهذه الآية واضحة بأن فساداً في معاش الناس وأقواتهم يطولهم بسبب عصيانهم وبعدهم عن الله عز وجل، والحكمة من ذلك أن يذيقهم سبحانه عقوبة بعض الذي عملوا {لعلهم يرجعون} فيتوبون ويؤوبون، {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} [الشورى: 30].
قرأت لبعضهم إنكاراً شديداً وتعنيفاً مع تأصيل وتقعيد وذلك على من يقول بأن من أسباب تأخر نصر الأمة ذنوباً ومعاصي اقترفها آحاد منها، ويرد التأخر إلى أسباب مادية، وعسكرية فقط. إني أعجب من هذا الكلام عجباً شديداً ولا أظنه إلا من طغيان المادية على حياتنا، حيث إنه قد تظافرت الآيات والأحاديث مبينة وموضحة بأن الذنوب والمعاصي شؤم، وشؤمها لا ينعكس على صاحبها فقط بل يتعداه إلى المجتمع والأمة ككل، وقد فطن لهذا سادتنا الأولون، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول لجند القادسية في وصيته العمرية الخالدة مخاطباً قائدهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليست كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا لن ننصر عليهم بفضلنا ولن نغلبهم بقوتنا".
أيها الأفاضل: إنني هنا لا أنكر أهمية التخطيط العسكري، وبذل الأسباب المادية المطلوبة، ودورها المساعد في النصر، إلا إنني أحب أن أركز على سبب رئيس في تأخر النصر، وهو الذنوب والمعاصي.
إن الله –عز وجل- المنعم المتفضل على عباده بأنواع النعم، التي لو أحصاها كل واحد منا في تفاصيل حياته لما أحصى لها عداً، لو أحسن إليك أحدهم مرة لوجدت له فضلاً عليك، فلو كررها ثانية وثالثة، لاستحييت من مقابلته ولما قدرت على الثناء عليه، ومكافأته، فضلاً عن أن تطلبه، فكيف برب جليل عظيم كريم يغدق عليك النعم ليل نهار دون سؤال منك! يا لسؤة ما نلاقيه سبحانه فبدل أن نثني عليه ونشكره، نبارزه بالعصيان، ونتمادى، وهو سبحانه يفسح لنا في آجالنا علنا أن نتوب إليه ونعود، ثم إنه يفرح بعودتنا إليه وتوبتنا.
إن الكنود معيب خاصة مع رب عظيم هذه صفاته، لكننا طبعنا على النقص، ونحتاج إلى من ينبهنا وقد أنعم الله علينا بأن نبهنا إلى بعض عواقب ما نعمل علنا أن نعود إليه ونرجع، ويالخسارة من لم تنبه الحوادث، والانتكاسات في حياته إلى أن يرفع أكفه بالضراعة إلى مولاه بأن يقبل توبته ويغسل حوبته..
يارب إن عظمت ذنوبي كثرة == فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسـن == فبمن يلوذ ويستجير المجـرم
أدعوك ربي كما أمرت تضرعا == فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلا الرجـا == وجميل عفوك ثم أني مسلـم
إن الأمة الإسلامية اليوم بمجموعها تحتاج إلى أن تنطرح بين يدي مولاها مقدسة لجلاله، سائلة إياه أن يتجاوز عما بدر منها، وهذا أقل القليل الذي يستطيع أن يبذله كل واحد منا في سبيل نصرة إخوانه المستضعفين والمضطهدين في كل مكان، فعيب والله وأي عيب أن يقتل إخواننا ويسامون سوء العذاب، ونحن في نفس هذه اللحظات في غينا سادرون، نتقلب في شهواتنا ونعصي الله عز وجل بنعمه.
أسأل الله عز وجل أن يبصرنا بالحقائق، وأن يتوب علينا، ويوفقنا لطاعاته ومراضيه، ويبعدنا عن مساخطه ومعاصيه، فالفضل له ومنه أولاً وآخراً.
إذا كان شكري نِعْمَةَ الله نعمةً == عليَّ له في مثلها يجبُ الشكرُ
فكيف وقوعُ الشكر إلا بفضله == وإن طالت الأيامُ واتصل العمر
إذا مس بالسراءِ عمَّ سرورُها == وإن مسَّ بالضراءِ أعقبها الأجر
وما منهما إلاّ لـه فيه مِنّـةٌ == تضيقُ بها الأوهامُ والبـرُّ والبحر
 
نقلاً عن موقع المختار الإسلامي

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة