أخذ الله للظالمين

الخميس 02 يونيو 2016 09:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

أخذ الله للظالمين

طه الساكت

عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) . قال ثم قرأ : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ  [ هود : 102 ] . رواه الشيخان .
المفردات :
الإملاء : الإمداد في الزمن والإمهال والتأخير ، مأخوذ من الملوة ، والملاوة ـ مثلثين ـ وهي الطائفة الطويلة من الزمن . وأملى للبعير أرخى له الزمام ووسَّع له في القيد ، ليتَّسع له المرعى . والملَوان الليل والنهار .
والظلم : وضع الشيء في غير موضعه . وفي المثل : » من استرعى الذئب فقد
ظلم « . وأصل الظلم : الجور ومجاوزة الحد . وهو ثلاثة أقسام تأتي .

وأفلته من الورطة ، وفلته : خلَّصه وأنقذه . وأفلت منها بنفسه ، وأفلتها ؛ تخلص . يتعدى ويلزم .

تمهيد :

لا نستطيع أن نفهم الحديث حقَّ فهمه ، ولا أن نُجلِّيه كما ينبغي له ، إلا إذا أوضحنا المراد » بالظلم « وكشفنا الغطاء عنه . ذلك أننا لا نكاد نفهم من » الظلم « عند إطلاقه إلا أنه انتهاك حرمات الناس والتعدي على حقوقهم . وهو على هذا الوجه شائع معروف في كتاب الله وسنة ورسوله ، وفي لغة العامة والخاصة . حتى قال الأستاذ الجزبرى رحمه الله في صدر كتابته على حديث الظلم والشح " : " كل الناس يعرفون معنى الظلم ، ويدركون معنى العدوان على الأنفس والأعراض والأموال والحقوق العامة والخاصة ، فإذا اعتدى أحدٌ على غيره في نفسه أو ماله أو عرضه ، أو سلبه حقاً من حقوقه فقد ظلمه ، ومن يفعل ذلك فقد خسر خسراناً مبيناً وكان عرضة للهلاك في الدنيا والآخرة " . وهو – رحمة الله – منصف في حمل الحديث على هذا المعنى ؛ لأنه لا يكاد يحتمل غيره ، وإن كان ذلك في حقيقة الأمر نوعاً من أنواع الظلم ، على ما نوضحه .

الظلم مخالفة أوامر الله وتعدِّي حدوده :

ذلك بأننا نجد القرآن المبين ، وقد ذمَّ الظلم وأهله مائة مرة ونيفاً ، يطلق " الظلم " في أغلب الأحيان على معنى عام ، هو مخالفة أمر الله وتعدِّي حدوده التي حدَّ لعباده ، فيشمل كبائر الذنوب وصغائر أيا كان نوعها ومناطها .

الظلم ثلاثة أنواع :

ومن هنا نقل الراغب عن بعض الحكماء أن الظلم ثلاثة ؛ ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى ، وأعظمهُ الكفر والشرك والنفاق ؛ ولذلك قال : " إن الشرك لظلم عظيم " .

وظلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله : " وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين " .

وظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله : " فمنهم ظالم لنفسه " .

وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس ؛ فإن الإنسان أول ما يهم بالمعصية فقد ظلم نفسه وَعَدا عليها وعرَّضها لسخط الله عز وجل ، ولذلك قال الله تعالى في غير موضع : " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " .

و لا ريب أن من ظلم نفسه التي بين جَنْبيه كان لغيره ظلم ، وإن كان يجهل أو يتجاهل أنه ظالم لنفسه ؛ أنه يتجلى له ظلمه في صورة المنفعة ، وتتمثل له نفسه في صورة الأخيار المصلحين ، وهكذا شأن الظالمين المجرمين .

ويؤيِّد هذا الذي نقله الراغب ما يُؤْثر عن علي  رضي الله عنه في بعض خطبه : " ألا وإن الظلم ثلاثة ؛ فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم مغفور لا يطلب . فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله ، قال الله تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " ،  وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهَنات( 1 ) ، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا . القصاص هناك شديد ، ليس هو جرحاً بالمُدى ولا ضرباً بالسياط ، ولكنه ما يستصغر ذلك معه .

المراد بالظلم في الحديث :

وواضحٌ بعد أقسام الظلم التي أوضحناها أنَّ المراد به في الحديث ما يشملها جميعاً ؛ من الإفساد في الأرض والتعالي فيها ، وانتهاك حرمات الله وحرمات عباده ، ويتناول ذلك أول ما يتناول الاستهزاء بالرسل وما جاءوا به ، وذلك أقبح الظلم وأشنعه . وهو – ولا ريب – دركات متفاوتة بتفاوت الظالمين في الشر والإفساد .

ويؤيِّد هذا المعنى العام الذي ذهبنا إليه ، استشهاده صلى الله عليه وسلم بالآية الكريمة في وعيد الظالمين وتهديدهم ، بأن عاقبتهم هي عاقبة المكذبين لرسلهم ؛ من قوم نوح وعاد وثمود ، وقوم ابراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وقوم موسى ، ومن إليهم . وقد أملى لهم الله فلم يزدهم الإملاء إلا عتواً وفساداً ، وبالغت الرسل في نصحهم فلم تزدهم النصيحة إلا بغياً وعناداً " فأخذهم الله بذنوبهم ومل كان لهم من الله من واق " .

إملاء الله للظالمين :

وإملاء الله للظالمين هو إرجاءُ عقوبتهم ، وإمهالهم إلى أجلٍ مسمَّى ، مع إمدادهم بالنعم وإمتاعهم بزهرة الدنيا وزينتها ، مكراً بهم وكيداً لهم ؛ ليزدادوا إثماً وبغياً وطغياناً وكفراً . حقَّ عليهم ذلك بما فسدوا من فطرة الله وكفروا بأنعم الله ، واغترُّوا بحلمه تعالى ، وما علموا أنَّ الله يستدرجهم من حيث لا يعلمون ، ثُّم يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون .

حكمته سبحانه في الإملاء :

ولعلَّ من حكمته تعالى في هذا الإملاء ، وله الحجة البالغة ، أن يُعذر إلى الظالمين، لئَّلا تكون لهم عند الله حجة ، ولا تنفعهم لديه معذرة . وعسى أن يكون في بعضهم أَثَارةٌ من خير ، فيتذكر ما قدمت يداه ، ويندم على ما فرط في جنب الله : " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون " .

هذا إلى ما كتب الله للأرض من أجل تبلغ فيه عمارتها ، وتأخذ فيه زخرفها وزينتها ، " ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " .

  جزاء الظالمين :

ومن العدل الإلهي ، وقد حرَّم الله الظلم على نفسه ، ووكَّد تحريمه على عباده ، أن يجعل عقابه أليماً ، وجزاءه وخيماً .

وقد قصَّ سبحانه من أنباء الظالمين ، أفراداً وأمماً ، ما فيه العبر الناجعة ، والعظات البالغة ، لمن كان له قلب أو ألقي السمع ؛ فصَّل أخذه للظالمين في مئين من آي الذكر ، وأجمله في غير آية منه .

" وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون . ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون " .

" فكلاً أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " .

فقدان الأمة عزتها :

وليس أخذ الله للظالمين مقصوراً على الإهلاك الحسي ، والتدمير المرئي ، بل إن من ضروب الأخذ ما هو أشد أثراً في النفوس ، وأفعل فتكاً في الأمم ، ألا وهو فقدان عزتها وذهاب قوميتها واستعباد الأمم لها حتى يهي بناؤها وتنفصم عروتها وتصبح مثلاً في الأذلين .

ومن الأدلة على هذا ما نشاهده من أن الأمة القوية إذا غُلبت على أمرها فإنها تُؤْثر الفناء على الاستعباد ، وتختار الهلاك في سبيل عزَّتها على البقاء في ربقة الذلة والهوان .

وما أحكم أبا الطيب إذ يقول :

ذَلَّ من يغبط الذليل بعيشٍ             رُبَّ عيش أخف منه الحِمام

ابتلاء الله الظالمين بالظالمين :

ومن ضروب الأخذ أن يبتلي الله ظالماً بظالم ، وينتقم من فاسقٍ بفاسق ، ثم ينتقم منهم جميعاً؛ وها هي ذي بلاء البغي والفجور ، لا تزال غارقةً في بحارٍ من الدماء ، هائمة في وديان من البؤس والشقاء ، بما اقْترفوا من الشهوات ، واجْتَرحوا من فنون الموبقات ؛ كما اعترف بذلك أساطينهم ، وأهل الرأي فيهم .

" ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله ، إن الله لا يخلف الميعاد " .

وليقرأ في قصص القرآن ، وفي تاريخ الممالك والدول ، وفي قضاء الله تعالى في بني إسرائيل وأشباههم – من شاء أن يتبيَّن قوله تعالى : " وكذلك نوليَّ بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون ".

افتراق الأمة أحزاباً وشيعاً :

ومن أنواع العقوبة على الظلم أن تفترق الأمة أحزاباً وشيعاً ، فيتصدَّع جمعها ، وتختلف كلمتها ، وتتشعَّب أهواؤها ، فيطمع العدو فيها ، ويهون عليه أمرها .

وهذا الذي أنزله الله بالأمة المحمدية لما ظلمت نفسها وحادت عن تعاليم نبيها .

روى البخاري عن جابر رضي الله عنه  : لما نزلت هذه الآية : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم  عذابكم من فوقكم " . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بوجهك ، قال : " أومن تحت أرحلكم " قال : أعوذ بوجهك : " أو يلبسكم  شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا أهون أو هذا أيسر.

حماية هذه الأمة من عذاب الاستئصال ببركة النبي صلى الله عليه وسلم :

وقد جمعت هذه الأمة من المنكرات ما تفرَّق في الأمم السابقة مما تستحقُّ على بعضه عذاب الاستئصال ، ولكن الله حماهم منه ببركة نبيِّهم صلى الله عليه وسلم ، فهل لهم في ذلك معتبر ؟

من مشؤوم الظلم :

ومن شُؤْم الظلم أن عقوبته تعم الظالمين وغيرهم ، يؤِّيد ذلك قوله تعالى : " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " .

وكذلك ما رواه الشيخان عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم ، إذا كثر الخبث .

أما بعد ، فهذا  بعض عقاب الله للظالمين ، على ما مَضَت به سنته ، وجَرَب به عادته . ولا ملجأ لهم من بطشه وأخذه . إلا أن يَثُوبوا إلى رُشْدهم ، ويكفُّوا عن ظلمهم ظلمهم ، ويؤدُّوا حقوق الله وحقوق عباده ، قبل أن يأتي يومُ لا تجزى نفسُ عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة . فإن لم يفعلوا فليصبروا على عذاب الله في الدنيا : " ولعذاب الآخرة أشد وأبقى "

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.


نقلاً عن موقع رابطة العلماء السوريين

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة