إدارة الصراع وفقه المقاومة

الثلاثاء 07 يونيو 2016 02:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

إدارة الصراع وفقه المقاومة

د. علي الصلابي

قال تبارك وتعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كثيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39، 40].

إن ما يحدث اليوم من تدمير وسفك للدماء، وتعدي على أدنى حقوق الإنسان في غزة الحبيبة؛ وصمة عار على بني الإنسان والمتشدقين بقيم العالم الحر من أصحاب القرار وممن لم يحركوا ساكنًا، بل عملوا على أن تستمر الإبادة الجماعية على مرأى من العالم لتزيدنا همًّا وغمًّا وحزنًا وكمدًا على ما نحن فيه من هموم وغموم.

إن طبيعة الشدائد والمصائب تفجر الطاقات الكامنة في هذه الأمة المستضعفة والشعوب المغلوبة على أمرها، ويزداد وعيها بأنها ما زالت سليبة الإرادة قرارها بيد أعدائها، لا نريد اليوم بهذه الوقفة أن نسب ونشجب وندين ونلعن، فقد كفانا هذا الأمر غيرنا، ولكننا نحاول نلتمس سنن الله وقوانينه في تحقيق النصر على الأعداء، وأن ندل الناس على حقائق قد تغيب في زحمة الأحداث، وهيمنة الإعلام المهيج للعواطف والمدمر للنفوس الحرة الأبية.

أيها الأخوة الكرام، إن قضية فلسطين هي قضية المسلمين والأحرار في العالم أجمع، ممن جبلوا على مقارعة الظلم والغصب، والاستعمار وأعوانه وخدمه، وليس الأمر كما يظن الكثيرون على أنه نزاع وصراع بين دولة الصهاينة الغاصبة ومنظمة حماس المجاهدة؛ بل الصراع هنا بين المشاريع المتضادة في العقائد والأخلاق والقيم والنظرة للحياة والكون والوجود، وسيستمر تفوق الأعداء علينا، والتحكم في مقدراتنا وسلب إرادتنا وإمكاناتنا ما لم نضع أيدينا على فقه إدارة الصراع، وعناصر القوة، وأسباب النصر وعوامل التمكين وهزيمة المحتل.

إن عدالة قضيتنا ووضوح حقنا الذي ندافع عنه، أوضح من الشمس في رابعة النهار، وأمتنا مستعدة للموت والتضحية وبذل الغالي والرخيص من أجل تحرير مقدساتنا وفك سجنائنا، ولكننا نفتقد للمشروع التحرري الحقيقي، ووضعنا آمالنا في من ينتمي لهذه الأمة باسمه ووسمه، أما مشاعره وأهدافه ونظرته، تكاد أن تكون جزءًا لا يتجزأ من رؤية خصومنا ومكرهم.

الطريق الصحيح لتحرير فلسطين

إن الطريق لتحرير فلسطين ورفع المعاناة عن شعبها، والخروج من المجازر الوحشية التي تقام للفلسطينيين بين كل حين وآخر، يحتاج منا للأخذ بالأسباب الآتية، والتمكن منها ولو طال الزمن:

1- البحث عن القيادة الحكيمة:

المستوعبة لثقافة عصرها، والمستمسكة بمعاقد دينها، والمتصفة وجوبًا بالصفات والأخلاق الحميدة التي لا بد منها، كالعلم والشجاعة والحزم وبعد النظر، والقدرة على التخطيط، والإدارة والتنظيم وتفجير الطاقات، وتوجيهها ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والمطلعة على حقيقة أعدائها وحقيقة قوتهم وعوامل ضعفهم، وأن تتميز بإيمانها بالله الذي لا يرقى إليه ريب ولا شك، وأن تكون لها تجربتها وحنكتها وخبرتها مستقيمةً على مقتضى الفطرة السليمة التي جبلوا عليها، بعيدة عن الخنا والفجور والرذيلة والزنا.

وأن تترفع عن أكل أموال الناس بالباطل، وأن تملك الرؤية الجلية الواضحة، وتتصف بنقاء الهوية، وكثرة التضرع إلى الله، وأن تكون أشد حرصًا على الشهادة في سبيله، ويتفق الناس على أهليتهم للاقتداء بهم والتأسي بأخلاقهم ومواقفهم.. لا يوالون أعداء الأمة، مستوعبين لفقه المصالح والمفاسد، ومتمكنين من أصول وموازين السياسة الشرعية، يوسدون الأمر إلى أهله، ولا يعملون على تصفية الطاقات وأصحاب الإمكانات، بل يحرصون عليهم وينزلونهم منازلهم.

2- قوانين الجغرافية العسكرية:

هناك قوانين جغرافية خضعت لها هذه الأمة في تحرير بيت المقدس، ولا يمكن للشعب الفلسطيني وحده التصدى للمشروع الصهيوني المدعوم من أمريكا وأوربا، وإنما يكون ذلك من خلال توحيد العراق مع بلاد الشام، وألا تسقط الكنانة مصر من الحساب؛ فالوحدة السياسية والفكرية والعقائدية والعسكرية والثقافية بين محور مصر والشام والعراق والأمة من خلفهم قاعدة أساسية وهدف استراتيجي لتحرير فلسطين، ولتحقيق هذا المقصد نحتاج لجهد عظيم من العلماء والمفكرين والساسة، والأدباء والشعراء ورجال الأموال المخلصين لأمتهم.

إن القائد صلاح الدين الأيوبي لم يستطع تحرير بيت المقدس؛ إلا بعد أن فهم واستوعب واستفاد من القوانين العسكرية للأرض، وقد سبق بالعمل على هذا المنوال، والاستفادة منه وتسخيره عقودًا من الزمن، امتدت من عهد نظام الملك الوزير الكبير في دولة السلاجقة، وأتت تلك الجهود ثمارها بعد ما يقارب من مائة سنة.

3- إعداد الجيش القوي المجاهد:

وخصوصًا في مصر، والشام وتركيا والعراق، وأن يكون هذا الجيش قد امتلك ناصية أفضل الأسلحة المتطورة في عصرنا؛ الكيميائي منها والنووي، لنتمكن من إرساء قاعدة الردع، وأن نتحرك وفق قوانين المغالبة المكافئة لما عند خصومنا وتجعلنا نتبوأ المكانة المرموقة اللائقة بين الأمم.. وأن يحسب العدو ألف حساب وحساب قبل التفكير بمجرد الاعتداء علينا، ولا غرابة في كل ذلك؛ فالإسلام دين يدعو إلى العزة والرفعة، ولا يرضى لأتباعه هذا الذل وهذا الصغار والهوان.

لقد حثنا ديننا على التسلح بما نستطيعه لنتمكن من مواجهة الضغوطات، وأن نستوعب المتغيرات المحيطة بنا؛ حتى يستطيع المسلمون حماية وتحرير أوطانهم من مخاطر الغزو الخارجي واختراقات الصف الداخلي، الأمر الذي ينطبق على المشهد الدامي اليوم مع الغزاة الغاصبون من اليهود والمحتلين من الصليبيين والأمريكان، وقد جاء هذا الأمر صريحًا في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].

لقد جاء الأمر هنا بالتسلح عامًّا، ولم تحدد الآية الكريمة نوعية السلاح، ومن المنطقي أن السلاح التقليدي في العصر الحديث لم يعد مصدر رهبة وخوف للأعداء مقارنة مع غيره من الأسلحة غير التقليدية، ولذلك فإن تملك وحيازة أسلحة الدمار الشامل وخصوصًا في ظل النظام العالمي المتسم بمنطق القوة والبطش والجبروت؛ أمر لا مناص منه إذا ما أريد لأمة التوحيد والإسلام أن يكون لها شأن بين الأمم، وهذا المطلب الشرعي ليرتقي إلى مستوى الفرض الكفائي، الذي إن قام به البعض بما يؤدي الغرض سقط وجوب التكليف به عن الباقين.

إن تملك المسلمين لأسلحة الدمار الشامل؛ يؤسس لوجود ما يمكن تسميته بتوازن الردع، وهو الوضع الأمثل الذي يمكن الخصوم والأنداد من التعامل بأكثر معقولية وأكثر جدية فيما بينهم.

إننا نرى الطيران الإسرائيلي يستبيح غزة، ويقذفها بالحمم والقنابل فتدمر البيوت والمساجد على أهلها، وتقتل الشيوخ والنساء والأطفال، والجرحى بالآلاف.. وأمة المليار لا تستطيع أن تصنع أو تمتلك صاروخًا لإيقاف هذه الغارات الظالمة الآثمة.. وقد سبق أن رأينا ماذا صنع الطيران الأمريكي ببغداد وكابل.

إن شعوبًا إسلامية تدمر وتعاني وتباد من هذا الإجرام الدولي، ولا ناصر ولا معين إلا الله سبحانه، ثم سعينا الدءوب للحصول على صواريخ تسقط هذه الطائرات الفاجرة الظالمة التي لا ترقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة.

فعلى العلماء والمفكرين والمثقفين تقع المسؤولية بأن يضيفوا لخطاب الممانعة والمقاومة، تقرير حقنا في الحصول عل الأسلحة الرادعة، وحث أصحاب القدرات والإمكانات من مهندسين ومخترعين لإيجاد هذه التقنية المهمة في صراعنا.

لقد بحت أصوات الشجب والتنديد والاستنكار، وستستمر الأحوال ما دامت هممنا وعقولنا وأفكارنا عاجزة عن إدارة الصراع المكافئ مع المشاريع الغازية الغاصبة.

إن امتلاكنا لأسلحة الردع بكافة أشكالها وأنواعها يحقق لنا وضعًا استراتيجيا وعسكريًّا مميزًا، ومكانة سياسية يهابها الخصوم والأعداء المتربصون الطامعون.. وقد آن الأوان لأن يستمسك الناس بمعاقد عزهم ورشدهم.

فعلى الشعوب المسلمة أن تضغط على دولها في اتجاه الانسحاب من المعاهدات الدولية التي تحظر علينا حيازة تلك الأسلحة، امتثالاً لقوله تبارك وتعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91].

إن التزام دول المسلمين بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لا يلزم منه أن يكون قيدًا أبديًّا على حرية المسلمين في التحلل من التزامهم بهذا الشأن[1].. فما دام الحصول على الأسلحة الرادعة وتملكها واجب شرعي، فالواجب على الشعوب المسلمة إلزام قيادتها الصالحة بتحقيق هذا الوجوب.

4- إحياء روح الجهاد في الأمة:

على زعماء الأمة وشعوبها أن تهتم بالتعبئة المعنوية في دولنا وتجعل الإسلام عقيدة وهوية ومرجعية لدولنا وجيوشنا، وتهتم بفقه الجهاد والحث عليه والترغيب فيه وشحن النفوس بمقارعة ومقاومة العدو الصائل، وصون الديار وحرمتها.. والعقيدة القتالية هي زاد وعدة كل جيش مقاتل جاد، فلا ينتصر جيش بدون معنويات، ولهذا فعلى الزعماء والعلماء والمفكرين أن يسعوا إلى زيادة هذه القوة ورفعها، وأن يكون الخطاب الإيماني العقائدي مقدم على غيره في هذه المصادمات مع المشاريع الغازية؛ ففي معركة عين جالوت نادى سيف الدين قطز بأعلى صوته "واإسلاماه"، فاجتمع له شتات الجيش بفئاته المختلفة؛ ذلك أن هذا النداء العقائدي أجَّج في نفوس القادة والجنود كل إمكانيات المقاتل المؤمن، وجعله يقدم نفسه طائعًا ملبيًا مضحيًا فدائيًّا باسلاً..، وعلى هذا النداء قاتل الجيش المملوكي قتال رجل واحد، فانتصروا على أكبر قوة في تلك الحقبة[2].

5- الاستفادة من تجارب التاريخ:

وخصوصًا من دروس المعارك الفاصلة في تاريخ الأمة، كالانتصار الكبير الذي حققه المسلمون في عين جالوت وما أعقبه من طرد المغول نهائيًّا في بلاد الشام ومصر، بعد أن اجتاح المشروع المغولي ديار المسلمين من بلاد ما وراء النهر.. وقد تمّ كسر المشروع المغولي على يد القائد المظفر سيف الدين قطز في عين جالوت عام 656هـ.

إن انتصار المسلمين في عين جالوت مدرسة عظيمة لفقه سنن المغالبة، والوقوف على قوانين إدارة الصراع؛ فقد عرفت قيادة المسلمين كيفية التعامل مع سنة الأخذ بالأسباب وإعداد العدة المستطاعة عملاً بقول الله المجيد: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]. لقد فهم قادة المعركة يومها أن أمر التمكين لهذا الدين والذود عن حياضه، يحتاج إلى حشد جميع أنواع القوى على اختلافها وتنوعها، وقد التزموا بتوجيهات هذه الآية العملية من خلال التدريب والتعليم والتخطيط والتنظيم.

لقد اهتم قادة المسلمين في مصر بتأهيل الفارس لكي يدخل الحرب وهو على أتم الاستعداد لها، وكان أغلب الملوك والسلاطين والأمراء من الفرسان المعدودين ومن الأبطال الشجعان، ولقد تمكنوا من استخدام جميع أنواع الأسلحة في عصرهم[3]، ولي كتاب في هذا الباب يعد للطباعة.

6- عبقرية التخطيط:

إن المعارك الفاصلة في تاريخ الأمم والشعوب؛ تحتاج إلى قادة من طراز خاص لهم القدرة على التخطيط والتنفيذ ومعرفة قوانين الحروب والمبادئ المهمة التي تلعب دورها في بلوغ النصر وتحقيقه.. فوضوح الرؤية والأهداف الاستراتيجية، وتجميع وحشد الجيوش على الاتجاهات الصحيحة لحسم المعركة، والضغط على الأعداء نفسيًّا ومعنويًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا، وتحقيق الضربات المفاجئة للخصوم، والسرعة الفائقة في الأعمال القتالية، والقدرة على جمع المعلومات من خلال مؤسسة استخباراتية أمنية قوية تخترق صفوف الخصوم والأعداء، وتحمي السياج الداخلي للشعوب والدول؛ بحيث تشل وتعرقل حركة الطابور الخامس.

7- بعد النظر السياسي:

إن الحرص على وحدة الصف الداخلي، وفتح مجالس الشورى في المجالات المتعددة لأهل الاختصاص، وتقديم رؤية مشتركة في كيفية المقاومة، وجمع الكلمة على منازلة العدو والتصدي للغزاة وتحرير البلدان المحتلة، ومعالجة مشاكل الشعوب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحرص على الانسجام بين القيادة وشعوبها، والعمل على تحقيق هذه الأهداف من خلال القيادة الرشيدة المؤمنة، والدعم الشعبي الغير محدود، واستيعاب الطاقات من خلال المؤسسات الأهلية والشعبية والحكومية، والعمل على تحييد واستيعاب بعض الخصوم، وإيجاد التحالفات الدولية والإقليمية، واجتناب فتح أكثر من جبهة قتال في آن واحد، واستيعاب فقه المصالح والموازنات، ودفع المفاسد والترجيحات، وفك الاشتباك بين السياسة الشرعية والمسائل العقائدية، وجعل جميع الخيارات مفتوحة كالخيار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي.

8- تفعيل دور العلماء والصالحين:

إن تاريخ أمتنا يسلط الضوء على حقيقة مهمة أصيلة راكزة؛ تتمثل في التنبيه على أهمية دور العلماء في إحياء حركات المقاومة، وتنشيط الجهود لنهوض وبناء الشعوب والدول.

لقد كان لفقهاء النهوض في الأمة -وهم غير الفقهاء التقليديين- دورًا خاصًّا يتميز بخوضهم وتعرضهم لمسائل الشأن العام، وتحملهم لمسئوليات البيان والتوجيه، والتعبئة والتحريض، وتقديم نماذج البذل والتضحية والعطاء والفداء.

لقد كان الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام، أنموذجًا رائعًا لهذا الصنف من فقهاء النهوض، وقد كان قريبًا محبًّا لسيف الدين قطز بطل عين جالوت وقائدها المظفر.. لقد تأثر قطز بتوجيهات الإمام العز والتزم أمره، واستفاد من عزيمته في الحق وقوته في الدين واستعلائه بالإيمان؛ فأخذ بفتواه الشهيرة المتعلقة بمصادر التمويل اللازم لإعداد ما يلزم للحرب والمواجهة، فعقد سيف الدين قطز مجلسًا للمشورة في قلعة الجبل وحضر قاضي القضاة بدر الدين حسن السنجاري والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكانت المسألة حول أخذ أموال العامة ونفقتها في العساكر، فقال الإمام العز: "إذا لم يبق في بيت المال شيء، وأنفقتم الحوائص الذهبية ونحوها من الزينة، وساويتم العامة في الملابس سوى آلات الحرب، ولم يبق للجندي إلا فرسه التي يركبها، ساغ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء؛ إلا أنه إذا دهم العدو، وجب على الناس كافة دفعه بأموالهم وأنفسهم"[4].

ويفهم مما تقدم أن المسلمين لم يكونوا يوافقون على فعل شيء أو دفع ضريبة إلا إذا أقرها علماء الإسلام وأصدروا الفتاوى بجوازها، وهذا يعني الخضوع لمرجعية الشريعة، ومن جهة أخرى فإن السلطان ملتزم بما صدر عن إفتاء العلماء، بل راح الأمراء ورجال الدولة يقدمون ما يملكون وأحضروا ما في بيوتهم من حُلي نسائهم وأموالهم، وأقسموا أنهم لم يتركوا شيئًا وذلك طواعية دون إرغام أو تهديد، وإنما استجابة لحكم الشريعة. ولما كانت هذه الأموال لا تقوم بالمطالب، استعان السلطان قطز بالرعية بعد أن تساووا جميعًا، وفرض إجراءات من أجل توفير المال اللازم للحرب، ومن ثَمَّ كانت الأموال التي أنفقها المسلمون في حرب التتار في موقعة عين جالوت أموالاً طيبة ساهمت في تحقيق الانتصار[5]، فكان السلطان سيف الدين قطز يقدر العلماء ويستعين بهم ويطلب مشورتهم في النوازل، وكان العلماء يقومون بدورهم الكبير في توعية الشعب، بالأخطار المحيطة به ويحرضونهم على طلب الشهادة والاستجابة لنداء الجهاد.

وهكذا تتهيأ أسباب النصر عندما يحدث التكامل والانسجام بين الحكام والعلماء، فتقوى جبهة المقاومة، وتنهض حركة التحرير، وتتحقق آمال الأمة بدفع العدو الصائل..

فالعلماء يقومون بحقوق الإمامة من البيان والدعوة والتعليم والهداية والإرشاد والمصابرة، والحكام والأمراء امتثالاً وطاعةً وتنفيذًا وحكمًا بالعدل، فيتم التعامل بين الراعي والرعية على قاعدة الشراكة في الطاعة لله والتلاحم في نصرة الشريعة، والذود عن الحياض، مع الاستعداد النفسي والانقياد القلبي الذي يشعر الناس بقيمة العدل والتكريم في حياتهم، الأمر الذي يسهم في سريان أنفاس الصلاح، وتعمق روح البذل والإخاء، ونبذ الفرقة والتنازع والمخالفة..

9- تشتيت جهود العدو الصائل:

عند اشتداد الصراع والقتال بين المسلمين وأعدائهم، كان قادة الأمة يحرصون على فتح أكثر من جبهة مع العدو، وكل ذلك يتضح بالأمثال؛ فبعد انكسار المغول في معركة عين جالوت، أراد هولاكو الانتقام من المسلمين في مصر فحشد الجيوش، إلا أن التنسيق بين الظاهر بيبرس وبركة خان ابن عم هولاكو -وكان قد هداه الله للإسلام- ساهم في خلط الأوراق، وإشغال هولاكو بجبهة جديدة فتحها ابن عمه عليه، ودخل في صراع دموي انتصر فيه بركة خان القائد المسلم المغولي على ابن عمه هولاكو الوثني، ولما حاصر الصليبيون القائد صلاح الدين في دمياط، أرسل نور الدين محمود بعوثًا كثيرة من الشام يتبع بعضها بعضًا، واغتنم غيبة الفرنجة عن بلاد الشام، فعمد إليهم في جيوش كثيرة، فجاس خلال ديارهم وغنم من أموالهم، وقتل من رجالهم، وعندما بلغ الفرنجة بدمياط ما فعله نور الدين اضطروا لترك دمياط[6].

فهل يفعل ذلك أمين عام حزب الله "حسن نصر الله"، الذي خاض حربًا مع الصهاينة في صيف 2006م، ويفتح جبهة لتخفيف الضغط عن إخوانه في غزة ولو بإطلاق بضعة صواريخ على حيفا وعكا، أم أن أحداث غزة ستثبت وتبين لنا أن التصريحات النارية ضد الصهاينة، والحضور اللافت في المشهد السياسي والإعلامي العربي والإسلامي؛ له أهداف وأغراض أخرى، وما هو إلا جزء من المشروع الإيراني الفارسي الذي سار في درب تقاسم غنائم العراق مع الأمريكان والصليبيين، وأن حزب الله في لبنان يتحرك بأجندة خارجية، ويستخدم كورقة ضغط من الأوراق التي تستخدمها إيران على الأمريكان للحصول على بعض المكاسب السياسية والاقتصادية في منطقة الخليج والعالم الإسلامي المنتهب؟!

أيها الأخوة الكرام، إن ما يحدث اليوم هو جزء من المشروع الصهيو صليبي الكبير، الموجه بالأساس إلى أمة الرسالة الإسلامية الخاتمة.. فإن سأل سائل عما صنعه المسلمون عندما واجهوا وتصدوا لأخطار ومشكلات مماثلة، ومشاريع وموجات استئصالية عاتية؛ فإن هذه الخطوط العريضة في فقه المقاومة وإدارة الصراع والتعامل مع سنن وقوانين الله في الوجود؛ هي الإجابة والفتوى والدليل عن هدي السالفين في رد الغادرين.

قال سبحانه وبحمده: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].

فيا أمة الإسلام الخالدة، لا تهني ولا تحزني.. وانهضي واعملي.. فالله معنا، فالبطولة سجية فينا، وحب التضحية والفداء يجري في عروقنا، لا تنال منه صروف الدهر، ولا تمحوه من نفوسنا أحداث الزمان.

لنا مكة والحرم لنا.. لنا المدينة بجبالها لنا..

لنا الشام وغوطتها التي سقيت بالدم.. لنا فيها الجبل الأشم..

لنا العراق وسهول فراتها.. لنا فلسطين بمقدسها وحرمها..

لنا مصر الكنانة لنا.. لنا ليبيا ببحرها ورمالها وجبالها لنا..

لنا المغرب كله بجباله وريفه لنا.. دار البطولات والتضحيات لنا..

لنا القسطنطينية ذات المآذن والقباب، لنا فارس والأفغان والهند وجاوة لنا..

لنا كل أرض يتلى فيها القرآن وتصدح مناراتها بالأذان.. لنا المستقبل، المستقبل لنا إن عدنا إلى ديننا[7].

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء: 105، 106].

--------------------------------------------------------------------------------

 [1] مشروعية أسلحة الدمار الشامل ص87.

 [2] معركة عين جالوت ص193.

 [3] المصدر نفسه ص250.

 [4] الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين ص120.

 [5] المصدر نفسه ص121.

 [6] الصلابي: صلاح الدين الأيوبي ص185.

 [7] بتصرف من قصص من التاريخ للطنطاوي ص26.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة