لماذا يستمر الطغيان

السبت 23 يوليو 2016 06:14 ص بتوقيت القدس المحتلة

لماذا يستمر الطغيان

د. محمد العبدة

عندما نتحدث عن الطغيان، يجب أن نتحدث عن أسباب وقوعه وأسباب استمراره، وفي حال هيمنته على الحياة السياسية والاجتماعية هل تتحقق إنسانية الإنسان؟

هو حديث في العمق السياسي، ونعني السياسة بمعناها الشرعي والعلمي، كما جاء في الحديث: ((إن بني إسرائيل كان تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء يكثرون)) والسياسة التي قال عنها ابن تيمية: "ودين الإسلام أن يكون السيف تابعا للكتاب والسنة، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك، كان أمر الإسلام قائماً " ويعني بالسيف هنا: الحكم وإدارة الدولة.

الطغيان ظاهرة بشرية، عندما لا يُسّير الإنسان الدين أو العقل، ولأن للأمر والنهي لذة أكبر من لذة الأكل والشرب والملبس والمسكن الأنيق، وقد عالج القرآن هذه الظاهرة عندما قص علينا قصة فرعون الذي يمثل قمة الطغيان السياسي، وكيف رد دعوة موسى - عليه السلام -، ذكر القرآن أن السبب في طغيان فرعون هو قبول الناس لهذا الاستبداد والخضوع اللامتناهي للسلطة، والسكوت عن ظلمها وبغيها، وقال - تعالى -عن قوم فرعون: ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين) (الزخرف/54) إذن هي القابلية للاستبداد، فقد يكون الإنسان في السجن عند نظام فاسد، ولكنه حر في قلبه، لا يتقبل الذل والهوان.

إنه القبول أو الرفض للطغيان، والسؤال هنا: كيف يمكن لهذا العدد الضخم من الناس في بلد من البلدان أن يتحملوا طاغية واحدا لا يملك من السلطان إلا ما قدمه هؤلاء من الطاعة المطلقة، وإلا ما أعطوه من القدرة على الأذى.

إن أسوأ أنواع الطغيان هو عندما تخضع العقول التي خلقها الله حرة لإرادة أناس مجردين من أي أخلاق أو كفاية أو إنسانية، وعندما يدرج الناس على هذه الحالة يألفوها وتصبح وكأنها طبيعة عادية، والفرد في هذه يعدها نعمة كبرى أن يأخذ الطاغية نصف أمواله ويشكره؛ لأنه لم يأخذها كلها، وفي هذه الحالة يربي الناس أولادهم ليسوقهم الطاغية إلى حروبه الخاصة التي تزيد من أملاكه وجرأته وحمقه، ويستغل الطاغية هذا الخضوع فيدمر الإنسان من داخله، ويمسخ شخصيته، ويبعده عن العلم النافع والثقافة المضادة للاستبداد.

وقد تنبه الصحابي القائد عمرو بن العاص إلى أن مصدر الطغيان هو قبول الشعوب له، وذلك عندما ذكر الروم أمامه قال: إن فيهم صفات حسنة ومنها أنهم أمنع الناس من ظلم الملوك.

ومن العوامل التي تطيل أمد الطغيان:

1- ترك إنكار المنكر والتساهل فيه، مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خصائص هذه الأمة، قال - تعالى -: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) وهذه الصفات يندر وجودها مجتمعة بغير الأمة الإسلامية. وقد طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين أن يقوموا بهذا الواجب في قوله: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) لأن عدم إنكار المنكر ولو بالقلب يفسد الحياة بكثرة المنكرات حين لا يدافعها أحد، والأصل أن يمارس المسلم حقه في إنكار المنكر باللسان وباليد بشروط معروفه عند العلماء، ولكن لنأخذ النوع الثالث وهو أضعف الإيمان، هل المجتمع الإسلامي يمارس هذا الواجب، قد يكون هذا السؤال مستغرباً؛ لأن بعض الناس يظن أن التغيير بالقلب هو أن تكره الشر فيما بينك وبين نفسك ولا ترضى عنه بقلبك دون أن يبدو عليك أدنى أثر لهذه الكراهية، والإنكار بالقلب دون أن يكون له مظهر ايجابي لا يسمى تغييراً، فلا يكون إنكار بالقلب إذا بقيت بشاشة الوجه مع الظالمين وإذا بقيت المجاملة لهم، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل تغيير المنكر بالقلب مرتبة من مراتب الإيمان وان كانت ضعيفة، إنكار المنكر بالقلب يعني رفض الظلم، يعني السكوت اللساني مؤقتا، حتى تحين الفرصة للجهر بالحق، إن كلمة (لا) القلبية هي اقتناع عميق بما يجب أن يكون، هي الالتزام بسلوك معين في المستقبل والاستعداد للدفاع عن المبادئ التي يعتنقها الإنسان، إنها ليست (لا) العادية لمجرد الرفض، ولكنها الايجابية التي تعني (نعم) للوجه الآخر، وجه الأمن النفسي والكرامة والعدل، يقول الإمام ابن حزم - رحمه الله -: " فلو اجتمع كل من ينكر بقلبه لما غُلبوا" ونحن نقول: فكيف لو اجتمع كل من ينكر بلسانه؟.

2- ثقافة الخوف: التعلق بالحياة أي حياة ولو كانت حياة الذل والهوان والاستعباد، هذا هو الذي يصيب الإنسان بالشلل والجمود ويجعله طعمة للآخرين، وهذا ما عناه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحذر منه عندما قال عن سبب تكالب الأمم على المسلمين هو ما سيقعون فيه من حب الدنيا وكراهية الموت. ووصف الذين يرضون بهذا بأنهم غثاء كغثاء السيل، أنه تشبيه ولا أبلغ منه في تصوير حال هؤلاء وخفة وزنهم بين الأمم[1]

في الحكم الاستبدادي يقع الناس أحيانا في خوف غير مبرر ويتحول إلى حالة مَرَضية، وهو الذي يؤدي إلى الحرص على حياة الذل، ويصبح وقت الإنسان في الكد والتعب وحشو معدته ودفء جلده، ولا يحدث نفسه أن هناك من يظلمه يقول الرئيس على عزت بيكوفتش: " إن أفضل طريقة لمقاومة البرودة الخارجية هي أن يجري الدم في الداخل، الشجاعة هي التي تأتي من الداخل، لماذا لا نتحدث عن الخسائر التي ألحقناها بأنفسنا "

ثقافة الخوف هي التي تجعل الأسرة توصي أبنها بأن لا يتدخل أبدا في أي عمل سياسي ولو كان لمصلحة البلاد والعباد، ويصبح اليأس في مقاومة الظلم هو المسيطر على الناس.

3- عدم تدبر القرآن

شنّع القرآن كثيراً على الظلم والظالمين، وفصّل في طرائق المستبدين في استعباد الناس، كي يكون المسلمون على حذر من هذه، الظاهرة البشرية ولا يسمحون للطغاة في التحكم في رقابهم، بل يجب عليهم مقاومة الاستبداد لأنه يفسد حياة الإنسان فكريا وأخلاقيا واقتصاديا، وقصة موسى - عليه السلام - مع فرعون هي أكثر القصص القرآني ورودا، وفيها تحليل لشخصية فرعون وقرن هذا الاستبداد السياسي والاستبداد المالي عندما ذكر قصة قارون لأنهما يتعاونان للسيطرة على الشعوب، وهذا ما نشاهده وتكشفت عنه الحقائق في كثير من الدول العربية حيث نهبت المليارات وضيعة الثروات، لأن الطاغية يعتبر أن الأرض والشعب ملك له: (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي) (الزخرف/5) وتحدث القرآن طويلا عن المال وأهميته وأنه من العوامل الأساسية لقيام الأمم والدول (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) ويؤكد القرآن أن الظالمين لا ينالهم عهد الله: (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) ( البقرة /124) والله - سبحانه وتعالى - لا يهلك القرى الكافرة إذا كان أهلها مصلحون (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) قال القرطبي في تفسيره: "أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى يضاف إليه سبب آخر، كما أهلك قوم شعيب ببخس الميزان وقوم لوط بفسادهم، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أشد وأصعب، وقوله - تعالى -أهلها مصلحون: أي فيما بينهم من يعطي الحقوق"

4- سكوت بعض طلبة العلم الشرعي أو بعض المشايخ عن الظلمة بحجة الأحاديث التي تدعو للطاعة وعدم المنابذة. ما أقام الحكام الصلاة. مثل حديث: ((لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)) وحديث: ((اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي ما أقام كتاب الله)) فاشترط إقامة كتاب الله، وهذا يعني إقامة شرعه وإقامة العدل، وهناك أحاديث تقول: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) وأحاديث الحث على إنكار المنكر، وأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده والجمع بين هذه الأحاديث وهو الأولى، وهذا هو الأصل مع تطبيقها على مقاصد الشريعة فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يطلب من المسلم الصبر عندما تكون الأمور في يد دولة إسلامية تقييم كتاب الله ولكن فيها أخطاء وهنات وظلم قليل لا تصطدم مع أصل الدين، هنا لا يثور المسلم لأي مشكلة طارئة فيعيش المجتمع في هرج ومرج وتعيش الأمة في الفتن والخلافات، وحتى في هذه الحالة فإن للمسلم الحق في إنكار المنكر وحق النصيحة وقول كلمة الحق، وهذا مثل الأحاديث التي تذم العصبية القبلية الجاهلية، والمقصود حيث تكون هذه العصبية على باطل أما إذا قامت للحق فلا ذم فيها كما جاء في الحديث: ((خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم)) والإسلام جاء لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان للإنسان، وتحريره من الشرك والظلم وأما قياس بعض الدول المعاصرة التي لا تقيم كتاب الله بل تجاهر في المعاصي والكبائر، وتحارب الدعاة والعلماء قياسها على دولة إسلامية قديمة تطبق الشرع والقضاء مستقل وتجاهد أعداء الإسلام وفيها إسراف في المال أو ظلم، وهذا قياس فاسد لا تقبله العقول السلمية.

نقلاً عن موقع المختار الاسلامي

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة