التربية تحت جرائم الاحتلال ... شعلة لن تنطفئ

السبت 06 أغسطس 2016 05:44 ص بتوقيت القدس المحتلة

التربية تحت جرائم الاحتلال ... شعلة لن تنطفئ

خباب الحمد

في زمن ماضٍ أوفد أحد ملوك النصارى في أوروبا جاسوساً في عصر الدولة الأموية في بلاد الأندلس؛ ليكون عوناً وعيناً لهم على المسلمين، وحتى يقيس مدى درجة إيمانهم وصلاحهم وكرههم لأعداء الإسلام؛ ولكي يتحسَّس أخبار المسلمين، فإن وجد فيهم ضعفاً وهواناً أخبر العدو الصليبي لكي ينقض على المسلمين كما ينقض النسر أو الصقر على فريسته !

لكنَّ ذلك الجاسوس فوجئ حينما رأى شاباً يبكي؛ لأنَّه أصاب تسعة أسهم في الهدف من عشرة، فأخبر العدو الصليبي بذلك، فقالوا: إن كان شباب الإسلام على هذه الشاكلة فيستحيل أن نغزوهم عسكرياً؛ ولكنَّنا سنغزوهم فكرياً ونضعضع محبة الإسلام والقيام بشعائره في قلوبهم وجوارحهم حتَّى نجد الحال قد اختلف عندهم، وحينها يمكن احتلال ديارهم بكل سهولة ويسر.

وبالفعل قاموا بذلك وعندما عاد الجاسوس بعد مدَّة زمنيَّة؛ لكي يتفقد أحوال المسلمين وجد شاباً يبكي لأنَّ حبيبته تركته، فذهب فرحاً جذلاً للصليبيين وقال لهم: إنَّ هذه هي الفرصة المواتية لقتال المسلمين، واحتلال أرضهم.

أحببت الابتداء بهذه القصَّة قاصداً إيرادها عن دور الكفَّار في اغتنام الفرصة لغزو المسلمين، وإفساد تربيتهم، وقياسهم للمؤشر العام في الصحوة الإسلاميَّة في قلوبهم، وآثار هذه الصحوة على أرض الواقع ودنيا الناس، والتنبيه على دور الكفَّار في محاولة إغراق المسلمين بالملهيات وتوافه الأمور؛ لكي يستطيعوا أن ينفذوا من خلالها لتحقيق مآربهم ونواياهم الاحتلالية الخبيثة.

* طرائق الأعداء في دراسة بلاد المسلمين التي ينوون احتلالها:

إنَّ العدو يبقى عدواً فلن يتوقع المرء من الصليبيين أو من الصهاينة أن يلقوا ببذور السلام، ويرفعوا أعواد الزيتون ويسلموا الأراضي التي احتلوها لأهلها، فهذا يستحيل والتاريخ خير شاهد على ذلك.

فلن يخرج الأعداء من البلاد التي احتلوها بدون أيَّة مقاومة شعبيَّة من أهلها، فالحقوق المستلبة لن ترد إلاَّ بالقوَّة، ولقد قال الإمام محمد البشير الإبراهيمي في آثاره :(الحقوق التي أخذت اغتصاباً لا تُسترجع إلاَّ غلاباً) ([1]).

لكنَّ العدو المحتل يحاول أن يغرس الكثير من الخطايا والأخطاء بين المسلمين، ويستغلها لمصلحته، ولهذا فلا غرو أن نجدهم يصطادون في الماء العكر، ويحاولون التفريق بين المسلمين وغيرهم؛ لكي يحركوا بذور الخلاف بينهم فيضخموها أكثر مما كانت عليه، وكذلك يرقبون أية حالة إحياء نهضوية تريد العودة بالبلاد إلى دين الله فيشرنقوها ويضيقوا عليها.

لقد ذكر البروفيسور الفلسطيني شاكر مصطفى في مقالة له بعنوان: "من الغزوة اليهودية إلى الصهيونية ومن الغزوة الصهيونية إلى اليهودية" أنَّ مجموعة من الباحثين اليهود باللغة العبرية (درسوا عصر صلاح الدين، وتعمقوا في هذه الدراسة، وأخضعوها للقواعد التي تخص العلوم الإنسانية اليوم، ويقولون هدفنا من هذه الدراسة معرفة الأسباب التي أوجدت صلاح الدين حتى نعمل على تطويل عمرنا على هذه الأرض بحيث نعمل على عدم وجود هذه الأسباب التي ستظهر صلاح الدين .

فدرسوا عصر صلاح الدين دراسة علمية، ودرسوا كل ما يخص الإنسان ونمط الحياة، ودرسوا المساجد، هل لها دور فنعطل مهمة المسجد إن كان هذا سيؤدي إلى إظهار صلاح الدين، حتى درسوا نداءات الباعة في الأسواق في عصر صلاح الدين، حتى يعرفوا كيف يفكر الناس ودرسوا الأهازيج التي تقوم الأمهات بإنشادها للأطفال على السرير قبل نومهم، وهل هذه الأهازيج لها دور في إظهار صلاح الدين، فدرسوا كل شيء عن حال الأمَّة)([2]).

فإذا كانت الحالة هذه، وخطط الأعداء واضحة تجاه بلاد المسلمين المحتلَّة، فإنَّ المراقب لتلك التجليات الصعبة سيأتيه شعور داخلي بمدى أهميَّة حاجة المسلمين للتربيَّة على منهج إسلامي متكامل ومتوازن، فالأمَّة الإسلاميَّة بشتَّى أشكالها وجماعاتها وروافدها الفكريَّة ونخبها الثقافيَّة لا بدَّ لهم من تربيَّة شموليَّة تعنى بزرع العقيدة والقيم والمفاهيم الإسلاميَّة لترسيخها في العقول، وتطبيقها في أرض الواقع .

خصوصاً عندما نعلم أنَّ أعداء الإسلام ما استطاعوا أن يحتلوا بلاد الإسلام ويسقطوا الدولة العثمانيَّة؛ إلاَّ لهوان الإسلام في قلوب كثير من منتسبيه، وابتعادهم عنه، وضعف تطبيق التوحيد بل الجهل العام بكثير من قضايا العقيدة الإسلاميَّة، وعدم تطبيق شرع الله بكامله، وعدم توحد المسلمين فيما بينهم، وانشغالهم بالجزئيات وتركهم للكليات، وحالة الضعف والتراخي في مواجهة العدو، والترهل الداخلي، والموات الجماعي، وكثرة الخلاف فيما بينهم، وبعدهم أولاً وآخراً عن الارتباط بالله تعالى، ولذلك يقوم العدو باغتنام هذه الفرصة لاحتلال تلك الأرض وضعف قدراتهم العسكرية والسياسيَّة.

فمن الحماقة أن يجد العدو أرضاً يستطيع الاستيلاء عليها بدون مقاومة ويتركها لكل من هبَّ ودب، بل يجب الاعتماد عندهم على (قانون الصدمة) لأهل تلك البلاد والقيام باحتلالها وهذا ما فعله العدو بالفعل، ولأنَّ العدو رأى الدولة العثمانيَّة قد ضعفت وتهاوت من الداخل وتعاضد أعداؤها من الخارج، فراق لهم وبكل يسر وسهولة أن يكسروا هذا المارد الإسلامي الكبير الذي كانت له الريادة والقيادة والسياسة في أزمان خلت وقرون مضت.

وبكل تأكيد فإنَّه لن يتم تحرير تلك الأراضي إلاَّ بعد صحوة أهلها من غفوتهم، وفرك أعينهم جيداً وهم يرون العدو يعبث بمقدراتهم ويراهم قد استولوا على كل شيء في أراضيهم، فتنبعث روح اليقظة الإسلاميَّة والعصبيَّة والحميَّة فيما بينهم وإدراك مخاطر العدو في احتلاله لبلادهم، وتغيير ما بالأنفس استعداداً لمواجهة العدو المحتل، فالله تعالى يقول :(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وبعد ذلك التغيير النفسي، فستكون الشعوب التي قام العدو باحتلال ديارها مهيَّأة للرد والجهاد لعدوهم بثورة مجلجلة على الباطل والمحتل، والله تعالى يقول:(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين).

إنَّ الخطورة تكمن داخل قلوب تلك الشعوب التي قام العدو باحتلالها، عندما تكون تلك القلوب ميَّالة للدنيا، وكارهة للموت، تخاف وترتعد فرائصها إن لقيت عدواً، وتكون قلوبها منخلعة إن واجهها فهي كرجل جبان تتجلجل بوادره فرقاً؛ لأنَّه خائف رعديد حينما يواجهه عدواً شرساً صنديد، ولا يذهب الخوف من القلوب المؤمنة إلا بتعظيم الخوف من الله فيصغر الخوف من العدو حتى ينمحي فضلا عن الاستعانة بالله وطلب الثبات منه سبحانه وتعالى لكي يبدأ (فوران الدم) من جديد وتتحرَّك العقول وتثبت القلوب لمواجهة ذلك العدو المحتل بشتَّى أنواع المواجهة.

·        استراتيجية التربيَّة تحت جرائم الاحتلال الغربيَّة:

قال الشاعر المسلم أحمد شوقي:

وما استعصى على قومٍ منالٌ  ---  إذا الإقدامُ كان لهم ركابا

في البلاد التي تنتشر فيها الحروب يشعر الآباء والأمهات الملتزمون بدين الإسلام والتربويون المخلصون لدينهم أهمية البناء التربوي للجيل الذي نشأ في جو الاحتلال، وخصوصاً حينما نستشعر أنَّ البلاد المحتلة والمنكوبة سيجد أهلها ضيقا في الوقت للقيام بالعملية التربويَّة بشكل منظَّم ودقيق.

وبما أني أتحدَّث عن واقع أعيشه في أرض محتلة (فلسطين المباركة)، وما أجده من ضرورة ماسَّة في نشر ثقافة فكرة (البناء التربوي) فإنَّ مدارسة هذه القضيَّة مدارسة جادة بين نخب الأمَّة المسلمة الفكرية والعلمية والثقافية قضيَّة ملحَّة للغاية، في تلك الدول التي قام العدو المحتل باحتلال أراضيها وما أكثرها !

ولو كشفنا الستار عن طبائع النفوس وحالاتها تحت البغي الاحتلالي الغاشم لبلادنا الإسلاميَّة فإنَّنا سنجد الوضع يختلف من بلد لآخر، بيد أنَّ هناك خيوط تماس، وأرضيَّة نستطيع أن نجتذب من خلالها قواسم مشتركة، وسنجد عدَّة ملاحظات حيال ذلك:

ـ تزايد حالة التدين والرجوع إلى الله في شدة الحرب والحصار، والتراخي فيها إن انخفضت وتيرة الحرب أو ضعفت، خصوصاً مع قلَّة الدعاة والعلماء، وإيداع كثير منهم في السجون والمعتقلات، أو خروجهم خارج البلاد بسبب الوضع الصعب الذي يعيشه أهلها.

ـ البلد المحتل يعيش فيه الناس عموما تحت مطارق الفقر وغلاء الأسعار والاحتكار.

ـ البلد المحتل تعيش فيه الشعوب في دوامة قلق، ونوع من الخوف الذي يصاحبهم صباح مساء.

ـ التماسك الاجتماعي بين الأقارب والتكافل بينهم، بسبب الأواصر الموجودة بين الشبكة الاجتماعية التي عانت من جرائم الاحتلال فليس من بيت إلاَّ وفيه شهيد أو جريح أو معاق أو مسجون أو مطارد، وذلك يستدعي نوعاً من التعاطف البيني من عموم المجتمع الذي يعاني من ذلك الاحتلال البغيض.

ـ تعدد الأديان والمذاهب والأفكار المتناقضة، ولهذا قد نجد نزاعات دينيَّة أو طائفيَّة أو مذهبيَّة وما شاكل ذلك يحاول أن يغرسها الاحتلال وبشكل غريب أو أصابع خفيَّة تُعنى بمثل ذلك للانتقام.

ـ تزايد حالات الأمراض النفسيَّة من وساوس وقلق وخوف وانهيارات عصبيَّة، وهموم نفسيَّة، وحالات صعبة بسبب إفرازات الاحتلال.

وهذا يتطلَّب أن يكون للمرء خلفيَّة ذهنيَّة، لكي يعرف الإشكالات التي تعاني منها الدول الإسلاميَّة التي تعيش تحت نير الاحتلال وعذابات البغي والإجرام، قضيَّة ذات أهميَّة، فالداء له دواء، لكنَّ تشخيص الداء وتحديده بدقَّة يسهل كثيراً من الوصفة العلاجيَّة المناسبة له.

·         نظرة في أقسام المجتمع الذي يعيش تحت حراب الاحتلال:

إنَّ ظروف عيش الناس تحت الاحتلال البغيض، لا شكَّ أنهَّا تؤثر عليهم في طريقة تعاطيهم مع هذا الجو المحتقن، وتفاعل الشعوب المحتلَّة مع الاحتلال يختلف، ونستطيع أن نقول: إن شرائح المجتمعات التي يؤثر عليها الاحتلال، تتكون من عدة أصناف:

-         فصنف يبغض الكافر المحتل، ويقوم بمقاومته كل وما يناسبه عسكرياً أو فكرياً أو اقتصاديا أو اجتماعياً.

-         وصنف يعتبره العدو المحتل (جاسوساً أو عميلاً) وهو ما يطلق عليه في الفكر الفلسطيني – مثلا  - (ظاهرة العملاء)، ومنهم من يعيش داخل السجون الصهيونية بعد أن أسقطهم الاحتلال في براثن شهواتهم، ويطلق عليهم الأسرى بـ :(العصافير) كناية عن نقلهم المعلومات من السجين للمحققين والضباط الصهاينة، وهؤلاء الجواسيس والعملاء هم سبب من أسباب نجاح المحتل في أي بقعة محتلة، وعليه فإنَّ هذا الصنف من الشعب يمكن أن يطلق عليهم بأنَّهم أولياء لليهود كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وهذه الفئة هي أخطر فئة على عموم المجتمعات المحتلَّة، لأنَّها تعرف خبايا هذه المجتمعات، وقد تتظاهر بالصلاح وما هي إلاً من مخلفات الاحتلال بل هي زراعة عضويَّة وجد فيها المحتل قابليَّة للارتباط به، ولهذا حينما درس الرئيس الهندي السابق (المهاتير غاندي) في أسباب هزيمة الشعب الهندي أمام المحتل البريطاني، عثر على وجود مشكلة في إرادة بعض الناس من الشعب الهندي للارتباط بالمحتل البريطاني، فقال كلمته المشهورة: (ليست البنادق البريطانية مسؤولة عن عبوديتنا قدر مسؤولية تعاوُننا الإرادي مع هذه البنادق).

-         وصنف يعيش لنفسه ويتحاشى إغضاب الكافر المحتل، وإن كان يتمنَّى أن يغادر المحتل أرضه ووطنه، لكي يعيش بأمن واسترخاء بال وهدوء فكر، ويهتم بماله ووظيفته، ومتجره وعمله ، ويحاول إن كان غنياً أو ثرياً أن يرفه عن نفسه كل سنَّة إلى الخارج، فالمهم أن يعيش بسلام.

والشاهد من ذلك أنَّ الشعوب تنقسم لأقسام مختلفة في نظرتها للكافر المحتل، وبناء عليه فإنَّ على الداعية العامل لدينه وأمَّته في تلك البلاد المحتلة، أن يعرف طبائع الناس وطرائق تفكيرهم، وكيفية التعامل معهم، ثم يضع الحلول المناسبة للتعامل مع كل منهم بما يفيد مجتمعه، لا أن يكون بعضهم كلاًّ أينما يتوجه لا يأت بخير لمجتمعه وأمَّته، فدور الدعاة وأهل التربية المناط بهم مهم للغاية، وذلك لإحياء الأمَّة وبعثها من جديد.

·        دور التربويين في زمن الاحتلال:

إنَّ على التربويين أن يربطوا الناس بمبدأ (الصد والرد) فالعدو الصائل عليهم لن تقنعه مفاوضات سلمية، ولن يكترث بتطبيع، فمقاومة الكافر المحتل أصل من أصول الشريعة الإسلامية، فهي أفضل سبيل لرد كيد المعتدي، والله للمظلوم خير مؤيد.

إنَّ العدو المحتل لن يحترم أمَّة لا يوجد عندها سبيل القوة، ومعدن الكرامة، وسبب الحياة والنجاة من بطش جنودهم، ولهذا فإنَّ المقاوم المسلم أو حتَّى المقاوم غير المسلم لن يرضى أن تنتهك حريَّته، متمثلاً قول الله تعالى: ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم) فالعدو لن تنفع معه إلاَّ لغة القوَّة والتصدي، ولا زلت أتذكر قصَّة حكاها المناضل الجزائري عبد الحميد مهري وملخصها: أنّ في بلاد الجزائر (كانت ثمة قرية صغيرة وفقيرة لا تكاد تملك من أسباب الحياة إلا النزر اليسير، ورغم ذلك كانت كلما توفر لها قطعة سلاح أو بعض طلقات البارود هاجمت قوات الاستعمار الفرنسي الرابضة على مداخلها.. وفي كل مرة تفعل ذلك كانت تُعاقَب بحملة تأديب وحشية، تقتل فيها قوات الاستعمار من يقع في أيديها من المقاومين، وتخرب بيوت القرية، وتفسد زرعها، وتقتل ماشيتها نكاية وتنكيلا بها.. ورغم ذلك لم تتوقف القرية عن هذه العادة؛ مهاجمة القوات الاستعمارية كلما تيسر لها سلاح وبارود ولو كان قليلا وبدائيًّا.

استدعى قائد القوات الاستعمارية شيوخ ووجهاء القرية وأخذ يحاول إقناعهم بعدم جدوى ما يفعلون، وشرح لهم كيف أن موازين القوى ليست لصالحهم، ومن ثَم فلا فائدة من هجماتهم، وكيف أن قواته من القوة بمكان لا تفلح معه طلقات البارود البدائية، وذكّرهم بأن القرية طوال سنوات الهجوم البدائي هذه لم تتمكن ولو من قتل جندي واحد من قواته المستعمِرة، وأنّ العقاب الذي تناله القرية والتنكيل الذي يقع بأهلها يحتم عليهم التفكير في جدوى هذا العبث!

وأمام منطقية كلام القائد الفرنسي وقوة حجته لم يستطع وجهاء القرية إلا أن يطلبوا منه أن يمهلهم يومًا أو يومين في الرد، وبعدها جاءوا إليه مسلّمين بحجته مقرّين بمنطقه؛ لكنهم رغم ذلك اعتذروا عن أنه ليس باستطاعتهم أن يوقفوا عادتهم في قتال الفرنسيين بكل بندقية قديمة يحصلون عليها أو بعض من طلقات البارود تتوفر لهم.. سألهم القائد الاستعماري عن السبب متعجبًا: فقالوا: "نخشى إن أوقفنا قتالكم أن تفسد تربية أبنائنا"!!) ([3]).

وهو أمر حقيقي فإنَّ الله تعالى يجمع قلوب الأمَّة في وقت الجهاد والنضال وتكون قلوب الناس جميعاً متعلِّقة بالله، ومنصاعة للأعراف والتقاليد الاجتماعية التي لا تخالف شريعة رب العالمين، فنجد حينها التلاحم والتكافل موجود فيما بينهم زمن الأزمة والحروب والاجتياحات العسكرية التي تحتل مدن وقرى المسلمين أكثر من ذي قبل، وأمَّا إن توقف الصراع والجهاد بين أهالي تلك المنطقة المحتلَّة  والعدو المحتل ؛ فإنَّنا سنجد كثيراً من الأمَّة المحتلَّة تركن إلى الراحة، وتخلد إلى النوم، ولربما تشتغل بالخلافات والصراعات الداخليَّة، مع ركونها إلى الدعة والترف والرفاهية والتي هي من أبرز أسباب سقوط دول بأكملها ، وقد نبَّه على ذلك القرآن الكريم حينما تناول هذه القضيَّة فقال تعالى:( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (سورة الاسراء:16).

وفي الحديث الصحيح الذي رواه عمرو بن عوف المزني، وأخرجه البخاري في صحيحه برقم:( 4015) حيث بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم قد صالح أهل البحرين وأمَّرعليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء). قالوا: أجل يا رسول الله، قال: (فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) .

فإذا كانت الرفاهية والانشغال بالملذات ومتع الحياة والرفاهية سبباً لسقوط الدول وهلاكها، وفناء الأمم وزوالها، فما بالنا إن كانت الدولة قد سقطت أصلاً حصونها أمام العدو، ودخلت جيوش العدو فيها وبقي كثير من أهلها في لهوهم ورفاهيتهم يرتعون، فأيَّة عزَّة وكرامة سيشعر بها ذلك الشعب الذي فقد هيبته، فاحتل بلده...

ولا يزال العدو المحتل يريد لتلك الشعوب أن تبقى في رفاهيتها وترفها، وقد يُسَهِّلُ لها مزيداً من الأجواء الترفيهيَّة، ومتع الحياة من اللهو واللعب والمراقص وكل ما لا يرضي الله تعالى، لكي يبقى الشعب غارقاً في لهوه، بعيد عن إعداد العدَّة لمواجهة عدوه المحتل، والعدو كذلك يهتبل ذلك (الموات الجماعي) للشعب الغارق في لهوه، ولربما يستغل السلام أو التطبيع ودعاوى (تخفيف الاحتقان بين الطرفين!)، إلاَّ أنَّ العدو المحتل في الوقت نفسه يقوم بشتَّى أنواع الإفساد لتلك الشعوب التي تقع تحت بنادق احتلالهم.

إن العدوَّ وإن أبدى مسالمةً  *** إذا رأى منك يوماً غرةً وثبا

ومع ذلك كلِّه فلن يهدأ العدو في ملاحقته لأهالي تلك البلاد التي رمت بسلاح المقاومة، بل حتى لو مالوا للدعة والركون والسكون والكمون والانبطاح والارتياح للأحاديث الملاح ولن يجعلهم العدو يعيشون الحياة الهانئة بل لا بد أن يعكر صفوهم ومزاجهم، ويقوم يومياً بالاعتقال للكثير من الشباب.

إنَّ هذا الوضع ماثل أمامنا في فلسطين حيث ضعفت المقاومة بشكل كبير عن بداية اندلاع شرارة الانتفاضة الثانية، ولا يزال العدو الصهيوني يعتقل في كل يوم وليلة الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني خصوصاً إذا علمنا أنَّ أكثر الفئات الفلسطينية استهدافاً من العدو الصهيوني هي فئة الشباب الذين يمثلون ما نسبته 52.2% حسب إحصاءات عام 2007م، ولا يزال العدو الصهيوني ومع ضعف بل تردي حالة المقاومة له في فلسطين ، وهو مع ذلك يقوم يومياً بجولات اعتقال وحملات حبس لشباب في ميعة الصبا وعمر الزهور تتراوح أعمارهم ما بين 16 و25 ويقوم بمساومتهم مادياً وأخلاقياً حتى يتم إسقاطهم في أتون العمالة والارتباط مع المحتل لخدمة المصالح الصهيونية وتدمير المجتمع الفلسطيني، وقد بدأ تركيزهم على ذلك من عام 2008م ولا يزال إلى هذا اليوم يقوم بحملات الاعتقال، مع أنَّه ليست هنالك في داخل الضفة الغربية مقاومة عسكريَّة تذكر في هذا المجال.

إنَّ هذا يستدعي أن يكون للتربويين عملهم الدؤوب في تربية الناس وخصوصاً الشباب بما يعصمهم بإذن الله من ضعف التدين، أو أن يكونوا عملاء للمحتل، أو الاعتراض على قضاء الله وقدره والسخط على ما يختاره ويشاؤه في تعامل المحتل معهم واعتقالهم تعسفاً وظلماً، والتأكيد على أهمية زرع القيم الإيجابيَّة بين الناس عموماً وفئة الشباب خصوصاً.

لقد قيل في المثل العربي: (إللي إيده في النار مش زي إللي إيده بالماء) ولن يتخيلَّ متخيل مدى ما تعانيه الشعوب التي قام العدو المحتل باحتلال أراضيها من حياة مزرية وهم يشاهدون جنود المحتل يمشون في أراضيهم، ويفعلون بأهل تلك البلاد ما يريدون ويتحكمون في جميع وسائل القطاع الحكومي أو الخاص، ويرونهم وهم يهدمون بيتاً، أو يقصفون عمارة، أو يغتصبون أرضاً، أو يعتقلون نساءهم وذراريهم، وقلَّة قليلة تقاومهم عسكرياً وهم مع ذلك مطاردون بعيدون عن أهلهم وديارهم، وحتَّى لو عاشوا معهم فلا يكادون يرونهم إلاَّ النزر اليسير، مع إحكام العدو المحتل في حصار المناطق التي لربما يجدون فيها نوعاً من حياة المقاومة وإغلاق المعابر، يستذكر المؤمن حينها قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْـخَوْفِ وَالْـجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 - 157].

إنَّ الشعوب التي ترزح تحت نير الاحتلال كالعراق وفلسطين تتخطَّى درجة الفقر والبطالة فيهما لأكثر من 60%، وتلك سياسة إجرامية أمريكية صهيونية بريطانية تحاول أن تزرع لدى الشعوب المحتلَّة جواً من الحياة الصعبة اقتصادياً لكي لا ينشغل الشعب إلا بلقمة عيشه ، ولكي يكون هنالك تدمير إمكانات النهوض التنموي لتلك الشعوب التي تعاني من جرائم الاحتلال.

إنَّ من يعايش واقع الشعوب المحتلَّة ويشعر كذلك معهم بمعاناتها، سيدرك أنَّ قصَّة العيش فيها أصعب من قصَّة (البؤساء) لـ:(هوجو)، وفي هذه الصورة المؤلمة، واللوحة المحكيَّة في هذه الأوراق عن الوضع المأساوي الذي يعيشه الأهالي وعموم الناس، فإنَّها تشكل ولابدَّ حالة حزن لكل شخص يحمل هم القضية، ولكنَّ المرء التربوي يستشعر دوره في هذه الأحداث وينتدب نفسه للقيام بما يوجبه الله عليه، ولهذا فإنَّ من المستحسن أن تعقد ورش عمل، ودورات متلاحقة يكون عنوانها:

كيف نربي الأمَّة التي تعيش تحت حراب الاحتلال؟

ونحاول أن نستقطب الدعاة والمحللين السياسيين والخطباء والاجتماعيين والمختصين النفسيين والاقتصاديين، لكي يشاركوا في عقد ندوة ضروريَّة تعالج مسألة مهمة كهذه، ولقد قال يوماً ما أستاذ التاريخ الإنجليزي (أرنولد تويبني): (التحدي يولد الاستجابة) فكل من شعر بنوع من التحدي أمامه وخصوصاً حينما يكون هنالك احتلال غاشم لأرض إسلامية نُكبت بذلك الاحتلال، فحري بأهلها أن ينمي لديهم هذه الاحتلال الرغبة في مقاومته والهمَّة لإزالته، كيف والقاعدة الرياضية تفيد بأنَّ «لكل فعل ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه».

·        من طرائق التغريبيين في التربية:

لو أردت أن أتحدث عن مثال حي وأعتقد أنَّه مثال خطير للغاية وهو ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية عن تقرير مرفق بفيديو مصـور عن الرحـلة التي نظمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" حيث استهدفت هذه الرحلة طـلبة قطاع غزَّة المتفوقين في الصف التاسـع بمدارسـها في مادة حقـوق الإنسان، واصطحبوهم إلى زيارة أمريكا وأوروبا وجنوب إفريقيا، بل إلى متحف "المحرقة اليهودية" (الهولوكسوت)، وهم بهذه الفعلة الشنيعة يحاولون أن يرسِّخوا في أذهان الطلاب _ ولاحظ المتفوقين – أنَّ اليهود كانوا مظلومين، وهذا ما سيولد في الحس الشعوري لأولئك الطلاب التعاطف مع اليهود، مع العلم أنَّ اليهود هم أكثر من انتهكوا حقوق الإنسان في فلسطين، فما هي إلاَّ محاولة خبيثة لغرس روح التعاطف لدى الطلاب مع ما قيل: إنَّها محرقة (الهولكوست)، والخطورة تكمن بمدى انخداع بعض الطلاب بمثل تلك الوقائع، ونسيانهم لقضيتهم الأساس التي انتهكت فيها حقوقهم ، لاسيما إذا رافق ذلك توجيه فكري مدروس.

كان الأولى بتلك الوكالة أن تذكر الفلسطينيين بما اقترفه اليهود الصهاينة في المحرقة التي أشعلت نيرانها إسرائيل في حربها الأخيرة على القطاع وأدت إلى استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني وجرح خمسة آلاف، وأن يجعلوهم يزورون مخيمات الشتات في عدد من الدول العربية، وأن يوضحوا لهم الكثير من الحقائق الخافية عنهم بمدى ظلم اليهود والدول الغربية لحقوق الإنسان المسلم الفلسطيني وكذا العراقي والأفغاني والصومالي الذي ذاق الويلات من سموم وحميم، وظل من يحموم حروب الاحتلال الغربي المباشر لدولهم.

·        قضايا على طاولة النقاش التربوي:

إنَّ أهم القضايا التي يمكن طرحها ومعالجتها في أرض الواقع للأرض المحتلَّة وصراع الأفكار والقيم ما بين أهل تلك الأرض والمحتل الظالم، ويجب أن يكون هنالك الكثير من الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التثقيفيَّة والمعالجة لجميع هذه الأسئلة الملحَّة، ومن أهمِّ هذه الأسئلة والقضايا التي تحتاج لمزيد من الاهتمام والعناية، والإجابة والرعاية بنقاش جاد، ورؤية ثاقبة:

أ‌) ضرورة تقوية إيمان الشعب بدينه أولا ثم بقضيته، والتركيز على فئة الشباب وربطهم بالله تعالى، وتعليقهم بقضيتهم، والحديث عن خطر النفاق وأعمال المنافقين، والحديث عن كيفية مقاومة المحتل في إغرائه للشباب بالعمل معه كـ:(عميل) لهم.

ب‌)  البحث عن كيفية تربية الأبناء والفتيات في وقت الحرب والمعارك المشتعلة الضارية، وعن كيفية مساعدة الناس على إمكانية التعايش مع هذه الحرب والتكيف معها ولو كانوا يشعرون بالخطر النفسي، وانعدام الأمن المجتمعي، طالما أنَّ المقصد الرئيس: طرد الغازي المحتل.

ت‌)  دور الدعاة والتربويين في توعية الشعوب المحتلَّة بخطورة الهجرة من بلادهم إلى غيرها هجرة تامة واستقراراً كاملاً إلى أن يحين الفرج بنظرهم، والحديث عن الآثار المترتبة على ذلك.

ث‌)  دور أهل التربية في صناعة الجو الإيجابي وبعث المنح في وقت المحن وخصوصا في حال منع التجول، أو الإضراب العام الذي تتأثر فيه جميع المنشآت الحيوية التربويَّة كالمدارس والمحلات والأسواق التجاريَّة.

ج‌)  الحديث عن ضرورة صناعة العزيمة النفسية وليست الهزيمة النفسية بين أفواج الشعوب والمجتمعات، فإنَّ ذلك أمر مهم جداً إدراكه، حيث إنَّ بعض النفوس المنهزمة قد يصل بها الحال حينما يدخل العدو المحتل في قراها أو مدنها باستقباله بالتصفيق أو الورود أو كما كان يذكر الإمام البشير الإبراهيمي عن بعض المنهزمين نفسياً من أهل الجزائر أثناء احتلال الفرنسيين لبلادهم حيث كانوا يقولون :(أمنا باري – أي : باريس – احفظها يا باري!!)([4])

ح‌) دور التربويين وتركيزهم في حديثهم للجيل الناشئ عن كيفية اختيار الصديق الصالح الصادق في نصحه، فالصديق له دور في توجيه الاهتمامات لدى صاحبه، والصاحب ساحب، والطبع سرَّاق.

خ‌) احترام الجهود التي تقاوم وتجاهد العدو، ودعاء الله تعالى لهم بالحفظ والتأييد.

د‌)  الإلحاح بالحديث عن عدة مفاهيم ضرورية كالصبر على أقدار الله المؤلمة، وخطورة الجزع والسخط على ما يقدره ويقضيه.

ذ‌) بث ثقافة التكافل الاجتماعي بين العوائل والمجتمعات المختلفة، وتفقد الأسر المحتاجة، وبذل الرعاية والعناية لها، وتهنئة أسر الشهداء، وتعزية أقاربهم، وبث روح الأمل في عائلة فقيدهم، والسعي في خدمة المعاقين والمحتاجين والأرامل والأيامى والمساكين والمعوزين والفقراء.

ر‌) الوحدة بين أفراد الشعب الذي قام العدو المحتل باحتلال أرضه قضيَّة مهمَّة للغاية، ولي معها وقفة قصيرة: فسواء أكان ذلك بالوحدة بين الإسلاميين بشتَّى حركاتهم وتنوعاتهم الفكرية أو حتَّى مع عموم أبناء الوطن الواحد ضد المحتل الغازي.

أمَّا عن الوحدة بين الحركات الإسلامية: فإنَّ هذا لا ينفي ضرورة النقاش الفكري فيما بينهم، وتلاقح الأفكار وتطارح الرؤى بينهم، فليس هنالك من إشكال عندما تختلف العقول اختلافاً سائغاًُ لكنَّ المشكلة باختلاف القلوب، ولا تعني الوحدة المقصودة الاندماج الكامل من جميع الحركات الإسلاميَّة والانصهار في بوتقة واحدة فإنَّ هذا لن يحصل كما علَّمتنا التجارب، وإنَّما هي روح التعاون والتكامل والتوحد قبالة العدو المحتل.

وأمَّا الوحدة بين أبناء الوطن الواحد: فإنًَّها تكون بتنمية روح (وحدة أبناء الوطن تجاه العدو) وذلك لكيلا يكون هنالك تنازع وشجار أو خصام بين الإسلاميين والطوائف الأخرى من أصحاب الأفكار غير الإسلامية ولو كانوا نصارى فالمهم وقت احتلال العدو لتلك الديار التوحد بين كافة أطياف الشعب لمواجهة العدو المحتل، مع الإبقاء على تنمية الجانب الإعتقادي فلا تنازل عنه مطلقاً، فالوحدة هذه ليست إلاَّ من قبيل السياسة الشرعيَّة في التعامل مع العدو، إذ لو انشغل أهل البلاد بعضهم ببعض لكان الرابح الأكيد من ذلك كله هو المحتل.

فإن انتهى الشعب من معركة التحرير لبلادهم وطرد المحتل، فإنَّه يمكن لكافة الأطياف الإسلامية المشاركة في دفع عدوان المحتل، أن ترى الطريقة المناسبة لإقناع غير ذوي التوجهات الإسلامية بما لديهم من حق وصدق وقوة، خصوصاً أن غالبية الشعوب المسلمة التي تقع تحت حراب المحتل ليست إلاَّ شعوباً مسلمة في غالبها وستكون مع المشروع الإسلامي لا المشاريع الأخرى التي لا تتبنى الإسلام منهجاً للحياة.

ز‌) على الشعوب أن تدرك وعي الكافر المحتل لبلادها، فإنَّ أكثر ما يغيظ العدو أن يكون هنالك رجال المواجهة والمجابهة لأفكاره وسلاحه، وأمَّا التمسك بعموم الواجبات الإسلاميَّة كالصلاة والصيام وغيرها، فعلى أنَّها تمثل لدى العدو المحتل خطراً، لكنَّها ليست بذات الأهميَّة والأولويَّة والخطورة الشديدة التي يوليها العدو المحتل اهتمامه ويحشد لها الجنود والإعلام والمال، وأذكر في هذا الصدد أنَّه عندما دخل الإنجليز العراق في عشرينيات القرن الماضي، أحب المندوب السامي البريطاني أن يقوم بجولة في بغداد، ثم وهو يمشي مع حاشيته إذا به، يسمع رجلاً يقف على مئذنة مسجد ويصيح، فظن أنها ثورة أو شيئاً من هذا القبيل، فقيل له: إنه يدعو إلى الصلاة وحسب، فقال: ليدع إذن كما يشاء!

س‌)  ضرورة جلوس الأب مع أولاده والأم معهم كذلك بجلسة عائلية يقومون فيها بزراعة وتنمية المفاهيم الصحيحة لدى الأطفال عن خطورة المحتل، لكفره بالله أولا، ولاحتلاله لأرض المسلمين، واغتصابه لمقدراتهم، وتعليم الأولاد أنَّ هذه الأرض هي أرض المسلمين وأنَّ أعداءنا محتلون مغتصبون سارقون لمقدرات بلاد المسلمين وخيرات أرضهم، كما يحسن ربط الأب والأم في حديثهم مع أولادهم عن حقوقهم وأرضهم وعدوهم ويكون ذلك بناء على ضوء تعاليم الدين الإسلامي، وإنَّ من المؤسف له أن نجد الآباء والأمهات يركزون على الذهاب للاقتيات لأولادهم وجمع المال لهم، بسبب الحالة المزرية للأوضاع الاقتصادية في البلاد المحتلة والمنكوبة عموما، ولكنهم يغفلون عن أمر أهم من الغذاء والطعام والكساء، وهو غذاء الروح بالإيمان، والعقول بالمعرفة والبيان، ونحن نجد في غالب الأحيان أن الأولاد الذين سقطوا أو أسقطوا في جرف العمالة وزلات الخيانة، كان ذلك بسبب الضعف التربوي للأب وقلة نصح الأم لأولادها وتعريفهم بألاعيب وأحابيل العدو المحتل، ومراقبة الأولاد وكيف يتعاملون مع الناس، فإنَّ مثل هذه الأمور قد توقعهم فيما لا تحمد عقباه ويندم الأب حينها حين يرى ابنه عميلا خائنا لدينه ووطنه وهو يخدم أعداء الإسلام بسبب الخلل التربوي الذي قصَّر فيه ببداية الأمر.

·        ومضة:

ورد في ترجمة الشيخ عبد الحميد بن باديس الجزائري رحمه الله أن المندوب الفرنسي أيام الاستعمار كان يقول: جئنا لطمس معالم الإسلام، واستدعى الشيخ عبد الحميد وقال له : إما أن تقلع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار وإلا أرسلت الجنود لقفل المسجد وإخماد أصواتكم المنكرة، فقال الشيخ بثبات المؤمن : إنك لن تستطيع ، فاستشاط غضباً وأرغى وأزبد وقال كيف ؟ قال الشيخ : إن كنت في حفل عرس علمت المحتفلين، وإن كنت في اجتماع علمت المجتمعين، وإن ركبت سيارة علمت الراكبين، وإن ركبت قطاراً علمت المسافرين وإن دخلت السجن أرشدت المسجونين وإن قتلتموني ألهبتم مشاعر المسلمين وخير لكم ثم خير لكم ثم خير لكم ألا تتعرضوا للأمة في دينها فوالله ما نقاتلكم إلا بهذا الدين

-------------------------

[1] ) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي :(1/35).

[2] ) نقلا عن جواب سؤال للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان منشور في موقعه، بتصرف واختصار.

[3] ) نقلا عن مقال الأستاذ : حسام تمام، بعنوان : (المقاومة والمفاوضة بين تجربتي الجزائر وفلسطين)، ورابطه:

http://www.islamismscope.net/interviews/236-2010-04-01-17-10-23.html

[4] ) أثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي :(1/ 40).

* رئيس تحرير المركز العربي للدراسات والأبحاث
 

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج