ولفواجع الأمة قميص يوسف

الخميس 28 يوليو 2016 08:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

ولفواجع الأمة قميص يوسف

مشاري المبلغ



خطبة الجمعة

خطبة الجمعةمئة ألف بل يزيدون، كنا نعدهم بالآحاد، ثم بالعشرات، ثم بالمئات، ثم بالآلاف، ثم بمئات الألوف، أولئكم من توفاهم الله في سوريا جعلهم الله من الشهداء -، وإذا خطفنا أبصارنا وتحولنا إلى أفغانستان وجدنا الأعداد بالملايين، وإذا تحولنا نحو بورما فمواكب الشهداء في ازدياد، وإذا عدنا بأبصارنا نحو أرض الكنانة مصر، فهم كذلك، وإذا مددنا أسماعنا نحو مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرض فلسطين، فشهداؤهم ملء السمع والبصر، وإن تحولت إلى أي أرض يقف عليها مسلم ستجد من الشدة والبلاء الشيء العظيم، وهذا مما يجعل قلب المؤمن الحق يطعن كل يوم؛ لأنه يعلم أن كلَّ دمِ مسلمٍ يسفك فهو دمه، وكلَّ جرح ينزف فهو جرحه؛ مصداقا لقوله - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: (( مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، مَثلُ الجسدِ إذا اشتكَى منه عضوٌ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى)).
أيها المؤمنون:! أمام كل هذا الطوفان من الدم المسلم، وأمام كل هذه الجبال من الأجساد المؤمنة، تلوح للعاقل في الأفق آيات في كتاب الله، وأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبشر، ولا تفتّر، تبشر الأمة بفجر قادم للإسلام يكون بعد هذه الظلمات من التنكيل والتقتيل والتهجير والتخريب، من نصارى ويهودَ ومجوس ومنافقين، وهذه البشائر أقرب إلى أحدنا من أرنبة أنفه، لكن يراها المؤمن فيعمل ليحققها، ويقرؤها الكسول البطال لينام منتظرا وقوعها، وفرق بين من شعاره: ( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ)، ومن شعاره: ( عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ).
أيها المؤمنون! إني سائلكم سؤالاً: هل يبزغ الفجر قبل الليل؟ وهل تشرق الشمس قبل الظلام؟ إن من سنن الله الكونية، أن لا يظهر الحق إلا بعد أن تستبين ظلمة الكفر، ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء)، فلا يأتي النصر من عند الله، إلا إذا اشتد البأس، وعظم اليأس. إننا لو تأملنا القرآن الكريم، لوجدنا في آياته ما يبشر أهل الإيمان أكثر مما نظن، حتى لكأن كل سورة في القرآن تبشر بنصر الله لهذه الأمة، ألم يقل الله - عز وجل -: ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
ألم يقل - جل وعلا -: ( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)؟ ألم يقل-تبارك وتعالى-: ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)؟ ألم يقل تقدس في عليائه -: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ)؟ ألم يقل الحق - سبحانه -: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)؟ إننا لو عدنا قليلاً إلى العهد النبوي في المدينة النبوية، لعرفنا سبب نزول هذه الآية، ولنستمع إلى ما قاله أبو العالية - رحمه الله - في هذه الآية: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى اللّه وحده، وإلى عبادته وحده لا شريك له سرا وهم خائفون، لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم اللّه بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح (بسبب الخوف من الأعداء) فصبروا على ذلك ما شاء اللّه. ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول اللّه! أبدَ الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عن السلاح؟ فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: (( لن تصبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة (أي: لا يلبس السلاح)))، وأنزل اللّه هذه الآية، فأظهر اللّه نبيه على جزيرة العرب، فأمِنُوا ووضعوا السلاح..
".أيها المسلمون! وإذا تصفحنا كتب السنة، وجدنا فيها من البشائر بنصرة هذا الدين ما لا يكاد يتصوره العقل، حين يرى الهوان والذل والتنكيل الذي تعيشه أمة الإسلام، فقد جاء ‏أبو ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - ‏فقال: يا ‏ ‏بشير بن سعد! ‏‏أتحفظ حديث رسول الله -‏ ‏- صلى الله عليه وسلم -‏ ‏في الأمراء؟ فقال‏ ‏حذيفة: ‏أنا أحفظ خطبته، فجلس ‏‏أبو ثعلبة، ‏فقال ‏حذيفة: ‏قال رسول الله ‏- صلى الله عليه وسلم -: (‏( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا‏ عاضا، ‏ ‏فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا ‏جبرية، ‏فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)).
إن البشارة لم تقتصر على الوعد بالتمكين والانتصار فحسب، بل قد بشر البشير - صلى الله عليه وسلم - بوفرة المال، فقد روى مسلم عن أبي نضرة - رضي الله عنه - قال: كنا عند جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - فقال: يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم قلنا: من أين ذلك؟ قال: العجم يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجبى إليهم دينار و لا مدي(أي: سلاح). قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم. ثم سكت هُنيهة ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( يكون في آخر أمتي خليفةٌ يحثو المال حثاً ولا يعده عداً)).
أيها الكرام! تصوروا هذا المشهد معي: قوة ناشئة، لا تزال صغيرة، تقع في مدينة صغيرة، جاءهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم، ومن خارج مدينتهم، ومن داخلها، ونساؤهم وأطفالهم في مرمى العدو، والحصار مطبق عليهم، وهذه القوة الناشئة قد ابتليت بعدو متغلغل فيها، وليس ثمة عدة أو عتاد غير اليسير المعتاد، والخوف فيهم قد عظم، والبلاء قد اشتد، حتى إن قلوبهم تكاد تنخلع من مكانها وتصل إلى الحناجر، وأبصارهم تذهب يمنة ويسرة من شدة الموقف، حتى بلغ الحال بهم أن اقتتلت فئتان منهم ليلا كل منهم يظن أن الآخر عدوه!! موقف عظيم، وخطب جسيم، وزلزال للقلب مهول!
كأن الأفق محفوف بنار *** وتحت النار آساد تزير
رغم كل هذا، يقع هذا الموقف العظيم الذي كان يوم الخندق، يحكيه البراء بن عازب - رضي الله عنه - فيقول: " لمَّا أمرَنا رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُحفَرِ الخندقَ، عرضَ لنا حجَرٌ لا تأخُذُ فيهِ المعاولُ، فاشتكينا ذلِكَ إلى رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فجاءَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فألقى ثوبَهُ، وأخذَ المعولَ، وقالَ: (( بسمِ اللَّهِ، فضربَ ضربةً، فَكسرَ ثلُثَ الصخرة، ثم قال: اللَّهُ أَكبرُ! أعطيتُ مفاتيحَ الشَّامِ، واللَّهِ إنِّي لأبصِرُ إلى قصورِها الحمراءِ الآنَ من مكاني هذا، قال: ثمَّ ضربَ أخرى، وقال: بسمِ اللَّهِ. وكسر ثُلثًا آخرَ، وقالَ: اللَّهُ أَكبرُ! أعطيتُ مفاتيحَ فارسَ، واللَّهِ إنِّي لأبصرُ قصرَ المدائنِ الأبيضَ، ثمَّ ضربَ الثَّالثةَ، وقالَ: بسمِ اللَّهِ فقطعَ الحجرِ، وقالَ: اللَّهُ أَكبر! أعطيتُ مفاتيح اليمنِ، واللَّهِ إنِّي لأبصر باب صنعاءَ))، إذن، فالبشائر أحق أن تحكى وقت الشدائد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
الخطبة الثانية:
أيها المؤمنون! إذا كان هذا السؤال (مَتَى نَصْرُ اللّهِ)؟ يصدر من المؤمنين ومعهم رسولهم، فما بالكم بحال من بعدهم؟! لكن المعوّل عليه هو قول الله - تعالى-: (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ). ولذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( عجبَ ربنُّا من قنوطِ عبادِه وقربِ غِيَرِه، ينظرُ إليكم أَزِلِينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يضحكُ يعلمُ أن فرجَكم قريبٌ))، ونحن نعلم يقينا أن دين الله ظاهر، لكن من السعيد الذي يستعمله ربه في نصرة دينه؟!

نقلاً عن موقع المختار الإسلامي

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة