أسرانا وأسرى اليهود

الجمعة 05 أغسطس 2016 08:26 ص بتوقيت القدس المحتلة

أسرانا وأسرى اليهود

أحمد الفقيهي


يا عباد الله، إن الأمة الإسلامية اليوم تمرُّ بمرحلةٍ عصيبة، وظروفٍ قاسية مريرة، مهما أُوتِي القلم من براعةٍ وبيان، ومهما وصل إليه اللسان من بلاغة وتبيان، فلن يستطيع تصوير الواقع المأساوي المُرِّ الذي تعيشه أمَّتنا الإسلامية.
 
أصبحت بلاد المسلمين هدفًا للأمم الكافرة، والشعوب الباغية، يسعون في إبادتها، ويحصدون خيارتها، وينتهكون مقدَّساتها.
 
قرنٌ مضى، بل أكثر، نذهب ونعود، نتكلَّم ونصمت وكأنما الحديث واحدٌ والمسألة هينة، وهي قضية القضايا.
 
قضيةٌ أرتنا كلَّ عيوبنا، وأوضحت خَلَلَنا وتناقضنا، قضية مصيرية ارتبطت بها كلُّ القضايا، ونشأت قضايا المسلمين بعدها على شاكلتها.
 
رأينا في تلك القضيَّة دماءَنا التي أُهدِرت، وكرامتنا التي مرغت، كم من دماء فيها سالت! وكم من أدمع جرت! وكم من فضيلة محيت وقتلت!
 
إنها قضية فلسطين الجريحة وقدسها الأسير.

وَنِمْنَا عَنِ الْقُدْسِ حَتَّى تَحَدَّ        رَ  دَمْعُ  الرُّجُولَةِ  مِنَّا   دِمَاءْ
وَأَغْضَى عَنِ الْقُدْسِ  أَبْطَالُنَا        فَزَلْزَلَ أُولْمَرْتَ  مِنْهَا  الْإِبَاءْ
فَلاَ   عُمَرٌ   يَسْتَثِيرُ    الْإِخَاءَ        وَلاَ  خَالِدٌ   أَسَدُ   الْكِبْرِيَاءْ
وَلاَ مِنْ  صَلاَحٍ  يَقِينَا  الْبَلاَءَ        وَيَحْمِي حَمَى مَوْطِنِ الْأَنْبِياءْ 

عباد الله:
لقد أتى على إخواننا في فلسطين قرنٌ من الزَّمان، وهم مرابطون في ثُغُور الإباء، شامخين أمام هامات العِدا، وقفوا في وجه أعدائهم، يقاوِمُون بالحَجَر أمام أسلحتهم ومجنزراتهم، يُسارِعون إلى ملاقاة ربهم، ودماؤهم على ثيابهم وأبدانهم لم ترفع، لتبقى وسامًا فوق صدورهم، شاهدة لهم يوم القيامة على ما قدَّمته نفوسُهم، فمع عشرات الشُّهَداء، وأضعاف ذلك من الجرحى، ومئات المعتقلين من الأسرى، ومع الحصار الشامل لكل المدن والقرى، ومع المجازر التي تُقَام في كل مكان، مع ذلك كله يؤكِّد ذلك الشعب المسلم أنَّه لا استسلام ولا ذل ولا هوان، ولسان حالهم يقول:

خَرَجْنَا إِلَى الْمَوْتِ شُمَّ الْأُنُوفِ        كَمَا تَخْرُجُ الْأُسْدُ مِنْ غَابِهَـا
نَمُرُّ عَلَى  شَفَرَاتِ  السُّيُـوفِ        وَنَأْتِـي الْمَنِيَّـةَ مِـنْ  بَـابِهَا 

عباد الله:
لقد أَنِفَت المقاومة في فلسطين الذلَّ، وطال عليها أَمَدُ الصلح، فأَبَتْ إلاَّ أن تُلَقِّن عدوَّها درسًا من دروس الإباء؛ ليدرك العدو والعالم من خلفه أن دماء الشهداء وأنين المصابين والجرحى لن يذهب سدًى، فكان الوهم المتبدِّد من تلك الرسائل، والقادم أكثر - بإذن الله تعالى - وما ذلك على الله بعزيز.
 
 
أيُّها المسلمون:
لقد علَّمنا أولئك الأبطال، كيف تعيش الأمَّة عزيزة كريمة، وكيف تموت عظيمةً شهيدةً، لقد علَّمونا أن الأمَّة التي تُحسِن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الميتة الشريفة يهب الله لها الحياة العزيزة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة.
 
أطفالٌ يُقْتَلون في مهده، ونساء تُنْتَهَك حرماتها، بيوت تُهَدَّم فوق أهلها، حكومةٌ يُختطف وزراؤها، ويهدَّد رؤساؤها، وتُدَمَّر كهرباؤها، وتُقْصَف طرقاتها، وتُمْنَع المؤن والأدوية عن مرضاها، كلُّ ذلك من أجل أسير واحد:

خَطْفُ امْرِئٍ فِي غَابَةٍ        جَرِيمَةٌ     لاَ     تُغْتَفَرْ
وَقَتْلُ   شَعْبٍ   كَامِلٍ        مَسْأَلَةٌ    فِيهَا     نَظَرْ 

عباد الله:
ليس العجب أن يفعل اليهود هذه الأفعال، وأن يَردُّوا بمثل هذه الجرائم والخصال، فهم إخوان القردة والخنازير، كم من العهود نقضوا! وكم من المواثيق جحدوا! وكم من الجرائم والقبائح قد ارتكبوا!
 
ولكن العجب الذي لا ينقضي هو من موقف العالم أجمع تجاه ما يحدث في تلك البقاع الطاهرة! إن اليهود لم يُسأَلوا عن جريمةٍ ارتكبوها، ولم يُعاتَبوا على معاهدةٍ نقضوها، ولم تُحجَب عنهم مساعدة طلبوها، لا يوجَّه إليهم لومٌ في جُرْمٍ اقترفوه، ولم يتأخَّر عنهم مددٌ سألوه، وفي هذه الحادثة توافد كبار ساسة العالم من أجل أسراهم، وبعثوا التعازي من أجل قتلاهم، أمَّا إخواننا في فلسطين والذين تجاوز عددهم في السجون الإسرائيلية ما يربو على عشرة آلاف أسير، فضلاً عن المشرَّدين والمبعدين عن وطنهم، فهؤلاء كلهم لا بواكي لهم، بل لقد قال أحد ساسة الغرب: لن نتغاضى مطلقًا عن قتل جنود اليهود مهما كانت معاناة الشعب الفلسطيني.
 
عباد الله:
أين حقوق الإنسان من شعبٍ يعيش منذ سبعين عامًا في الملاجئ والمخيَّمات، والملايين منه يعيشون في التشريد والشَّتَات؟! أين العدل؟! وأين الإنصاف؟! أين العالم بهيئاته؟! وأين المجتمع بمنظَّماته؟! أين مجلس أمنهم؟! وأين هيئة أممهم؟! أين هم من بكاء الثَّكَالى وصراخ الأيامى، وأنين الأرامل واليتامى؟!
يَا أَلْفَ ملْيُونٍ  أَلاَ  مِنْ  سَامِعٍ        هَلْ  مِنْ  مُجِيبٍ  أَيُّهَا  الْأَقْوَامُ
أَنَّى  أُنَادِي  وَالرِّيَاحُ   عَصِيبَةٌ        وَالْأَرْضُ جَمْرٌ  وَالدِّيَارُ  ضِرَامُ
قَدْ بُحَّ صَوْتِي مِنْ نِدَائِكِ أُمَّتِي        هَلاَّ فَتًى شَاكِي السِّلاَحِ هُمَامُ 

أيُّها المسلمون:
إن مشاهدة هذه المناظر المحزنة، ومتابعة الأحداث المتوالية تقطع الأمل في الرغبة الجادَّة في السلام، ذلكم السلام الذي يبنى على أساليب القهر والتعسف والإملاء.
 
أيُّ سلام يدعون إليه؟! هل هو السلام الذي يهدم البيوت، ويشرِّد من الديار، ويحاصر الشعوب ويعتقل المئات؟!
أيُّ سلام يجعل ردَّ الظلم من طرفٍ إرهابًا، ومن طرفٍ آخر حقًّا مشروعًا وسلامًا؟!
أيُّ سلام يتَّخذ العقوبات الجماعية منهجًا، والحصار والتجويع سبيلاً ومسلكًا؟!
أين ميزان الحق إذا كان عدوان المعتدي دفاعًا عن النفس وحفاظًا على أمن شعبه، ومقاومة الشعوب للظلم والاحتلال عدوانًا وإرهابًا وتهديدًا لأمن الآخر وشعبه؟!
أيُّ سلام يجعل حقد العدو غضبًا مشروعًا، وغضب المظلوم إرهابًا ممنوعًا؟!
أَيْنَ السَّلاَمُ وَمَا تَزَالُ مَسَاجِدِي        فِي كُلِّ  يَوْمٍ  تُسْتَبَاحُ  وَتُحْرَقُ
أَيْنَ   السَّلاَمُ   وَهَذِهِ   أَرْوَاحُنَا        مِنْ دُونِ ذَنْبٍ كُلَّ  يَوْمٍ  تُزْهَقُ
أَيْنَ   السَّلاَمُ   وَأُمَّتِي    مَغْلُولَةٌ        وَدَمِي عَلَى كُلِّ الْخَنَاجِرِ يُهْرَقُ
أَيْنَ   السَّلاَمُ   وَهَاهُمُ   أَطْفَالُنَا        قَبْلَ  الْفِطَامِ  تَكَسَّرُوا  وَتَمَزَّقُوا
شُدُّوا الْوَثَاقَ أَيَا رِجَالَ عَقِيدَتِي        فَالنَّصْرُ  آتٍ  وَالرَّجَاءُ   مُحَقَّقُ 

 
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني بهدى سيد المرسلين.

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.
 
 
 
يا عباد الله، لقد هانت هذه الأمَّة، حين ظهر فيها تفرُّق الكلمة، واختلاف الأغراض، وتجاذُب الأهواء، شُغِل بعضهم ببعض، انقسموا إلى قوميَّات، وتفرَّقوا في دويلات، لهم في عالم السياسات مذاهب، ولهم في الاقتصاديات مشارب، استولت عليهم الفرقة، ووقعت عليهم الهزيمة، بل نهش بعضهم بعضًا، وسلب بعضهم بعضًا، حتى صِيحَ بهم في كل جانب، فانصرفوا عن قضاياهم الكبرى، واستغلَّ الأعداء هذه الأجواء، فعاثوا في الأرض الفساد وأحدثوا البلاء.
 
أيها المسلمون:
والله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، لا عزَّ لهذه الأمَّة ولا جامع لكلمتها إلا كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليس بغير دين الله معتصم، به العزة والمنعة، وعليه وحده تجتمع الكلمة.
 
إن نزاعنا مع هؤلاء اليهود نزاع هوية ومصير، وقتال عقيدة ودين، وإن حقوق الأمة لن تنال بمثل هذا الخَوَر والجبن، ولقد أوضحت الأحداث والتاريخ كذلك أن الجهاد في سبيل الله هو السبيل الأقوم والطريق الأمثل لأخذ الحق والاعتراف به، وأن راية الدين إذا ارتفعت تصاغرت أمامها كلُّ راية.
إن حقًّا على أهل الإسلام أن تربيهم التجارب والابتلاءات والمِحَن، وإن بلوى نكبة فلسطين وتكرار ذكرها ينبغي أن يكون دافعًا لنا لا محبطًا، ومحرِّكًا للجهود لا جالبًا لليأس من عدم النصر؛ فلا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون.
 
عباد الله:
من أجل فلسطين وأقصانا الأسير لا بُدَّ أن نعمل شيئًا، فمهما كنَّا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقدِّم شيئًا، نستطيع أيُّها المسلمون أن نحدِّث أنفسنا بالجهاد، ونعدُّ العُدَّة، ونسأل الله الشهادة؛ فـ((مَن سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه))؛ رواه النسائي وغيره.
 
وفي الحديث الآخر: ((مَن مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق))؛ رواه مسلم .
 
مهما كنَّا ضعفاء فإننا نستطيع أن نحمل همَّ هذه القضية، وأن نتحدث بها في كل مجلس وبكلِّ لسان، حتى نجعلها شغلنا الشاغل في صباحنا ومسائنا، وأن نعرف بها لنجلو الغشاوة، ونحرِّك القلوب، وندفع الآخرين للعمل.
 
مهما كنَّا ضعفاء  فإننا نستطيع أن نقتطع من أموالنا وقوتنا اليسير للتبرُّع لإخواننا وسدِّ حاجتهم وفقرهم، ومهما كنَّا ضعفاء فإنَّنا نستطيع أن نربِّي جيلاً جديدًا على الإيمان واليقين، وبغض القَتَلَة المارقين، وليكون هذا الجيل - بإذن الله - طلائع جيل النصر المنشود.
 
أيها الناس:
مهما كان ضعفنا فإنَّنا نستطيع أن ندعو لإخواننا بالنصر والفرج والتمكين، وندعو على عدوهم بالهزيمة والعذاب والخسران.
 
يا مسلمون:
إن الدعاء عبادةٌ، فاجعلوا لإخوانكم منها نصيبًا.
 
اللهم ربنا عزَّ جارُك، وتقدَّست أسماؤك، وجل ثناؤك، سبحانك وبحمدك، لا يُهزَم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا يُرَدُّ أمرك، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين والشيشان، وفي كشمير والأفغان، وانصرهم في العراق يا رب العالمين.
 
اللهم كن لإخواننا المستضعفين في فلسطين، اللهم سدِّد رميهم ووحِّد كلمتهم، واجمع شملهم على التوحيد يا رب العالمين، اللهم اجعل جهادهم عبادة، وقتلهم لليهود إبادة، واجعل موتهم شهادة، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم عليك بعدوِّك وعدوِّهم، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، اللهم لا تغادر منهم أحدًا.


نقلاً عن موقع الألوكة

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة