المشاركة بالانتخابات من منظور شرعي

الثلاثاء 30 أغسطس 2016 08:00 م بتوقيت القدس المحتلة

المشاركة بالانتخابات من منظور شرعي

د. تيسير الفتياني

المشاركة في الانتخابات النيابية تختلف بحسب المنظور الأيديولوجي لحركات الإسلام السياسي، فبعض الحركات تعتبر المشاركة في الانتخابات النيابية محرمة ولا يجوز الانتخاب أو الترشح لهذه المجالس، فيما تعتبرها حركات أخرى جائزة من الناحية الشرعية، ويجوز الترشح والانتخاب، ويشترط ممارسة الحق الانتخابي لمن تعتبره هذه الحركات شخصاً مؤهلاً، يمتلك الخبرة والكفاءة.

وقد كثر الحديث عن حكم المشاركة في المجالس النيابية و بعد أن امتلأت الشوارع ووسائل الاعلام المختلفة بإعلانات المشاركة من يافطات وصور ودعايات، حيث يزكي كل مترشح نفسه ويعلن أنه الأفضل وأنه المستحق لإشغال هذا المقعد البرلماني، وترشيح القوائم البرلمانية الهلامية التي لا تمتلك برامج أو خطط مدروسة لإدارة العباد والبلاد والتي تأمل بتشكيل الحكومة البرلمانية المرتقبة ولمدة أربع سنوات ،

فالمشاركة في المجالس النيابية تشمل الترشيح والدعاية والانتخاب ثم بعد النجاح الإسهام في المجلس ويمكن تفصيل الأمر كما يلي:

أولا: المشاركة في انتخابات المجلس والدعاية للمرشحين والإنفاق في هذه العمليات من الأمور المشروعة ضمن الضوابط التالية:

أن يعلم النائب انه يملك سلطة محاسبة الحكومة مجتمعة أو متفرقة، ويملك نقد سياساتها الداخلية والخارجية وتصويبها ومحاسبة أصحاب الفساد الإداري والأخلاقي والمالي وغير ذلك من أسباب الفساد، وانه يملك محاربة الظلم وتقويم الظالم ومحاسبة المعتدين على المال العام وعقوبتهم، وأن يكون لديه الجرأة والشجاعة للقيام بذلك؛ ولا يخشى في الله لومة لائم وينطلق في ذلك كله من قوله تعالى:( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) آل عمران:104، ومن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.

أن يعلم النائب انه يملك مناقشة مشاريع القوانين التي تعرض على المجلس والمقدمة من الحكومة فيجب عليه أن يناقشها على ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، وضمن الدستور الذي ينص بأن دين الدولة الإسلام فيقبلها إن وافقت الشريعة الإسلامية، ويرفضها إن خالفت الشريعة الإسلامية؛ فالحاكم هو الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم مبلغ عنه فالله تعالى هو الذي يأمر وينهى ويحلل ويحرم ويحكم ويشرع، لقوله تعالى: ( إن الحكم إلا لله) يوسف:40.

أن ينطلق النائب في عمله النيابي القانوني والسياسي والرقابي من عقيدته ودينه، ولا يرجو مصلحة شخصية بل يضحي بكل المصالح الفردية والشخصية من اجل أن يرسي قواعد العدالة، ويقاوم الظلم التشريعي والفساد المالي والإداري والأخلاقي، وضمن هذه الضوابط يمكن للنائب أن يشارك في المجلس النيابي ليصدع بكلمة الحق ويقيم الحجة كما يجوز الدعاية للمرشحين أصحاب الكفاءة ويجوز الإنفاق المعتدل والصحيح في هذه العملية الانتخابية لأنها من الأمور المشروعة، وكل من يبذل جهداً أو ينفق مالاً أو يقول كلمة خير ويريد بذلك وجه الله وإعلاء كلمة الله والحق والدين يؤجر أجرً عظيماً و بذلك يكون 

حكم الذهاب إلى صناديق الاقتراع أمر مشروع وهي شهادة سيسأل عنها أمام الله، لذلك يجب أن تؤدى إلى مستحقيها فإن وضعها في مكانها الصحيح فصاحبها مأجور وإن لم توضع في موضعها الصحيح أو أخذ أجراً على ذلك أو باع صوته لمن لا يستحق فهي شهادة زور يؤاخذ عليها صاحبها وتعتبر من الخيانة لما روى انه: (من ولَى أحداً وفي المسلمين خير منه وهو يعلم فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين ) ، و عليه إثم المخالفات التي سيرتكبها النائب الفاسد الذي كان سبباً في إيصاله و نجاحه . 

ويجب أن يتوافر في صاحب الصوت ما يتوافر في الشاهد من الشروط بأن يكون عدلا مرضي السيرة والسلوك؛ لقوله تعالى:(واشهدوا ذوي عدل منكم)، وقوله تعالى:(ممن ترضون من الشهداء) فمن شهد للفاسد بأنه صالح فقد ارتكب كبيرة شهادة الزور، لذلك لا يجوز أبداً أن يشهد لمرشح بالصلاح لمجرد أنه قريبه أو من عشيرته أو لمنفعة شخصية ينالها أو يرتجيها منه، وهذا مخالف لأمر الله تعالى: (وأقيموا الشهادة لله )

  

فالشعب يريد نائباً عنده القوة في الفهم وفي الطرح والمناقشة وفي العلم بالقوانين وبالسياسة، وكذلك العلم بأصول الحوار والجدل، والجرأة في قول الحق، والشخص الأمين على حقوق الوطن والمواطنين ومصالحهم، ولا يريد مكاسب شخصية، ولا تغريه الإغراءات ولا المناصب، ولا يتنازل عن ثوابته ولا عن ما عاهد المواطنين عليه في ما طرحه في بيانه الانتخابي مهما كانت الأسباب ويتمثل قول الله تعالى:(إن خير من استأجرت القوي الأمين )، وأن يمارس عمله كنائب للأمة بعلم وجرأة وشجاعة ولا يخش في سبيل ذلك أحداً إلا الله .

وبناء على ما سبق ، إذا كان المقصود من الانتخابات رفض حاكمية الله للبشر، فهذا كفر واضح وصريح، ولا يجوز بأي حال من الأحوال، أما إذا كان المقصود هو رفض التسلط والاستبداد وحكم الفرد وأن يختار الشعب حكامه كما يريد، وأن يحاسبهم على تصرفاتهم، وأن يرفض أوامرهم إذا خالفوا دستور الأمة، أي إذا أمروا بمعصية، وأن يكون للشعب الحق في عزل الحكام إذا انحرفوا وجاروا ولم يستجيبوا للنصح والتحذير فهذا جائز.

والله الموفق للصواب

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة