أسرار السلطة والثروة

الثلاثاء 30 أغسطس 2016 07:00 م بتوقيت القدس المحتلة

أسرار السلطة والثروة

د. علي بادحدح

ما يزال حديث مجالسنا عن أحوال أمتنا وعن ما يجري في ديارنا وبلادنا. وتثور أسئلة كثيرة، نتعجب ونستغرب، ونحاول أن نفهم ونفسر سيما مع طول مدة كثير من الأحداث، ولسان حالنا يقول: ما وجه هذا التشبث بالسلطة؟ وما علة هذا التلهف على الثروة؟ وما هو سبب هذا الإفراط في استخدام القوة؟ أفلا يفكر الناس بغير هذه الأحوال التي تزهق الأنفس وتأتي على مصالح البلاد وتخرب البلاد والعباد؟! وكأن حالنا أحياناً يقول: لو كنت في هذا الموقع لفعلت كذا وكذا! أو يستغرب قائلاً لم لا يفعل هذا كذا أو كذا!

وهنا كأننا أمام تصورات فكرية ومشاعر نفسية وطرائق سلوكية لها صبغة تتمكن وتتجدر وتستعصي على أن تتبدل وتتغير؛ ولذا فإن فقه هذه المسألة لا أقول إنه ينفعنا بالتفسير والمعرفة ولكنه يفيدنا ويفيد آحادنا بأن نكون قادرين على أن نقيم أنفسنا على مراد الله، وأن نستطيع ترتبيها بما يمنعها من أن تكون لها صورة من صور هذا التشبث بالسلطة أو التلهف على الثروة أو الاستخدام للقوة؛ فإن في كل نفس واحد وفي كل سلطة واحد وفي كل مجال عمل واحد منا ربما صورة من هذه الصور، غير أن أظهرها وأكبرها يتجلى في الملك والحكم.

ومن هنا هذه وقفات يسيرة علنا نستجلي بها من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواقف التاريخية ما يبين ما نحن في أمس الحاجة إليه.

في قصة طالوت والنبي الذي كان لبني إسرائيل من بعد موسى، جاء قول الحق جل وعلا: { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } [البقرة : 247] وهنا يعرض لنا القرآن المفاهيم البشرية ذات الأهواء والنزعات وذات التقاليد والآثار التي تتبع إذا كانت بعيداً عن النهج الرباني، هؤلاء قالوا: ابعث لنا ملك، فلما سمى لهم ذلك الملك، قالوا: أنى يكون له الملك علينا؟ لماذا يرفضون؟ قال أهل التفسير: لأنه لم يكن من بيت الملك فيهم، فإن بيت الملك كانت في سلالة وهو من غيرها، وقال السعدي في تفسيره: كيف يكون ملكاً وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه وهو مع هذا فقيراً ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، وهذا بناءً على ظنٍ فاسدٍ وهو أن الملك وغيره من الولايات مستلزمٌ لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها، ثم ذكر ما قدمه الله فيما ساقه على لسان نبيه في هذه الآية: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } الرأي والحكمة والرشد وحسن التدبير هو قوام الملك والسلطة، والجسم وهو الاعتدال والقوة والقدرة يكون تالياً وتابعاً؛ فإذا جاء العقل الراشد كانت القوة في مسارها الصحيح، وكان الحكم في اتجاهه النافع المفيد؛ وإلا فإن الأمر لا يكون كذلك. كما جاء في هذه الآيات التي تكشف بعض الومضات في هذا الشأن، كما قال في تتمة كلامه: فإنه إذا لم تكن فيه صفات الرأي وكانت فيه صفات القوة حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع فتكون قوة على غير حكمة.

وانتقل إلى صورة أخرى أيضاً في قصص الملك وفي الحديث عنه في القرآن في قصة طالوت أيضاً عندما قال الحق جل وعلا: { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ } [البقرة : 251] السلطة مع الحكمة مع الرشد مع النبوة في هذا المعنى كما ذكر أهل التفسير؛ لأن كل قوة من غير رشد وكل سلطة من غير حكمة ما تفسد أكثر مما تصلح، وتكون حينئذ مزاودة السلطة والثروة ومزاودة السلطة والشهوة التي تعود على الجميع بالفساد والوبال. ومن هنا جاء القرآن مبيناً لهذا الاقتران المهم الذي يبين لنا الحقيقية.

وننتقل إلى صورة ثالثة محكية أيضاً في قصة، وهي في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام: { تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ } جاء الحوار: { قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } [البقرة : 258]، هذه هي القدرة التي تدل على الملك المطلق ليس الملك الظاهر أو التابع.

وانظروا هنا إلى هذا الملك كيف يعبر عن تفكيره؟ كيف يجسد صورة ملكه؟ كيف يعبر عن حقيقة قدرته؟ فأجاب على التو مباشرة من غير روية ولا حكمة: { أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ } [البقرة : 258] ولم يقل أصلاً: أنا الذي أحيي وأميت؛ لأن الذي تدل على الأصالة والملك الحقيقي لهذه القدرة، كيف تحيي وتميت؟ انظروا إلى صورة الذهنية والعقلية التي لا يكون فيها الرشد والحكمة وأثر النبوة باتباع الوحي.

قال يأتي برجل من المساجين، فيقول: حكمت عليه بالإعدام فيقتله، ويأتي بآخر فيطلق سراحه؛ فهكذا قتل أو أمات وأحيى على حد زعمه.

وهنا يظهر لنا عدد من القضايا التي تكشف صورة الذهنية في هذا المجال الذي يعرضه القرآن في مجال الذم، أولاً: بعد العقل والحكمة التامة؛ فلا تفكير هنا ولا مقارنة بين هذا الإحياء والإماتة التي هي قدرة إلهية وبين هذا التصور الذي قدم في هذه الصيغة. والأمر الثاني: هو التفرد المطلق بالرأي يصنع ويفعل ما يشاء يعطي ويمنع يقتل ويعفوا. والأمر الثالث الظاهر هنا كذلك: هو الظلم، إذ كان الاختيار عشوائياً، وكانت الأحكام ليست مبنية على وقائع، ولا على استحقاقات؛ وإنما مجرد تسلط الهوى؛ فجاءت الحكمة والحجة الربانية على لسان الخليل إبراهيم ليس منازعة لذلك إنك لا تحيي ولا تميت بل تركه إلى ما هو أعظم ليبين عجزه قال: { فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ } [البقرة : 258]، هنا ظهرت الحقيقة حقيقة العجز وعدم الملك للفت النظر إليها.

وننتقل كذلك إلى صور حقيقية جسدها القرآن لنا في طبيعة النفس الإنسانية ما لم تكن مهذبة بالإيمان ومنضبطة بحكم الشرع: { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا } [النساء : 53]، كلنا يقول: لو كان عندي ملايين أو كذا لفعلت ولأعطيت ولكذا! وهنا تكشف لنا الآيات عن طبيعة بشرية كما قلت في نزعتها التي فيها التسلط، قال: { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ } سؤال استنكار واستفهام استنكارياً كما قال أهل التفسير؛ لو كان لهم نصيباً من الملك فأي شيء سيصنعون؟ { لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا } والنقير مضرب مثل بالقليل الذي ليس له قيمة، ويقولون هو الغشاء الرقيق في نواة التمر وهذه طبيعة الاستئثار بالملك سلطة وثروة كما تجسدها هذه الآيات في أدق الأمور وأقلها لتعطي صورة حقيقية، والظن الذي قد يتبادر إلى الذهن عندما لا ننظر إلى الأمر في سياقه الصحيح بالنفس البشرية ونوازعها يقول: إن من كان عنده الملك فمن السهل عليه أن يعطي وسيكون لديه ما يبقى له؛ لكننا نجد الأمر على غير ذلك.

وهكذا نجد الصورة تتجسد في هذه القضية بصور أو بآيات كثيرة لعلي لا أطيل فيها وأختم بصورة واحدة منها، في قصة فرعون لما جاء خطاب مؤمني آل فرعون يبين الحقيقة في هذه القضية ويلفت نظر الناس وينبئهم: { يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر : 29] والحكمة هنا ظاهرة أيها الإخوة الكرام، اليوم ملك وظهور وهلك أفلا يفكر المرء أنه ستنتهي حياته إما بموت وإما بعجز ومرض فلن يكون حينئذ للملك سطوة ولا للثروة لذة؛ لأن الأمور تختلف وتتبدل فضلاً عن أن يفكر الانتقال إلى الصورة الأخيرة التي نوقن بها وهي الانتقال إلى يوم القيامة إلى ما بعد هذه الحياة الدنيا: { فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا } [غافر : 29] ومع ذلك مباشرة جاء قول فرعون في هذه اللحظة وهذا الحوار: { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }.

والحق الذي ينبغي أن نتنبه له هو أن الملك لله سبحانه وتعالى؛ وهذه حقيقة نغفل عنها جميعاً ليس الحديث مقتصراً على الحاكم والسلطان، { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الملك : 1] كل ملك هو لله، ما تملك من المال هو لله، وما تملك من العقل وحسن التدبير فهو من الله، وما تملك من أسباب القوة الجسدية والقدرة البطشية هو من ما أعطاك الله إياه، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير؛ فكما أعطى يأخذ وكما يعطي سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، له في ذلك تدبيره وقدره ومشيئته النافذة وحكمته البالغة سبحانه وتعالى، وكلنا أيضاً يحفظ قول الحق جل وعلا: { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [آل عمران : 26].

وقلنا إن هذه صور تتجسد عبر مراحل التاريخ والمجتمعات الإنسانية ويراها الناس عيانا بياناً بل ربما كأنما بالأمس حديثاً أو قصة أو عبرة والذي يليه يكون فيه غفلة وكأن الناس لا تدرك أو لا تعي أو لا تقرأ أو لا تعتبر وكأن العيون قد عميت والقلوب أصبحت لا تتعظ ولا تعتبر؛ وهذا أمر ظاهر كما قلنا في آيات الله سبحانه وتعالى.

وهنا وقفة أخيرة في صورة مهمة لنرى صورة أخرى في قصة يوسف عليه السلام، تقلبت به الأحوال من سرقته واسترقاقه، إلى خدمته، إلى سجنه، إلى ظهور الحق وإنصافه، إلى تقدمه وتملكه وسلطته، وجاء المشهد في كل هذه القصة في آخرها: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف : 101]، هذا الذي شعر وأدرك وعرف بوحي الله له، بنبوته، بما آتاه الله سبحانه وتعالى من العلم والحكمة، وما آتاه من الرشد عندما بلغ أشده، { قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } فهو مقر بأن الملك من الله، وأن ما صار تحت يده إنما هو من قدر الله وبنعمة الله ومن فضل الله، ويجب عليه أن يكون فيه على شرع الله عز وجل. { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } ذلك هو العلم والحكمة والنبوة والفقه والبصيرة والرشد الذي يقوم الملك ويجعله في مساره الصحيح. ثم تذكر القدرة والملك الحقيقي فقال: { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }. ثم بين الضعف البشري: { أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ }. ثم بين الطموح الحقيقي: { تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }.

وذكر النسفي في تفسيره: أنه عندما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام وألقى عليه القميص فارتد بصيراً وقد كان بلغ من الكبر عتيا، وفي نفسه وقلبه من الحزن لفقد يوسف وطول البعد عنه ما جعله يبادر مباشرة بالسؤال: ما فعل يوسف؟ ما خبره؟ ما قصته بعد كل هذا الزمان وانقطاع الأخبار؟ قال: كيف تركت يوسف؟ قال: تركته على ملك مصر يأمر وينهى. ما رأيكم في هذا الجواب الموجز البليغ الذي صور النهاية صورة كما نقول كأنما هي صورة درامية انتهى بالملك والسلطة؟ كيف تهللت أسارير يعقوب عليه السلام؟ وهل هلل لذلك وكبر؟! قال: ما لي وللملك، على أي دين تركته؟ بعد كل هذه المدة لا يهمني أن يكون ذا مال أو ملك أو سلطان، أين هو من الإيمان؟ أين هو من هدي القرآن؟ أين هو من وحي الرحمن؟ أين هو من النهج الحقيقي والسلوك المطلوب في هذه الحياة الدنيا؟ قال: هو على الإسلام، ففرح حينئذ.

هنا ملحظ مهم عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) كان الأول هو: (الإمام العادل) لماذا؟ لأن عدله وحكمه وقضاءه وحكمته تعود على مجموع الأمة بالخير فيحصل حينئذ العدل والإنصاف، وتقام حينئذ أسباب المودة والوئام والإنسجام ويكون ما وراء ذلك، ومن هنا لا يكون ذلك إلا بالارتباط بالله: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } هذه الصلة بالله فقهاً، وهذه الصلة بالله روحاً وعاطفةً، وتلك الصلة من بعد بالله عز وجل نهجاً وشريعة واتباعاً؛ هي التي تميز هؤلاء عن هؤلاء وأما الجميع فيقرون للملك الحقيقي في هذه الدنيا سطوة وقدرة وتغييراً وتبديلاً سبحانه وتعالى بيده الأمر والخلق والملك سبحانه وتعالى، وأما في يوم القيامة فالله جل وعلا يقول: { بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر : 16]، والملك لله الواحد القهار اليوم وفي يوم القيامة، لكن في يوم القيامة تبقى الحقيقة مطلقةً؛ لأنه يوم الحساب وليس يوم العمل؛ ولأنها حياة الأخرى وليست الحياة الدنيا.

وهنا وقفات أيضاً نجدها في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في سنته القولية وفي سيرته الفعلية حتى قبل أن يكون حاكماً في المدينة، جاءه رجل في مكة وفي بعض الروايات أن ذلك كان أيضاً في أول وصول النبي للمدينة المهم أن الرجل جاء فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه أي الرجل هابه من بهائه وهيبته عليه الصلاة والسلام، فجعلت فرائسه كأنما ترتعد خوفاً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلك إنما أنا ابن امرأة كانت ترعى الغنم على قراريط لأهل مكة) على مهلك أنا رجل عادي إذا صح التعبير، وكان الرجل إذا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه لا يعرفه من بينهم لأنه كواحد منهم، وكانت المرأة العجوز كما ورد في الصحيح تأخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم فتخلوا به في أي سكك المدينة شاءت حتى تكلمه في حاجتها فيستمع لها ويقضي لها حاجتها.

إذاً هذه الصورة تقول لنا ما قاله حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من راع استرعاه الله رعية فاحتجب دون حاجتهم ومظلمتهم إلا احتجب الله دون حاجته ومظلمته).

والصورة الأخرى صورة المشقة والشفقة؛ فإن الحاكم والراعي هو الذي يستحق وصف الرعاية لما يقوم به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي إلا ورعى الغنم، وكنت رعيته على قراريط لأهل مكة)، كيف هو راعِ الغنم؟ ماذا يصنع؟ إنه يكون قريباً منها، يحذوها، يذهب بها إلى موارد الكلف والطعام، هو الذي يسعى على حراسته، وإذا ناموا يكون متيقظاً حتى لا يغفل عنها، إنه الذي يكون معها وبها ولها فلا ينفصل عنها؛ ولذلك جاءت هذه الكلمة التي تكررت في الأحاديث (الراعي الراعي) لهذا المعنى، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من راعٍ يسترعيه الله رعية فيشق عليهم إلا شق الله عليه) أو في رواية أخرى: (فشق عليهم اللهم فاشقق عليه)، وهكذا في المقابل لو كان شفق بهم فالله عز وجل يشفق عليه.

وأخيراً المسئولية والنظر إليها، كما هو معلوم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كنت جلدت له ظهراً فليستقد مني أو فليتحلل مني، من كنت قد أخذت له مالاً فليستقد مني أو يتحلل مني) مسئولية يتذكر بها الوقوف بين يدي الله ذلك ما دعى الفاروق إلى أن يقول: لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها، ذلك الذي جعل عمر بن عبدالعزيز يقيم العدل ويرد الأموال ويصنع ما يصنع في سيرة عطره، ذلك الذي جعل كل حاكم يعرف حقيقة الملك يجعله خيراً ونعمة ورخاءً ويجعل بالنسبة له هماً ومسؤولية ومزيداً من الشعور بالتخفف من الدنيا؛ كما رأينا في سير الأسلاف من خلفاء الأمة وأمرائها في تاريخنا القديم والحديث في صور متنوعة هنا وهناك.

الخطبة الثانية

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة : 197].

ونحن نتحدث في هذا الأمر اذكر نفسي وإخواني بالحديث الذي يعمم المعنى ويجعلنا جميعاً مندرجين فيه ونشترك فيه في مسألة الرعاية وكوننا رعاة: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها؛ ألا وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) فكل هذا الأمر إن كانت صورته العليا الظاهرة في الملك والسلطة والحكم فصورته الكاملة الشاملة موجودة في كل ولاية تستدعي رعاية؛ فولي الأمر أو رب الأسرة هو ولي أمر وهو راعٍ ينبغي أن يقيم العدل وأن يحكم بينهم بالقسط، وأن يكون راعٍ قريب لين هين مسارع إلى الخير، وأن يكون قائم بمصالح رعيته سواءً في نفقة مالية أو في قسمة نفسيه وشعورية، وهكذا و في الوظيفة مديراً وموظفين، وفي التعليم معلماً ودارسين، وفي كل المجالات الحياتية؛ فكل منا عنده ضرب من الرعية وله صورة من صور السلطة، ونعجب أحياناً من أهل السلطة نقول: لم يتشبثون بها ويحرصون عليها ويجعلون بقاءهم فيها هو الأساس وإن حصل ما حصل، ولا نرى ذلك في أنفسنا في صور صغيرة هنا وهناك.

ومن لطائف ما قرأته في هذه الأحداث، أن رجلاً بعد رأى تلك الأحداث وكأنه يتعظ، كتب أنه سيفعل كذا مع أبنائه ومع زوجته وختم بقوله: إنه لن يكرر ترشيح نفسه كرب أسرة مرة أخرى؛ وكأنه استحضر أنه بالفعل في موقع سلطة دائمةٍ، فهل نحن فعلاً ندرك ذلك؟ وهل نحن نفرح بأن ننفس عن مشاعرنا ونتحدث في مجالسنا عن غيرنا؛ لأنهم منظورون في هذه المواقع وتلك المناصب.

لكننا لا نريد أن نكون صرحاء مع أنفسنا ولأننا إذا تغيرنا وغيرنا باب أنفسنا جرت سنة الله فينا: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد : 11]، (وكما تكونوا يولى عليكم)، أصلحوا أنفسكم تصلح حياتكم بإذن الله سبحانه وتعالى، أقيموا العدل في أنفسكم يقم في دنياكم، وهكذا ومن ثَم فإننا في حاجة إلى المراجعة الشاملة على مستوياتنا كلها في مجتمعاتنا في مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والأمة والحاكم والمحكوم حتى تصلح الأحوال وتعود إلى نصابها.

نقلا عن موقع إسلاميات

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة