حرمة الدماء

الثلاثاء 04 أكتوبر 2016 01:49 م بتوقيت القدس المحتلة

حرمة الدماء

د. سمير يونس

 قصّ القرآن الكريم علينا في سورة المائدة، أول حادثة قتل وقعت في تاريخ البشرية، حينما قتل قابيلُ بن آدم أخاه هابيل ظلماً وبغياً وحسداً، قال عز وجل: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ "27"} (المائدة).وبرغم أن قابيل قد هدد أخاه بالقتل، وأكد ذلك بقوله: {لأّقًتٍلّنَّكّ}.. فقد تلطف معه هابيل لعله يرجع ويعود إلى ربه وعقله، وأخبره أخوه هابيل أنه لن يمد يده ليقتله مهما هدده، بل إنه حتى لو قتله، فإنه لن يتعامل معه بالمثل، بل سيكف يده عن قتله، خشية لله عز وجل، حيث كان رد هابيل على أخيه قابيل: { لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ "28"} (المائدة)، ثم أخذ ينصح أخاه ويعظه لعله يرجع عما همَّ به، من جُرْمٍ، ومع هذا التلطف كله، وذلك النصح المخلص من هابيل لأخيه، فإن الظلم والبغي والحقد والحسد.. ذلك كله أعمى القلب عن الحق، وأصم الأذن عن سماع الحق، ودفعه الشيطان إلى ارتكاب المعصية.

 نعم دفعه الشيطان وهو العدو الأول للإنسان، وهوَّن عليه الأمر، حتى إذا وقعت الواقعة.. تخلى الشيطان عنه وتبرأ منه، وهنالك شعر قابيل بالخسران: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ "30"} (المائدة). ثم ندم قابيل، ولكن ولات حين مندم، ندم بعد فعلته الشنيعة، وهنالك لم ينفع الندم؛ لأن السهم نفذ، ولأن أخاه قد مات بالفعل، ولن يستطيع إرجاعه إلى الحياة الفانية، فحار قابيل، وحمل أخاه فترة طويلة، وهو يفكر ماذا يصنع بجثته؟ وكيف يتصرف فيها؟ إنه هنا أدرك حجم الخطأ، وجُرْم الفعلة، وصار قابيل في معضلة لا يستطيع الخروج منها، فبعث الله غراباً يبحث في الأرض؛ ليريه كيف يدفن أخاه، فقد كان هذا الغراب الذي بعثه الله تعالى ينبش الأرض؛ ليصنع حفرة يدفن فيها غراباً أخاه، وفي ذلك يقول رب العزة:{ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ "31"} (المائدة).

وقد بيَّنت لنا السنة المطهرة أنه ما من نفس تُقتل ظلماً - منذ ذلك التاريخ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - إلا كان لقابيل كِفْلٌ منها؛ لأنه أول قاتل، وهذا شأن كل مَنْ سنَّ ضلالة أو دعا إليها، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، قال تعالى:{ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ "32"} (المائدة).

وهذا الحكم وإن كان ظاهره خاصاً ببني إسرائيل إلا أنه عام فينا وفيهم، فقد سأل سليمان بن علي الحسنَ عن هذه الآية فقال: «قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: والذي لا إله غيره كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم من دمائنا».

وقد أوضحت السنة المطهرة بشاعة هذه الجريمة، إذ يقول "صلى الله عليه وسلم": «والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» (أخرجه النسائي). تأمل أخي القارئ الكريم، زوال الدنيا بأموالها ومزارعها، ومصانعها، وعقاراتها، وزينتها، وزخرفها، فالدنيا بكل ما فيها من هذا وغيره أهون عند الله من قتل المؤمن.

وعن معاوية "رضي الله عنه" عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم": سمعته يخطب، يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يقتل المؤمن متعمداً أو الرجل يموت كافراً» (رواه النسائي) ، فهل هناك خطر أشد من ذلك؟! وهل ثمة عقوبة أعظم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة؟! ويكفي أن نعلم أن الدماء هي أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، يقول "صلى الله عليه وسلم": «أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يُقضى بين الناس الدماءُ» (رواه البخاري).

والقاتل من أبغض الناس على الله وهو أحد ثلاثة من أشد الذين يبغضهم الله تعالى، إذ يقول "صلى الله عليه وسلم":«أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلحد في الحرم، ومُبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطَّلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» (رواه البخاري)، والمراد بالمطلب هنا: من يبالغ في الطلب.

ولقد نهى رسولنا الرؤوف الرحيم عن سفك الدماء، فقال: «ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». كما وضحت السنة المطهرة أن قتل النفس من السبع الموبقات، وحذر من ذلك، قال "صلى الله عليه وسلم": «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (أخرجه البخاري ومسلم).

مشهد رهيب ذاك مشهد كاف أن يتأمله من هم بسفك دم، أو قتل نفساً بغير حق، إنه مشهد يصوره لنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، يقول "صلى الله عليه وسلم": «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً، فيقول: يا رب، سَلْ هذا فيم قتلني، حتى يدنيه من العرش» (رواه الترمذي) ، أجل يأتي المقتول بعد أن ظُلم في الدنيا، وبطش به القاتل؛ لأنه كان الأقوى في الدنيا، ربما كان ينتمي إلى العائلة أو القبيلة الأكثر عدداً والأعز نفراً في الدنيا، وربما امتلك السلاح، وربما انحاز إليه القاضي المزور الذي يتبع هواه، ويضيع الحقوق من أجل جاه أو سلطان، أما الحال في الآخرة، فإنه يتبدل، فالحَكَم في الآخرة هو الله، ذو السلطان والجبروت، القوي العزيز الجبار القهار، فيُمكن المظلوم من الظالم، فيالتعاسة الظالمين المتجبرين المالكين للقوة والسلاح في الدنيا، الظالمين لأهل الحق والضعفاء!! ولن تكون كلمة هناك إلا كلمة الله، ولن يستطيع شهود الزور والكذابون والإعلاميون الدجالون أن يزوروا الحق، بل ستقرض ألسنتهم بمقاريض الله عز وجل. كيف تهينون من كرّمه الله؟! لقد كرم الله الإنسان فقال: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً "70"}(الإسراء).

ومن أعظم أوجه تكريم الله تعالى للإنسان أنه حرم قتله وكرّم نفسه ودمه، وجعل قتل الإنسان من أشد الذنوب وأغلظ الآثام، وتوعد القاتل بأشد العقوبة وأعظمها: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا "93"} (النساء). قال الإمام العلامة السعدي رحمه الله: وذكر هنا وعيدَ القاتل عمداً وعيداً ترجف له القلوب، وتتصدع له الأفئدة، وينزعج منه أولو العقول، فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار، فيا عياذاً بالله من كل سبب يبعد عن رحمته.

وفي المقابل وصف الله عز وجل عباده المتقين بأنهم يحترمون الدماء، ويحافظون على النفس التي حرم الله قتلها، وذلك في قوله تعالى في وصف عباد الرحمن: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا "68" يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا "69" إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا "70"} (الفرقان). ويلاحظ من هذه الآيات أن الله تعالى قرن قتل النفس بالشرك، وهذا يؤكد بشاعة إثم القتل. ولقد نظر ابن عمر "رضي الله عنهما إلى الكعبة حيث الجمال والجلال والكمال والهيبة والحرمة، فقال: ما أعظمك!! وما أشد حرمتك!! ووالله للمسلم أشد حرمة عند الله منك. ومن أقوال ابن عمر - أيضاً -:إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدماء الحرام بغير حله.

وقف رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يوم النحر خطيباً في المسلمين بالمسجد الحرام في خطبته المشهورة، فقال لأصحابه: «أي يوم هذا؟»، فقالوا: الله ورسوله أعلم، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس النحر؟». قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذو الحجة؟». قلنا: بلى، قال: «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه. قال: «أليست البلدة؟». قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض ليبلغ الشاهد الغائب منكم، فرب مبلغ أوعى من سامع، ألا فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (رواه البخاري ومسلم).

ولقد شدد القرآن الكريم في حرمة الدماء، وتغليظ إثم القاتل، ومن ذلك قوله تعالى: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "151"}(الأنعام).

هذه رسالتي إلى كل من قتل نفساً بغير حق، وهي رسالة موثقة مؤصلة من كتاب الله وسنة رسوله "صلى الله عليه وسلم"، لا من قانون أرضي يعتريه النقص وتغليب الهوى، وما حكم به قاض صاحب هوى، يريد أن يشفي غليله في المظلوم، وقسى قلبه حتى أصبح لا يرى الحق، وإن رآه لا يحكم به، فالشمس ساطعة سطوع النهار، والحق واضح والباطل واضح، إلى كل قاتل في بقاع أرض الله؛ في سورية، وفي مصر، وفي تونس وفي جميع بلاد الله تدبر مقالي هذا، وعش مع كتاب الله، وهدي رسوله، ولا تسمع لبشر ذي هوى وصاحب أطماع ومصالح شخصية، إلى كل من يتَّم الأطفال الأبرياء، إلى كل من رمَّل النساء الضعيفات، إلى كل من حرم نفساً من أن تعيش عيشة كريمة..

إلى كل من حرم طفلاً صغيراً من أبيه، إلى كل من حرم أباً من فلذة كبده، إلى من أحزن الأم والزوجة.

أما من ظُلموا، وقُتلوا ظلماً وبغياً، فأقول لهم: حسبكم ربكم، هو الذي سيقضي لكم، وليس قضاة الدنيا، وهنيئاً لكم الشهادة في سبيل الله.

وأما المكلومون من المجروحين الذين فقدوا الآباء أو الأبناء، أو اللائي فقدن الأزواج، وكذلك الصامدون من أهل الحق، فرددوا معي ما نظمه الطبيب المربي الشاعر الدكتور سناء أبو زيد رحمه الله إذ يقول:

إلى الله نشكو شرور العباد            فربُّ العباد هو المقتدر

ولا غير ربي يجيب الدعاء            ويدفع ظلم الذي قد فجر

دَعَونَا إلى الله نرجو الصلاح          ونرجو الفلاح لكل البشر

وقمنا إلى الله نبغي رضاه              ولسنا نبالي ركوب الخطر

ولسنا نبالي بطش الطغاة              فلن يستكين له أي حر

ولا ضير أن نُبتلى مثل يوسف        فنحجب ظلماً وراء الجدر

يميناً إذا غاب منا الرجال              لينتشرن قُفاة الأثر

فمِن خلف داعٍ سيمضي دعاةٌ         وخلف المربي سيمضي زهر

ولن يطفئ الظلمُ نورَ السماء         ولن يحجب الليل ضوء القمر

فيا قوم قوموا لنصر الإله              وفكوا سراعاً قيود الحذر

فما العيش إن لم يسد شرعُنا         وتعنُ الجباه لمن قد أمر

سلاماً لكم يا دعاة الصلاح        رعتكم بحفظٍ عيونُ القدر

سلمتم وطبتم وخاب البغاة          وشرع الإله هو المنتصر .

نقلاً عن موقع المختار الإسلامي

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة