مقومات العصمة للأمة

الجمعة 14 أكتوبر 2016 08:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

مقومات العصمة للأمة

د. علي بادحدح

وصية الله سبحانه وتعالى في كل آن وحين، وبيانه لزاد المؤمنين التقوى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة : 197].

وإن أمتنا ما زال يجري في جنباتها أحداث جِسام، وفيها مشكلات عِظام، ويمكن أن يكون الحديث عن هذا الحدث أو ذاك، أو عن تلك المسألة أو تلك؛ غير أنا نؤثر في هذا المقام أن نرتقي إلى المستوى الأعلى فننظر النظرة الأعمق والأشمل والأوسع بالمرجعية الأوثق والأقوى والأبقى؛ ليكون ذلك معيناً لنا على بصيرة تامة في جميع أمورنا وأحوالنا الفردية والجماعية؛ وليكون لنا قدرة بعون الله عز وجل وتوفيقه على تقويم الأمور وتحليل الأحداث على وجه صحيح؛ بعيداً عن الأهواء التي تأخذنا يمنة ويسرة، أو عن القوة التي تدفعنا قهراً وقوة، أو عن غير ذلك من الأساليب التي قد تضللنا وتغرر بنا، وفضل الله سبحانه وتعالى علينا في هذه الأمة عظيم وعميم وليس له في العالمين نظير.

وهنا أقف أمام المقومات العاصمة لهذه الأمة الكاملة لكي ترينا فضل الله سبحانه وتعالى علينا؛ فقد منَّ الحق سبحانه وتعالى علينا بالمنهج الكامل: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [المائدة : 3]. وأكرمنا بالدين الشامل: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } [النحل : 89]، { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } [الأنعام : 38]، قال ابن مسعود رضي الله عنه: بيَّن لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء، وقال السعدي في تفسيره: أي في أصول الدين وفروعه فهو مبينٌ أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعانٍ جليلة؛ فأول أمرٍ وأول مقوم عظيم أن الله جعل لهذه الأمة منهجاً كاملاً ثم جعله بوعده الصادق محفوظاً لا يتغير ولا يتبدل كما بيّن الحق سبحانه وتعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر : 9]، فاليوم وغداً وفي أحداث داخلية أو خارجية ومع الأصدقاء ومع الأعداء يبقى المنهج كما هو دون أن ينخرم منه حرف أو يتغير له معنى؛ وذلك ليس لأمة من الأمم مطلقاً إلا لما أكرم الله به هذه الأمة.

وانظروا إلى كل ما يطرح اليوم في عصرنا الحديث من المفاهيم أو المبادئ أو المطالب أو المصالح فإنكم واجدون له في القرآن منهجاً واضحاً وإشارات كلية جامعة وخيراً عظيماً يمكن أن يكون كافياً وشافياً لنا في كل ما نحتاج إليه وقاطعاً ومانعاً عن كل ما يضرنا أو يسيء إلينا أو يكون به إنحرافنا.

خذوا كل قضية وإنما اضرب في هذا المقام أمثلة قليلة فحسب تشير إلى غيرها، العدل الذي يدور الحديث عنه اليوم في كل الأحداث صغيرها وكبيرها: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [النساء : 135] هذه هي العدالة التي أمر الله بها لا تكون كاملة إلا إذا كانت لله { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ }، لا تكون معصومة عن الميل إلا إذا كانت مرتبطة بمنهج الله { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ }، هنا الإنصاف من النفس وهو عزيز؛ قد يعدل المرء في قضية لا تخصه، قد يحكم في مال لا يملكه، قد يتعرض لقضية لا تمسه، فهنا تجده يتغنى بالعدل ويتكلم فيه؛ فإن وصل الأمر إليه رأيته وقد تغير حاله وربما تغيرت موازينه واختلفت مقاييسه؛ لأن الإنصاف من النفس عزيز.

{ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } وجاء من بعد ذلك التأثيرات الأخرى الدنيوية { إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } [النساء : 135]، لا تعطي الحكم لقوي وغني؛ لأنك تأمل غناه وتخشى قوته، وتمنع الحكم والعدل لضعيف أو فقير؛ لأنك لا تخشى منه ولا ترجو شيئا.

وأخيراً وليس آخراً { فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا } أهواء النفوس على مستوى الأفراد والمجتمعات، على مستوى الطوائف والديانات، على مستوى الأعراق والثقافات؛ لا عاصم منها إلا منهج الله ودين الله الذي يبلغ مبلغاً لا يمكن لأحد أن يتصوره فضلاً عن أن يأتي بمثله: { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [المائدة : 8] أمر بالعدل حتى مع الأعداء والخصوم، أي سمو أرقى وأي تشريع ودين أرسخ وأبقى من مثل هذه المعاني ونحن إنما نذكر أمثلة وغيض من فيض وقليل من كثير وآية أو شطر آية من آلاف الآيات، ويقابل ذلك الظلم ترسم صورته الآيات: { بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا } [فاطر : 40].

ما هي سمة تصرفاتهم في حياتهم الدنيا وفي تبادلهم فيما بينهم؟ { إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا } صورة ومشهد آخر للظلم والظالمين في اللحظات والأنفاس الأخيرة { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } [الأنعام : 93] هنا صورة ثانية تنتقل بنا آية أخرى إلى صورة ثالثة في المشهد العظيم يوم القيامة: { تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ } [سبأ : 31-32] ويدور الحوار القرآني بتفصيل آياته ليرسم لنا حقيقة الظلم وغروره وبهرجه في الحياة الدنيا وانتهاءه وحشردته بالموت في هذه الحياة وانتقاله إلى المثول بين يدي الله والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وإن جئنا إلى الديمقراطية التي يتغنى بها الغرب أو الشرق فإنا واجدون في كتاب الله قول الحق جل وعلا: { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } [الشورى : 38] وتأمل شطر الآية في البدء بالاستجابة لله عز وجل ولأمره وأن ما يأتي إنما هو مثل وتطبيق لهذه الاستجابة والتكنية بأعظم الفرائض بعد التوحيد { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } والتثليث بانتظام الأمر في شؤون الحياة، { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } قال السعدي في تفسيره: أي لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم وهذا لا يكون إلا فرعاً عن اجتماعهم وتوالفهم  وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم أنهم إذا أرادوا أمراً من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها حتى إذا استبانت لهم المصلحة انتدبوا وبادروها؛ وذلك كالرأي في الغزو والجهاد وتولية الموظفين والأمارة وغير ذلك من الأمور.

وإليكم الأمر لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } [آل عمران : 159] قال ابن كثير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطيبهم لقلوبهم ليكونوا فيما يفعلونه أنشط، ثم ساق مشورته لأصحابه في يوم بدر في نزول المكان وفي قتال الأعداء ومشاورته لهم في أحد وفي الأحزاب وخندق وغيرها من المواطن يسوقها ويذكرها والذي يشاور هو النبي المسدد المرسل من الله عز وجل الكامل في عقله البالغ المنتهى في حكمته بين البشر ومع ذلك كان يشاور ويآلف ويطيب النفوس ويستنبط الآراء في صورة فريدة تمثل أنموذجاً كاملاً، وهكذا وهكذا إذا أردنا أن نمضي سنجد الأمر مضطرداً في أمور كثيرة.

وفي مقابل هذه الشورى تأتينا الصورة المقابلة لها أيضاً في إيجاز في الصورة المعارضة المخالفة النموذجية في قصة فرعون، ماذا يقول؟ { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر : 29] ما الذي يصوره في حاله؟ { يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ } [الزخرف : 51 ، 52] الغرور والاستكبار والعظمة التي لا ترى أحداً شيئاً ولا ترى الناس إلا هملاً ولا ترى الحقوق إلا ملكية وغير ذلك، ثم جاءت الصورة في قمة ما ينتهي إليه الحال مما نراه في سائر الأحوال: { إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } [الأعراف : 123 ، 124] التهمة جاهزة والعقوبة حاضرة، ثم من بعد يأتينا المشهد القرآني أيضاً في اللحظات الأخيرة: { قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } [يونس : 90]، جاء الجواب: { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } [يونس : 91 ، 92] يأتينا المشهد: { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ } [هود : 98].

صور متكاملة منهاج شاملة أول وأعظم ما منحنا الله عز وجل إياه منهج كامل شامل محفوظ فيه تبيان كل شيء ولا يشذ عنه أي شيء فهو يخاطب القلب ويقنع العقل ويوجه الجوارح وينظم حياة الفرد ويضبط تفاعلات الجماعة ويحكم أمر الأمة ويقيم شأن علاقاتها على أقوم وأسد الطرق والمناهج، ثم ماذا؟ هل يكفي المنهج النظري؟ هل تكفينا التعليمات والإرشادات؟ إنها إذا لكثيرة ووفيرة! المنة العظمى التي ليس لأحد من الأمم ولا للبشرية مثلها مطلقاً أن هذا المنهج قُدِّم له نموذج بشري حيٌ مثل القدوة العظمى والأسوة الكبرى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } [الأحزاب : 21]، كل آية من الآيات، كل حكم من الأحكام، كل موقف من المواقف القرآنية؛ تجلى في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أوجزت وأبلغت أم المؤمنين حين قالت: كان خلقه القرآن، قرآن يمشي، عدالة في الحكم والقضاء، نزاهة عن الحقوق والأموال العامة، صورة مثلى في معاملة الزوج ورعاية الأب، صورة فريدة في علاقة الأصحاب والأصدقاء، صورة في موازين المعاملات المالية والاقتصاد، صورة في كل الجوانب تتجلى.

ومن هنا جاء الأمر الرباني: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر : 7] ما من شيء إلا وترك لنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا، ننام ويكون لنا ذكر مأثور عنه عليه الصلاة والسلام، نستيقظ مع ذكر آخر، نخرج، ندخل، نركب، ننزل، نلبس، ننزع؛ هدي النبي يحفنا في كل صغيرة وكبيرة، سيرة حياته تتجلى لنا في سائر جوانب الحياة، في عقر بيوتنا، وفي ميادين حياتنا، وفي ساحات جهادنا، وفي كل مناحِ حياتنا نجد القدوة أمامنا عليه الصلاة والسلام.

هذا علي بن أبي طالب يقول: كنا إذا حمي الوطيس واحمرّت الحدق نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم، مقدم القول في كل أمر، وفي الحديث لما استيقظ أهل المدينة على صوت صارخ والحديث عند البخاري خرج الناس هكذا يريدون استجلاء الأمر، قال الراوي: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عائدٌ خرج على فرس عري لأبي طلحة قد استجلى الأمر وهو يقول: (لن تراعوا لن تراعوا).

هل لأمة من الأمم مثل سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ سير الأنبياء كثيرة وهي عظيمة وجليلة؛ لكن الله اقتضت حكمته أن لا تكون شاملة في كل جانب من الجوانب فعيسى عليه السلام لم يكن حاكماً لدولة ولم يكن قاضياً بين الناس.

وهكذا في سير الأنبياء جوانب عظيمة وجوانب لم تكتمل في حياتهم لأن الكمال اختاره الله عز وجل في هذا الدين العظيم، وقصره في شخص المصطفى صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خلقاً وأعظمهم شرفاً وختم به الأنبياء والمرسلين.

فهل بعد هذا من أمر يضاف إلى ذلك؟ والجواب نعم. فإن النبي نبي يوحي إليه وليس أحد غيره مثله بحال من الأحوال، فكيف يكون حال الأمة من بعده؟ نعم آتاه الله عز وجل نبراساً وضياء، وآتاه الله عز وجل مستمسكاً وعصمة: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [التوبة : 100]، وفي حديث أبي هريرة في الصحيح: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، فلا أدري ذكر قرنين أو ثلاثة)، هذه قرون مفضلة في جملتها تعد نموذجاً للأمة تقتضي به، تلتمس الصواب فيه، تبحث في ثناياه عن حلول مشكلاتها.

وقد وضّح ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجد)، اعطينا فترة بشرية ليس نبوية لكنها في جملتها مثالية وقدمت لنا كقدوة نحتذي بها وأسوة نترسم طريقنا في إثرها؛ لأن الله عز وجل قد زكى في كتابه تلك الثلة العظيمة الجليلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم في الجملة: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } [الفتح : 18] هذه مزية عظمى، وسير أولئك الخلفاء الراشدين، وسير أسلافنا في القرون المفضلة في الجملة محفوظة وظاهرة نعرف فيها لين أبي بكر وحزمه وجزمه يوم قال: والله لو منعوني عقال بعير واحد كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم ولو كنت وحدي، ويظهر فهيا عدل عمر رضي الله عنه الذي اتعب من بعده، وكان يعص ليله، ويحاسب ولاته، ويعاقب نفسه، ويشدد على أهله وأبنائه؛ ليكون نموذجاً حاكماً فريداً: عففت فأمنت فنمت، فكان النموذج التي أوجزته هذه الكلمات؛ وجاءنا عثمان رجل القرآن العظيم التي كانت تستحي منه الملائكة بكل ما كان في عهده من الفتوح، وجاء الإمام علي رضي الله عنه بشجاعته وقوته وحسمه للأمور وجمعه للأمة، وتوالى في تلك القرون المفضلة جموع غفيرة وجماهير كثيرة من العلماء والأئمة والقادة والدعاة لنا فيهم أسوة حسنة في جملة ما تمسكوا به من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فهل هذا هو الذي آتانا الله إياه فحسب؟ والجواب: كلا، فإن من نعمة الله ورحمته وحكمته وعلمه الذي سبق به قدره بأن هذا الدين آخر الأديان؛ فجعل لها كل أسباب النجاة والعصمة، كما ورد الحديث عند أبي داود وغيره بسند صحيح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يبعث على رأس مائة عامة لهذه الأمة من يجدد أمر دينها).

ورأينا ونرى على مدى تاريخ أمتنا أعلام أفذاذ لم يكون بالضرورة من تلك القرون المفضلة لكنهم انتصبوا أعلاماً يقودون الأمة بكتاب الله وسنة رسوله، يردونها إلى نهجه، يذكرونها بالاستمساك بالسنة المشرفة؛ وهكذا جددوا في الأمة عبر القرون المتتابعة، ليسوا آحاداً؛ بل هم العشرات والمئات والآلاف يضيق المقام عن حسرهم. ومع ذلك أيضاً خص الله هذه الأمة بعصبة الحق التي لا تنقطع لا في الزمان ولا في المكان كما صح كذلك عند أحمد في مسنده وعند غيره والحديث مروي بطرق كثيرة: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

فمنهج كامل، وكتاب محفوظ، وسنة واضحة، وهدي بين، وثلة مباركة وقرون مفضلة، وأعلام مجددون وعصبة على الحق وبالحق مستمسكة؛ أفكل ذلك لا يكفينا لكي نعرف الطريق في مدلهمات الخطوب؟ لكي لا نجد النور والضياء في ظلمات تلك الأهواء والشبهات والشهوات؛ حسبنا ذلك ويكفينا ونحن مطالبون ديانة وأمانة، ونحن راغبون في ذلك مصلحة ومنفعة؛ لكي نتشبث بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وإتباع آثار أسلافنا، والاقتفاء لأعلامنا، والاستمساك بعصبة الحق منا.

الخطبة الثانية :

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

وإن فيما ذكرته ما نحتاج إلى أن نتوجه إليه عملياً، نعم القرآن بين أيدينا، ربما نستمع إليه، ربما نتلوه، هل نحن نتأمل ونتدبر في معانيه؟ هل نحن نبحث عن دلائل أحكامه؟ وأعظم من ذلك هل نحن نعتبره الحكم الفصل فيما بيننا وفيما نختلف عليه؟ وهل نحن نعتبره الأمر الجازم الذي لا يسع واحداً منا إلا إتباعه؟

وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم كم نحن في حاجة إلى أن نقرأها، أن نتشربها، أن نعيشها؛ بنموذجها المضيء المشرق الذي يضيء سائر جوانب الحياة بصورة عملية في المواقف المختلفة مع الصغير والكبير مع العدو والصديق مع الكل وفي سائر الأحوال؛ فهل نحن أيضاً نأتي إليها ثم نترسمها ونتبعها.

وسير الخلفاء الراشدين المهدين والقرون المفضلة وكل ما ذكرته ليس هذا كلاماً نظرياً إنه تفصيل دقيق شامل ونعم متتالية وحكم جليلة جعلها الله سبحانه وتعالى لنا لنكون بالفعل لنا عصمة من كل فتنة، ولنا مخرج من كل محنة، ولنا قول راجح ورأي سديد في كل معضلة. وما يجري في أمتنا اليوم صورته الكاملة هي أننا لن نأخذ بهذا المنهج في كل هذه الأبعاد على مستوى الأفراد والآحاد وعلى مستوى الشعوب والمجتمعات وعلى مستوى الرعاة والحكام، وإن أردنا الصلاح فهو إلى ذلك المنهج.

ولا أزيد على ذلك فإن في تفصيلات وتفريعات ذلك كثير مما نعرفه ونعرف حقيقته ولكننا لا نستسلم له ولا نحكمه في واقع حياتنا كما يجب في كل هذه المستويات.

فنسأل الله أن يمن علينا بالبصر والبصيرة في كتاب الله، وأن يمنّ علينا بالاستمساك والإتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يمنّ علينا بالاقتفاء والإتباع لآثار السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن يجعلنا من عصبة الحق مستمسكين، والمتشبثين والمعتصمين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

نقلا عن موقع إسلاميّات

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة