دماء الحرية

السبت 22 أكتوبر 2016 01:00 م بتوقيت القدس المحتلة

دماء الحرية

محمد ضيف الله القرني

هل يمكن لأسد مفترس قد حبس عنوة ومنع الطعام والشراب ان يرضى بحبسه ويستسلم في سجنه ..؟!

لا وربي لن يرضى بذلك .!

فكيف نطالب انسانا له روح وقلب وعقل ، له كرامة وعزة وشهامة ، كيف نطالبه أن يذل وأن يخضع وأن يستسلم للهوان !

إذا كان الحيوان  لايرضى بالقيود فلماذا نتصور أن إنسانا له مشاعر وأحاسيس له شرف ونخوة .. أن يضع يده في القيد ؟ وأن يربط عنقه بالغل ؟

إن إنسانا تجري دماء الإنسانية في جسده ووريده لا يقبل بهذا !! ولو طاوعه جسده وصبر على الحبس ..فإن روحة لن تقبل ، بل ستجاهده حتى تخرج من جسده الذي رضي بالذل والمهانة !!

الحرية مطلب فطري يطلبه الانسان ويسعى لتحقيقه في حياته ،ولو لم يحصل على حريته لتمنى الموت عن الحياة والآخرة عن الدنيا،  حرية الفكر ، حرية العبادة ، حرية الرأي ، حرية الاختيار بين البدائل ..

الحرية مذاق له طعم لا يعرف لذته إلا من جربه ثم سقي علقم الذل ..

وللحرية مذاق من شرب من شربة لم يقبل من شراب القهر ولو جرعة واحدة ..

الحرية غادة فاتنة من اكتحلت عينه بالنظر اليها فلن يحتمل أن يصرف نظره عنها ولو عرضت له متع الدنيا ولذاتها ..

بحبها يهيم .. وبرؤيتها يسعد ، وبجمالها يتغزل ، وفي سبيلها يهب روحه ، ويسكب دمه رخيصا في بلوغ رضاها ..

كم من معلق بالمشانق قد فاح عبير حريته على الاكوان ، وانتشر عبق حريته على مر الاجيال فأصبح رمزا للحرية وقدوة للأحرار !

كم من سجين خلف القضبان تسمع دوي حريته يتردد مع صلصلة السلاسل واصداء القيود !

كم من قتيل رسم بدمه الأحمر أجمل منظر للحرية ، وسطر بدمه  الحر اجمل عبارات الحرية ..، ودوت حنجرته بأعذب أصوات الحرية وأصدقها !

وتأمل معي منظر  ذلك الحر الأبي حين رفض أن يحني رقبته لبشر أو يذل لمخلوق أو يخضع لزعيم أو طاغوت .. انظر إليه في ظلمة الليل وقد حنى ظهره خضوعا لله ومرّغ وجهه في الارض تعظيما لله ، ووضع جبهته على التراب تقديسا لله .. واستسلم لربه ومولاه ..

فسمت نفسه، وعلت همته، ورفرفت روحه في الفضاء العلوي ، فهانت عليه الدنيا وأهل الدنيا وعبيد الدنيا ، حتى لم يعد يلقي لها اهتماما او يعيرها انتباها ، بل اصبح همه الاخرة ففيها مطلبه وفيها تتحقق أمانيه ، وفيها يجد حريته .. وبسبب هذا الخضوع والانكسار بين يدي ربه كان له ذلك العز والشموخ وذلك المجد والإباء والعظمة ..

نقلاً عن موقع إسلاميات

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة